الهدف المؤسسة الثورية!  
بسام ابو شريف  
حسين الهابط !  
من يعرف حسين الهابط الذي ارتبط اسمه باسم الهدف ، الهدف معروفة في جميع أنحاء العالم لكن ليس كل من ساهم في بناء مؤسسة الهدف الثورية معروف ، والبعض معروف في دائرة ضيقة والآخرون معروفون في دائرة أوسع قليلا ، لكن الهدف هي التي عمت العالم وأصبحت قبلة للثوريين ومنبرا وساحة للتعبير والانجاز والاعجاز .
هذه المؤسسة ، هي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من واجهة محددة : واجهة الفكر والتحليل والابداع الأدبي والفني ، وهي ايضا واجهة الجبهة الشعبية واطلالتها على الرأي العام الاقليمي والدولي ، وتحولت الى مركز للحوار والبحث والنقاش فكان يلتقي في مقرها أو خارج مقرها مفكرون وصحفيون وأدباء وفنانون لمناقشة ” اللحظة الراهنة ” ، ولتحليل التطورات ومحاولة الخروج بخلاصات تصب في بحر العمل الثوري .
في العام 1968 ، ثار اليسار في فرنسا والتهبت بعدها اوروبا بثورات وانتفاضات شبابية وطلابية ، وكانت الهدف مواكبة لهذه التطورات المتلاحقة والسريعة قبل أي صحيفة اخرى ، وأوفدني غسان الى باريس وبرفقتي سليم نصر لاجراء لقاءات وحوارات ونقاشات مع الفئات اليسارية الفرنسية ، التي انشقت عن الحزب الشيوعي الفرنسي وكانت غيفارية وماوية وتروتسكية في اتجاهاتها ، وهيأت تلك الحوارات للخروج بمدرسة ثورية جديدة ساهمت في اقامة تحالف دولي بين المعادين لامبريالية حكوماتهم في البلدان الرأسمالية ، وحركات التحرر التي تقاتل ضد حكوماتهم وامبرياليتها .
مدرسة ثورية شقت طريق المشاركة الفاعلة والفعلية لفصائل اليسار في المجتمعات الرأسمالية في القتال ضد الامبرياليين من خلال الانخراط في حركات التحرر الوطني .
وكانت الحركة التحررية الفلسطينية ، هي الأبرز في تلك الظروف التي ولدتها هزيمة 1967 حسين الهابط فتى من برج البراجنة عمل في الهدف بصمت مضيفا للقهوة والشاي ، لكنه كان يراقب بعينين تبحثان عن المعرفة كل مايدور ويتتبع عملية صناعة الهدف اسبوعيا .
كان بشوشا ويفيض وجهه بالتفاؤل بالنصر ، وهو يرى خلية النحل تنتج مجلة الهدف وتحول حسين الهابط الى ” كرت فرار ” ، يكلفه غسان بمهمات لاعلاقة لها بصنع القهوة أو الشاي وكان ذكيا يلتقط الأمور بسرعة ولايتردد عن الاقدام على أي عمل يطلب منه ، وحسين الهابط كان يتمتع بفرصة مشاهدة المشاهير والمشهورين يدخلون مكاتب الهدف ، وكان سعيدا لذلك فقد شاهد مظفر النواب عندما عمل معنا في مجلة الهدف ، وكان يرى الدكتور جورج حبش يزور غسان فجأة في مقر الهدف ، وكان يرى أعدادا من الصحفيين الأجانب والرسامين والنحاتين والمصورين ، كلها مناظر يتمتع بها حسين الهابط ويندفع للقيام بعمله .
مجلة الهدف تؤسس الاعلام لدول
ولعبت الهدف دورا مركزيا في انشاء دائرة اعلام في اليمن الديمقراطية الشعبية ” الجنوب ” بعد الاستقلال ، وقام طاقمها الفني برئاسة المخرج الكبير قاسم حول ” العراق ” ، بتصوير أول صور لمختلف نواحي النشاط والعمل الثوري في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وأقامت للصحفيين دورات متتابعة في اليمن وبيروت لتدريبهم على العمل الصحفي والتصوير الصحفي ، ومازلت أحتفظ بأول صور التقطت لمدارس تعليم أطفال البادية في اليمن ، والتي أسسها ” سالمين ” ، أي سالم ربيع علي أحد أهم أبطال تحرير جنوب اليمن ” الحمدلله ” ولعبت الهدف دورا أكبر بكثير من دور المجلة الثورية .
فقد كانت تتبع أحداث العالم ، وكل تطور وقرار وموقف يؤثر على مجرى قضية فلسطين وأقامت صلة دائمة مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة .
ودخلت عالم الاتصالات الذي تطور بسرعة فائقة ، فقد كانت تستخدم الهاتف الدولي وكان في تلك الأيام عدد خطوط الهاتف الدولي محدودا ، ثم التلكس وكانت أول جهة في لبنان تدرس استخدام الفاكس عند اختراعه من شركة BM .
لكن ثمنه الباهظ آنذاك وعدم استيعاب بعض أعضاء المكتب السياسي للعملية التقنية منعنا من شرائه ، وفي تلك الأيام ” 1971 ” ، اتصل بي صديق يعمل مديرا لشركة BM ، وطلب مني أن أزوره وقام مهندسو الشركة بتجربة الجهاز الجديد ، كان الجهاز يعمل عبرقطعتين ” آلتين كبيرتي الحجم ” ، واحدة تركب في مكاتبنا واخرى لدى طرف واحد آخر في نيويورك مثلا وتمكننا الآلآت في حينها من ارسال بريد لعنوان واحد فقط ، هو ذلك الذي يمتلك القطعة التوأم وفكرنا في أن نرسل صفحات الهدف لتطبع في الولايات المتحدة ” سوق كبير للهدف ” ، وكان هذا من شأنه توفير مبالغ كبيرة على المدى البعيد ” كلفة الشحن والتوزيع ” ، لكن ثمن الجهازين كان يقارب 50 الف دولار ، ورفض المكتب السياسي الفكرة واستمرينا في شحن آلآف الأعداد شحن للأسواق .
والهدف كانت من أهم مشجعي الشباب الناشئ والموهوب في الكتابة أو الرسم أو التخطيط وكان ” الفقيه ” ، خطاط الهدف من أفضل مخططي العربية ودرب عددا لابأس به من الشباب كما درب محمود الداورجي عددا لابأس به من المخرجين ، لكن صفحات الهدف التي أرسى غسان سياسة انفتاحها على الأقلام الشابة كانت أهم معلم للنشء الموهوب ، فصفحات الأدب تعاقب على الاشراف عليها عدد كبير من الأدباء والنقاد ، ولعبت سهام وهبة دورا هاما في نقل ماينتج من أدب روائي وأدب سياسي عبر صفحات الهدف للقارئ حيثما كان ، واستضافت على صفحات الهدف قصائد تنشر لأول مرة للشاعر معين بسيسو ولمحمود درويش وسميح القاسم ورسومات لفنانين كبار .
وتبنت الهدف واحتضنت الفنان العراقي المبدع ابراهيم زاير ، الذي كان صديقي ورفيقي وأعرف كم هو فنان وانسان حساس ومرهف في حساسيته وانسانيته ، وقام باهداء غسان لوحة ” المقاوم ” ، لكنه انتحر في بيروت بعد أن زج اسمه مع مجموعة انشقت عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .
وكانت الهدف ملجأ لابناء المخيمات في لبنان وسوريا يرسلون للمجلة انتاجهم فترحب به على صفحاتها ، وتفسح المجال لهم ليطلوا على جمهور واسع من خلالها ، وكم من مبدع بالرسم والكلمة أفسحت له الهدف مكانا على صفحاتها .
في بعض البلاد ، كانت الهدف توزع علنا ” كاليمن ولبنان ” ، وفي بعض آخر كانت توزع سرا لأنها ممنوعة ، لكنها كانت تصل للأرض المحتلة والاردن والخليج والجزيرة والعراق ومصر وكل الدول العربية والاوروبية والاشتراكية والولايات المتحدة وكندا واستراليا وكل أنحاء اميركا اللاتينية .
كانت المجلة بكل صفحاتها تشكل كتابا تثقيفيا انتشر في كل الجامعات العربية والاجنبية التي يدرس فيها طلاب عرب ، وكانت عنوانا ترسل له الرسائل والمساهمات والتبرعات والاقتراحات والأفكار .
كنت تضطر احيانا لطبعة أضعاف عدد النسخ التي تطبع عادة لتلبية طلب الأسواق بسبب المطالبة من اسواق بعض البلدان بالمزيد من الأعداد ، ومن مجلة الهدف انطلق أول قسم للسينما الفلسطينية ، وقام بالاشراف عليه المخرج العراقي قاسم حول ، الذي تفانى في العمل وبذل الجهد ، وفاز أول فيلم لقسمنا هذا بالجائزة الفضية في مهرجان الفيلم الوثائقي بكان ، ولايكتمل الحديث عن الهدف اذا لم نتطرق الى الشق الآخر من صناعة الهدف .
كان ذلك اليوم يوما حزينا جرحني عميقا ، وذلك الجرح الذي نزف …ظل ينزف حتى الآن كان الثامن من تموز ( 8/7/1972 ) ، وكنت على موعد مع غسان لألقاه في مكتب الهدف كي اصطحب لميس ” ابنة اخته فايزة ” ، الى الجامعة الاميركية لأساعدها في التسجيل كطالبة في السنة الاولى ” كانت من أوائل التوجيهي في الكويت ” ، وعندما وصلت توجهت لمكتبه فورا لأجد عمر عز الدين ” شاب مليء بالحيوية والحماس للعمل وكان أحد أفراد طاقم تحرير الشؤون اللبنانية ” ، فعاتبته لجلوسه في مقعد غسان ، لكنه أجابني والدموع تملأ عينيه : لقد انفجرت سيارة غسان .
صرخت فورا في أي مستشفى ؟
أجاب : لا داعي فقد مزق اربا ، وانهال جبل الجليد على رأسي وتجمد الاحساس … مات غسان …مت أنا … لكن الوعد هو الوعد ، والعهد هو العهد … علي أن أتابع القتال …
انه العدو الذي يحاول قتل العائدين بعد أن هجرهم بالمجازر … وتابعت
وها أنا أتذكر ، ولن أنسى أن أقول أن آلآف الصفحات لن تفي لسرد الحكاية ، فقد بدأت الحكاية ولن تنتهي الا بالنصر والتحرير واعادة فلسطين لجسد الأمة العربية وروحها .

 
Bilden kan innehålla: 6 personer
 
 
‎2019-‎07-‎31