ألغام الدستور!  


سلام موسى جعفر  
يعتقد بعض الاصدقاء من أن تنصيب عبد المهدي رئيسا للوزراء جرى عبر التجاوز على الدستور، وان الانحطاط الذي وصلته العملية السياسية قد تجاوز مساوئ هذا الدستور. ولذا علينا التمسك به على علاته لإنقاذنا من الغرق النهائي لان من يرتكب الجرائم الكبرى بحق الشعب لا يستند فيها الى خلل في الدستور!
لا أستطيع صراحة ان أهضم مثل هذا المنطق: ما دام الوضع الحالي أسوء، فعليٌ القبول بالأقل سوءً! ثم ان فرز الأسوء عن الأقل سوء يخضع للاختلافات النسبية. وفي الواقع العملي فان تنصيب عبد المهدي رئيسا للوزراء هو تجاوز على الدستور من وجهة نظرنا. ولكن الذين دعموا تنصيبه استندوا على الدستور نفسه لتبرير ما نسميه نحن تجاوزاً! أين يكمن الخلل اذن؟
تحت حماية قوات الاحتلال الأمريكي وبأشراف مباشر من قبل خبراء المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، اجتمع عدد من دمى الاحتلال من حاملي الجنسية العراقية والأجنبية في عامي 2004 و2005 لكتابة ما كان نوح فريدمان وبيتر غا لبيرث يمليان عليهم، ليخرجوا لنا بطبخة معدة سلفاً سميت بالدستور العراقي، وهو نسخة منقحة ومطورة عن قانون إدارة الدولة لسنة 2003 الذي سنته سلطات الاحتلال الأمريكي بإدارة بول بريمر.
نوح فيلدمان امريكي صهيوني، عمل في العراق كمستشار لبريمر في فترة كتابة الدستور، وهو الذي صاغ قانون الإدارة المدنية السالف الذكر. أشرف بنفسه على كتابة الدستور الافغاني والعراقي، وكانت له يد في كتابة دستور الاخوان في مصر والمحرض الأول على إزالة فقرة تجريم التطبيع مع إسرائيل في الدستور التونسي. يلقب ب “صاحب النظرية السحرية لتقسيم الشعوب”، ومعروف عنه تشجيعه للإسلام السياسي.
اما بيتر غالبيرث السفير الامريكي السابق في إندونيسيا وكرواتيا والمعروف عنه دوره في تقسيم يوغسلافيا وكذلك اندونيسيا. صهيوني معروف بمواقفه التي تدعو علنا لتقسيم العراق وأيد بشدة أفكار نائب الرئيس الأمريكي بايدن بهذا الموضوع. عمل رسمياً كمستشار للقيادات الكردية في فترة كتابة الدستور العراقي، وحصل مقابل ذلك على ثروة كبيرة، كما عمل في نفس الوقت كمندوب لشركات النفط الدولية في فترة التفاوض مع سلطات الإقليم للحصول على عقود مشاركة، وكان ذلك مصدر إضافي لثروته. كما عمل كمستشار للقيادات الكردية في سوريا منذ 2014. يعود لغالبيرث الدور الأساسي في تثبيت مفهوم الفيدرالية بالمقلوب من خلال مساهمته في صياغة المواد الدستورية المتعلقة بعلاقة الإقليم مع السلطات الاتحادية وكذلك المواد الدستورية المتعلقة بالثروة النفطية والغازية. علاقته المعروفة علنا بالقيادات الكردية العراقية بدأت منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي.
مهمة فيلدمان وزميله غالبيرث الأساسية تمثلت في املاء صياغات دستورية تحرض على تفتيت العراق وصياغات متناقضة قابلة لأكثر من تفسير واحد. تكون بمثابة ألغام يتم تفجيرها وقت الحاجة لمنع حدوث استقرار دائم.
اللغم الأول
سهل المشرع عملية تشكيل أقاليم جديدة، الغرض من هذا التسهيل هو ضمان تحويل التفتيت الى عملية مستمرة بدون توقف. ففي المادة 118 ورد ان مجلس النواب يمكنه سن قانون ” يحدد الإجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الأقاليم بالأغلبية البسيطة للأعضاء الحاضرين”
اللغم الثاني
شجع المشرع على تشكيل أقاليم جديدة، بل حرض على ذلك. فقد ورد في المادة 119 انه ” يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين اقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه، إما بطلب من ثلث الاعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم، أو بطلب من عُشر الناخبين في كل محافظة”!
اللغم الثالث
خلق تناقض حاد بين المواد الدستورية في الموضوع الواحد. تنص المادة 13 ” يُعدُ هذا الدستور القانون الأسمى والاعلى في العراق، ويكون ملزماً في انحائه كافة وبدون استثناء. ولا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور، ويُعد باطلاً كل نص يرد في دساتير الاقاليم أو اي نص قــانوني آخــر يتعارض معه”
بينما يرد في المادة 115 “الصلاحيات المشتركة بين الحكومة الاتحادية والاقاليم تكون الأولوية فيها لقانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في حالة الخلاف بينهما”
اما المادة 120 تنص على أن ” يقوم الاقليم بوضع دستور له، يحدد هيكل سلطات الاقليم، وصلاحياته، وآليات ممارسة تلك الصلاحيات، على ان لا يتعارض مع هذا الدستور”. اما في ثانيا من المادة 121 فيرد ما يناقض ماورد في المادة 120″ يحق لسلطة الاقليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الاقليم، في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم”
وبينما أكد الدستور بوضوح شديد على ان السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي هما من صلاحيات الحكومة الاتحادية فقط كما ورد في المادة 110 الا أننا نجد في رابعا من المادة 121 ما ينقض حصر هذا الاختصاص بالسلطة الاتحادية حيث يرد النص التالي ” تؤسس مكاتب للأقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية”. وإذا كانت مهمة حماية الحدود تقع ضمن اختصاصات الحكومة الاتحادية فلماذا ترد إذاً في خامسا من المادة 121 ان حرس الإقليم من اختصاص حكومة الإقليم؟
أما فيما يخص النفط والغاز الذي أعاره غالبيرث أهمية كبيرة فان المادة 112 من الدستور قد تكفلت بخلق المشاكل الازلية عبر صياغة غامضة حتى للمختصين، وقابلة لأكثر من تفسير واحد، ترد في أولا من المادة المذكورة ” تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة على ان توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدة محددة للأقاليم المتضررة والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق والتي تضررت بعد ذلك بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد وينظم ذلك بقانون.” الصياغة تتحدث عن الحقول الحالية فقط! ولم يتطرق المشرع الى الحقول المكتشفة! فماذا كان يراد من وراء ذلك؟ ومن هي الأقاليم المتضررة؟
وكذلك ترد في ثانيا من نفس المادة صياغة قابلة لأكثر من تفسير تجعل من المستحيل على الأطراف المعنية الاتفاق في الامور التي تستجد دون مصاعب، وربما، دون إراقة دماء. الصياغة تقول ” تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز” الصياغة تؤسس عملياً لتشكيل عقد خلافية دائميه.
اللغم الرابع
تجميد الخلافات واطلاقها في الأوقات المناسبة. من المتعارف عليه في البلدان التي تبنت الفيدرالية كنظام حكم، أن الأقاليم تمثل في السلطات الاتحادية التشريعية عبر طريقين، الأول الانتخابات المباشرة لعضوية البرلمان، فيكون لسكان الأقاليم ممثلين في البرلمان يتناسب مع عددهم الى نسبة السكان. الثاني عبر عدد متساوي من المقاعد لجميع الأقاليم بغض النظر عن عدد السكان في مجلس تشريعي موازي للبرلمان. وجود هذا المجلس يضمن التمثيل المتساوي لجميع الأقاليم بغض النظر عن حجمها. الدستور العراقي نص في المادة 48 على ” ان السلطة التشريعية تتكون من مجلس النواب ومجلس الاتحاد”، لكنه ترك في المادة 65 مسألة تشكيل مجلس الاتحاد الى مجلس النواب لكي يسن قانونا بذلك في وقت لاحق، ثم يؤجل المشرع في المادة 137 العمل بجميع احكام المواد الخاصة بمجلس الاتحاد! ان تأجيل الاتفاق على تشكيل مجلس الاتحاد يعد محاولة خبيثة لتجميد الخلافات مؤقتا، ثم إعادة إثارتها في وقت لاحق. والملاحظ ان المادة 140 في الدستور العراقي والتي جاءت لتحل محل المادة 58 من قانون الإدارة المدنية التي أصدرته سلطات الاحتلال الأمريكي، أضيفت بعد الاحتفال الذي أقيم بعد انجاز كتابة الدستور. المادة المذكورة كانت تتحدث عن خطوات إجرائية لحل ما سمي بالمناطق المتنازع عليها ومحددة بسقف زمني وليست مادة دستورية، تحولت فيما بعد الى مادة مقدسة، والويل كل الويل لمن يعارضها. اقحامها في الدستور كان محاولة لإضفاء الشرعية على اعمال التوسع التي كان يخطط لها من قبل زعامات الإقليم ومحرضيهم.
الأمريكيون أعرف من غيرهم بمخاطر الصياغات غير الواضحة في الدساتير الفيدرالية، وأدرى بالنتائج المحتملة من وراء تأجيل حسم الخلافات بين الأقاليم، وهم أكثر خبرة من غيرهم بما يمكن ان تؤول اليه الاحداث التي تختبئ وراء عدم التحديد الدقيق للصلاحيات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم. فلهم تجربة حرب أهلية دموية طويلة، استخدمت فيها التفاسير المختلفة لمواد الدستور الاتحادي كأغطية قانونية للأطراف المتحاربة. ومع ذلك أصروا على فرضها في الدستور العراقي.

 

2019-08-02