الماغوط المر والكذبة اللذيذة   
صائب خليل   
لا يستحق النص المنتشر مؤخراً، والمنسوب كذباً الى الماغوط، حتى الرد عليه لأنه لا يختلف في مستواه ومحتواه، عن نصوص جلد الأمة التي يكتبها مجندو الفيسبوك أو الأبرياء الذين ضغطهم القهر من حالهم فأرادوا “فشة خلق” ما، لأن أي طفل يستطيع ان يكشف المغالطات والسطحية وانعدام الموضوعية التاريخي والمنطقي فيه – هذا إن أراد!
لكن ما يجعله مثيرا للاهتمام بشكل خاص، هو انعدام تلك الإرادة لدى المثقف الفيسبوكي العربي، وخاصة من يسمون انفسهم “مدنيين”. فمثل خصومهم من المتعصبين لأمور أخرى مثل الدين او المذهب أو العصبة، فهم لا يجدون في انكشاف الكذبة ما يثير أي اهتمام لديهم، مادامت تلك الكذبة تدعم موقفهم، ويبدأون بالدفاع عن المحتوى (السيء بحد ذاته). انهم لن يقولوا طبعا أننا ندافع عن الكذب والكذاب، لكن مراجعة سريعة لخطابهم، تجد انهم فعلوا كل ما يستطيعون للدفاع عن تلك الكذبة وتحويل النظر عن كونها كذبة، وحتى إيجاد الحجج لصاحبها لتبرير ما فعل واظهاره بمظهر الضحية التي لا تستطيع ان تجاهر بما تريد!
إنهم يلصقون انفسهم بـ “الحضارة الغربية” او “الحضارة” عموماً، بشكل مفتعل هنا. فلو كتب مؤلف غربي أن العرب “لم يعرفوا خلال 1400 سنة سوى الغزو وسبي النساء” لصار اضحوكة من قبل كل غربي يعرف القراءة والكتابة، عدا المنتمين الى الأحزاب العنصرية! بل حتى الباحث لوبون الذي لا يخلو ذهنه من الكثير من العنصرية، وجد نفسه مضطراً للاعتراف بأن “العرب ارحم الفاتحين”.
 
لا يهمني من كتب المنشور، واحسب انه ضمن الحملات الكثيرة لتحطيم المجتمع العربي، لكن ما يهمني هو ردود الفعل المدهشة التعاطف لهؤلاء. فالسؤال إذن: لماذا هذا الحماس لجلد الأمة؟ ما هو المردود النفسي الذي يحصل عليه من يقوم بإهانة أمته، حتى انه يشمل بذلك إهانة ذاته؟
 
السر هو ان من يهين امته، يشعر أنه ينفصل عنها نفسياً، وأنه خارجها، وبذلك يتخلص أولاً من الشعور المزعج بدونية الانتماء الى مجموعة يعتبرها متخلفة، وهذا بحد ذاته شعور مريح جداً. والشيء الثاني هو انه بقسوته على تلك الأمة، فإنه يؤكد لنفسه وللآخرين براءته من ذلك الانتماء ووقوفه ضده، ويظهر كبطل تمكن من الإفلات من القفص المخجل الذي لم يستطع الآخرون الإفلات منه.
 
إن هذا الشعور مريح الى درجة تهون مقابل الحصول عليه كل المراوغات والمغالطات اللازمة، وهو ما يفسر عدم اكتراث هؤلاء بها. لكنه، وإن كان مفسراً، إلا انه يبقى موقف غير أخلاقي. فهذا الإحساس بالراحة المستند على المراوغات، يكون على حساب الآخرين الذين يرفضون اراحة انفسهم بالتخلي بشكل مماثل، أو انهم يعجزون عن ذلك. وفي كل الأحوال فهو لا يسهم إلا في تحطيم الأمة والوطن، وهذا هو الغرض الذي صممت الكذبة من أجله، ومن صممها يعلم ان سوف يرددها من تعطيهم شعور الراحة المذكور.
 
لماذا لا يكون من كتبها شخص يهدف الى نقد الواقع ولحث المجتمع على تغيير واقعه المزري؟ لماذا لا يكون من يرددها يفعل ذلك من أجل ذات الهدف النبيل؟
لأنك ببساطة، إن اردت حث انسان على التغيير، فعليك ان تقنعه ان التغيير ممكن وانه يستطيع القيام به. وفي هذه الحالة يمكنك  ان تستفيد من تاريخ العرب والإسلام لإعطاء امثلة إيجابية مشجعة وصحيحة تاريخيا، عن نهضة الإسلام عندما كان للمسلمين الإرادة اللازمة وانهم كانوا قمة حضارة العالم لعدة قرون. لكننا نرى بسهولة أن هذه المنشورات مصممة لبث اليأس واستحالة التغيير تلف سطورها حتى ان كانت بعض كلماتها تدعو له. فما هو الأمل بتغيير عجزنا عنه لمدة 1400 عام؟ يبدو ان هناك خللا جينينا في اصلنا “الوضيع”، لا يمكن التغلب عليه. وبقية المنشور تؤكد “وضاعة” ذلك الأصل، بكل الطرق المراوغة والسخيفة والصادمة، لإقناع لا وعينا، باستحالة التغيير ودفعنا الى اليأس.
من يريد الخير يمكنه حتى الاستفادة من البداية المتواضعة والصعبة لـ “قبائل تمارس الغزو فيما بينها، وتعتاش على ما تقدمه الصحراء”، لإثبات أنه يمكن الانطلاق من وضع صعب للوصول الى القمة، بدلا من السخرية من ذلك الوضع واستخدامه لتوكيد اصالة الخلل واستحالة تغييره.
 
هذا هو موقف الانسان المثقف الذي يشعر بالمسؤولية عن شعبه وامته، يعرف تاريخها ويدرك ما تمر به، ويقارنه بما مرت به أمم من قبلها، فيتعاطف مع ازمتها ويعيشها كما تعيش الأم الم طفلها، ولا يتخلى عنها من اجل شعور نفسي بالراحة، وهذا هو في الحقيقة موقف الماغوط الحقيقي كما تبينه الأبيات التالية التي اقتبسها من قصيدة من ذات الكتاب المذكور في الكذبة:
 
….
“الوطن يئن ويبكي على مدار الساعة
وأنا كالأم الحائرة
لا تعرف سوى ان تصلي
وتضمه الى صدرها
وتستعجل قدوم الصباح .. ”
 
ورغم أنه ناقد متألم لحال امته، لكنه بعيد عن الموقف المريض لجلد الأمة والسخرية منها، ذلك الذي يتقمصه ذلك البعض من المثقفين:
 
 
“كل اديان الشرق آمنت بها
وكل حروبه خضتها
وكل امجاده زهوت بها
وكل معلقاته بصمتها
وكل اناشيده رددتها”
 
بل أنه يؤكد شوقه لكل ذلك التاريخ، ونفوره مما يحتويه “القرن العشرين” من زيف، واعتزازه حتى بـ “بداوته” ..
 
 
“أيها الصوت العميق كالذكريات، كحفر القنابل
أعدني الى البصرة.. الى تهامة
وصيفاً للأميرات
أو راوياً في مجالس الملوك
لا تتركني وحيداً انا وصرتي
على قارعة القرن العشرين
….
إني مجرد بدوي مشقق الروح والقدمين .. ”
 
لماذا اختار من يدير الإعلام الماغوط دون غيره ليكذب عن لسانه؟ السبب الأول ربما لأنه متوف لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ويأمل ان احداً لن يكلف نفسه بالبحث عن الحقيقة غير صاحبها. والثاني قد يكون محاولة تشويه صورة الماغوط بين المثقفين الطبيعيين من المسلمين والعرب والذين يصرون على الدفاع عن أهلهم وعدم التخلي عنهم.
واختيار الماغوط ليس اعتباطاً هنا، فهو الشاعر الذي يقدر عالياً من يقاوم و “يطلق الرصاص” أكثر من الكتابة:
 
“كنت اغني،  وانت تطلق الرصاص
كنت اكتب، وانت تطلق الرصاص
كنت اقرأ ، وانت تطلق الرصاص
كنت اعزف، وانت تطلق الرصاص
كنت ارسم، وانت تطلق الرصاص
كنت انحت وانت تطلق الرصاص .. في كل اتجاه
انتصاراً للحق والخير والجمال والقضية. ”
 
إنه يتمسك بكرامته وكرامة بلده رغم التضحيات، ويعتز بها:
 
“سوريا.. ايتها الحبيبة والمفداة
يا بواخر الشرف التي لا موانئ لها
نعرف انك ابية لا تطلبين النجدة
لو مزقوا اجسادنا بعدد نجومك
لو شطروا أطفالنا كالإسفنج”
 
وهو غير مستعد للمساومة على الإطلاق:
 
“لا اريد فلسطين ناقصة زيتونة واحدة
والحجاز آية واحدة
والعراق نخلة واحدة
ولبنان ارزة واحدة
والجنوب عملية واحدة
والجزائر مجزرة واحدة
والسودان فيلاً واحداً
والغوطة شجرة واحدة
وانا واثق اني سأعيش بقدر ما احلم”
 
لذلك فهو يصرخ :
 
“أما من عبد الناصر جديد ولو برتبة عريف؟”
 
واخيراً وليس آخراً، له موقف حاسم من الاحتلال والامريكان لا ينافسه في وضوحه أحد:
 
“الإشعاعات النووية
اشعة الليزر
العامل البرتقالي
الألغام الأرضية
الحرب الجرثومية
حرب العصابات
حرب النجوم…
ولذلك كل جندي امريكي يجب ان لا يعود براً او جواً او بحرا
الى بلاده سليماً معافى، إلا اذا كان زنجياً او مهاجراً مغلوباً على أمره.”
 
هذا هو الماغوط، فهل من عجب ان يشوهوه؟
هذا هو الماغوط المر على لسان من شاقه التعب الى راحة الاستسلام،
هذا هو الماغوط الحقيقي، ولكل ان يختار أن يكون معه أو مع الكذبة اللذيذة.
  25 تموز 2019