من تراثنا العربي  
علي رهيف الربيعي   
الخليفة وحرية الفكر ( الجزء الأول )! 
لا يكون أثر الطغيان سلبا على حرية الفكر فحسب ، وإنما يكون كذلك أيضا على أخلاق المفكرين والأدباء والشعراء والفقهاء .. إلخ ، فيتجه بهم إلى الرياء النفاق والتزلف ! يقول أحمد أمين (1) :
” إن الأدب اتجه معظمه ، في العصر العباسي ، إلى مشايعة رغبات القصر ، يذم الشعراء من ذمهم الخلفاذ ، ويمدحون من رضوا عنه ، فإذا خرج محمد بن عبد الله على المنصور هجاه ابن هرمه ” . وإذا رضى المعتصم عن الأفشين ، فقصائد أبي تمام تترى في مدحه . وإذا غضب عليه وصلبه ، فقصائد أبي تمام أيضا تقال في ذمه وكفره . ويرضى الرشيد عن البرامكة فهم معدن الفضل ، ويقتلهم فهم أهل الزندقة والشرك . وهكذا وقف الأدب أو أكثره يخدم الشهوات والأغراض ، وقديما هجا الفرزدق الحجاج بعد أن مدحه فقيل له ، كيف تهجوه وقد مدحته ؟ فقال : نكون مع الواحد منهم ما كان الله معه ، فإذا تخلى عنه انقلبنا عليه ! ( ولو قال نكون مع الواحد ما كان الحاكم معه لكان أصدق ) .
ومن خرج عن خط المديح لمن يرضي عنه الحاكم وهجاء من يغضب عنه ، عوقب على خروجه أشد عقاب ، وأنشأ العباسيون إدارة للبحث عن الزنادقة ، وتعقبهم ، ومعاقبتهم ، وأفرطوا في قتل المتهمين ، ومنهم من قتل ظلما وعدوانا وكان الداعي إلى قتله أسبابا سياسية ، لكنهم نفذوا أغراضهم تحت شعار الزندقة استمالة للجمهور كما فعلوا في ابن المقفع وصالح بن عبد القدوس الذي سبق أن ذكرناه . لكن ابن المقغع يحتاج إلى وقفه خاصة : ابن المقفع صاحب المكانة الرفيعة في الأدب العربي ، والحظ العظيم من الثقافة العربية واليونانية والفارسية ، حتى أنه كان أول من ترجم كثيرا من كتب أرسطو في المنطق والجدل والقياس والمقولات (2) . هذا الرجل تجرأ وكتب ” رسالة في الصحابة ” أرسلها إلى المنصور بدأها بمدحه ، وتفضيله على الأمويين ، لكنه تجرأ وعين من نفسه مشيرا يشير إلى ” ولي النعم ” ! أشار عليه بالاهتمام بالجنود في خرسان وضمان أرزاقهم ، وأن يضع لهم قانونا يعصمهم من جور العمال والحكام ، ويضمن لهم حياة هادئة ! ، ثم انتقل إلى أهل العراق فأوصى بهم أمير المؤمنين خيرا ، لأنهم ظلموا أيام بني أمية وليس ذلك فقط بل إنه انتقل إلى الأحكام الفقهية فرأى أن يصدر الخليفة كتابا يلزم الفقهاء على اختلافهم بالأخذ به فلا يكون في الأحكام تناقض ولا في القضاء اضطراب ! ، ثم انتقل إلى أهل الشام فطلب إلى الخليفة أن يحتاط في سياسته فيشتد عليهم في عدل .. الخ . فماذا يكون جزاء هذه ” الوقاحة ” ؟
يتبع
‎2019-‎08-‎01