القسم الثاني من كتاب [محو العراق ]الكلفة البشرية للمذبحة   
تاليف :مايكل اوترمان وريتشارد هيل و باول ويلسون  
ترجمة :مظهر كرموش  
تركت مقالة هامبشاير اثرها على كل العاملين في إدارة ريغان بخصوص معارضتهم لاطلاق حرية الصحافة اثناء الحروب ـفلا يجب على الاطلاق السماح للصحافة مرة ثانية بنشر [ الحيرة والارتباك ] عند الجمهور حول اهداف الحكومة من الحرب .وطبقا ل [تيد كالن كاربنتر] مؤلف كتاب [ الصحافة الاسيرة:ازمة السياسة الخارجية والتعديل الأول] فان مقالة [ هامبشاير ] هي خطة عمل للوصول الى السيطرة على وسائل الاعلام في مناطق الاشتباك ونشرات الاخبار التي تظهر في النهاية .ومن الواضح انها استقبلت باهتمام معتبر من لدن كبار القادة العسكريين وكبار الموظفين الرسميين. ومنذ ان غزت الولايات المتحدة بنما كان البنتاغون يتابع توصيات “هامبشاير” وبنتائج مختلطة .
إدارة غرانادا ،بنما ،حرب الخليج الأولى
في الثالث والعشرين من شهر اوكتوبر عام 1983 قامت الولايات المتحدة بغزو غرانادا في “خرق فاضح للقانون الدولي طبقا للجمعية العمومية
للأمم المتحدةـ للإطاحة بالحكومة الماركسية بقيادة “هيدسون اوستن “.فقبل ذلك بايام احكم اوستن قبضته على السلطة وقام باغتيال رئيس وزراء غرانادا ” موريس بيشوب “. وطبقا لمعايير “هامبشاير ” كتب ” جون ار ماك ارثور”مؤلف كتاب[ الجبهة الثانية :الرقابة والدعاية في حرب الخليج الأولى عام 1991] فان معلومات البنتاغون عن العملية في غرانادا لم يجر التعامل معها بكفاءة. فقد كان هناك القليل جدا من نشرات الاخبار العامة
والرقابة العامة.ومثل ما فعل البريطانيون في جزر الفوكلاند قامت واشنطن بغلق الطريق امام وسائل الاعلام ومنعت الصحفيين من الدخول الى الجزيرة الى ان مضت 48 ساعة بعد الغزو الاولي. وحاول بعض المغامرين من الصحفيين ايجار سفن وطائرات قامت القوات الامريكية باجبارها على العودة او حجزها .وقد حذر العميد البحري قائد فرقة العمل المشتركة “جوزيف ميتكالف مخاطبا الصحفيين” من منكم أيها الشباب قد جاء على ظهر مراكب الصحفيين ؟ حسنا ،انا اعرف كيف امنع قوارب الصحافة هذه ، كنا نصرخ فيهم ، لم نغرق أي سفينة لحد الان ، ولكن كيف لنا ان نعرف من هو على ظهر هذه القوارب؟” . وفي النهاية سمح للصحفيين بالدخول الى الجزيرة، واخذهم الضباط الرسميون في جولة على المواقع التي تقع بعيدا عن اهوال الحرب ، واذا ما عثروا على احدهم وقد ترك المجموعة المتجولة فانه سيمنع من المشاركة لاحقا.واثناء التعتيم الإعلامي ، اختلق البنتاغون سير المعارك وزوّد وبطريقة وحشية ارقام غير صحيحة عن اعداد الجنود الكوبيين وكمية السلاح الروسي على الجزيرة .وكما سنرى في الفصل الرابع مع تقليل عدد الضحايا المدنيين الى الحد الأدنى.وفي عام 1985عثرت مؤسسة صندوق الاستثمار للقرن العشرين على تقرير عن الرقابة يظهر فشل الحكومة فشلا ذريعا في غرانادا مطالبا السماح للراي العام الاطلاع على سيرالعمليات العسكرية الرئيسية والتي لم يسبق لها مثيل في التاريخ الأمريكي .”ورغم التعتيم الإعلامي فان بعض المشاهد سربت خلسة من الجزيرة .فقد نجح مصور فوتوغرافي شجاع ، مستخدما عند شركة ” سيغما” الفرنسية في الانفصال عن مجموعة فرقة الصحافة والتقط الصورة الوحيدة عن هذا النزاع وهي لجندي من البحرية الأميركية ـ صورة سوف تنشرها لاحقا مجلة التايم .” فقد لاحظ [ماك ارثور] ان شريحة المخمس البنتاغوني قد لوحظ على الجثة “بحيث انهم
اكدوا لنا ان ذلك لن يحدث مرة أخرى.
بعد غرينادا اوصت لجنة من البنتاغون حول حريات الصحافة في زمن الحرب ، ترأسها الجنرال “ديانت سايدل “بانشاء طاقم قومي لوسائل
الاعلام ـ مجموعة صغيرة من المراسلين يسمح لهم بمصاحبة القوات الامريكية خلال المراحل الأولية لاي فعالية عسكرية .على ان يحذف أي شيء يعتبر تهديدا لامن المهمة قبل ان ينشر. اضافة الى ذلك فان البنتاغون نفسه يقوم باختيار وكالات الانباء المشاركة .وطبقا ل “تيد كالن كاربنتر “
“فان التاثير العملي كان لتامين احتكار الانباء لاعضاء التيار السائد في الصحافة من الذين من غير المحتمل ان يكونوا خصوما لدودين لسياسة التدخل الخارجي الأمريكي” .وحين استخدم الطاقم القومي خلال عمليا ت البحرية الامريكية في عامي 1987و1988 قامت رقابة البنتاعون بإلغاء العديد من المراسلات وقامت بتاخير نشر بعض التقارير لاكثر من 24 ساعة . ان نظام الفرقة الصحفية استخدم أيضا اثناء الغزو الأمريكي لبنما عام 1989 .كان الهجوم الاولي يرمي الى الإطاحة ب مانويل نورييغا وتسليمه للعدالة ، غير ان الوحدة الصحفية كانت قد أخفقت والى حد كبير .اذ ان الفرقة الصحفية قد وصلت متاخرة مدة ساعتين قبل ان بدأ الهجوم وعندما وصل تجمع الصحفيين تم اعتقالهم في قاعدة أمريكية الى ان انتهى الهجوم الرئيسي.وعلى عكس غرانادا لم نعثر ولو على صورة واحدة من الضحايا وجدت طريقها الى موجات الهواء او الصحف.
بعد ذلك بسنوات استخدم نظام الفريق الصحفي خلال حرب الخليج الأولى لتصوير ” الحرب النظيفة ” مع القليل جدا من من الضحايا .كانت التقييدات على حركة الصحفيين وعلى ارسال التقارير.وكما سجلتها آنذاك صحيفة لوس انجلز تايمز:
رغم ان اعتماد 1400 مخبرصحفي في المملكة العربية السعودية فان مائة منهم فقط عينوا لكل مرة في وحدة الصحافة والتي يجب ان يصاحبهم ضباط من الجيش. وخلال 35 يوما من أيام الأولى للحرب فان نصف هذا العدد تقريبا ممن شاركوا في أي وقت لكل مرة اما البقية فقد بقوا في فنادقهم في الرياض وفي الظهران. حيث تعقد التصريحات الإخبارية المختصرة على مسافة 300 ميل من ساحة المعركة. لقد اندهش الصحفيون المتطوعون بهذه الترتيبات” ان هذا النظام يجعل من المستحيل معرفة فيما اذا كانت هذه الصيغة من الحرب التي يتلقاها الامريكيون موثوق بها” وصحيحة ام لا “يقول” والتر كرونكايت”
وطبقا لستانلي كلاود”رئيس مكتب التايم السابق في واشنطن” لقد افترض البنتاغون ان هناك طريقة للسيطرة على كل جانب من تغطيتنا الصحفية فقد حددوا لنا وصولنا الى المعلومة الصحفية الى الحد بحيث انه لم يكن بوسعنا ان نقوم بتغطيتنا الصحفية. كانوا يغذوننا بنفس الطعام من المؤتمرات الصحفية والتي يقرروا فيها أيا من الاخبار التي ستنشر ، واذا ما قام صحفي بتغطيته الصحفية لمؤسسته الصحفية بحيث لا يعجبهم ذلك ، يمكن ان يخضعوه للمراقبة التي يمكن ان تصل الى حد تطويع صحافته في الجيش الزاميا .
هيمنت لقطات الأفلام عن القنابل “الذكية” وهي تدك أهدافها معظم المؤتمرات الصحفية المختصرة في العربية السعودية .وبينما شكلت الأسلحة الموجهة بالليزر سبعة في المائة فقط من الذخائر التي اسقطت على العراق ، صور لنا فيديو اطلقه البنتاغون ضربات ناجحة اصابت بها الصواريخ أهدافها بدقة متناهية فتحات المداخن والشبابيك .” وحتى هذه اللحظة هناك لقطات من الأفلام لم يسمح البنتاغون باطلاقها. تلك الحرب شنت في عصرالفيديو ومشاهدة قدم واحدة من الفيلم تصور لنا شيئا لا يشبه القتال الذي سبق للبشر ان خاضوه سابقا “. هكذا كتب مراسل صحيفة نيوز ريبوبلك ” كريك ايستربروك ” في سبتمبر من عام 1991, ويتذكر “ايستربروك ” لمحة موجزة عن الكلفة البشرية . يقول ” ايستربروك “
” الرقيب العسكري تملكه الجنون عندما سمح آمر الموقع للصحفيين بمراقبة فيديو لسلاح ذو آلة تصوير صور من طائرة ” الاباتشي” التي تسللت الى تجمع من الشبان العراقيين . في الفيديو نشاهد مجموعة من المراهقين العراقيين وهم يندفعون في كل الاتجاهات وقد تملكهم الرعب حين دار بهم المدفع في الطائرة دورته فيهم وطبعا لم يكن بامكانهم مشاهدة المدفع ، قطع أجسادهم الى نصفين . وقد سحب الفيديو بسرعة من التداول.
وحينما سالت احد المسؤولين الكبار في البنتاغون لماذا؟ اجابني ” اذا ما سمحنا لناس مشاهدة هذا النوع من الفيديو فلن تكون هناك حرب أخرى مرة ثانية والى الابد “.
إضافة الى الصور الانتقائية ، من تجربة سنوات حرب الفيتنام انتشرت التعبيرات اللطيفة والتأنق اللفظي في حرب الخليج الأولى .الصحفي الاستقصائي ” مارتن يانغ ” استذكر ” التوصيفات الأقل حساسية للضحايا من المدنيين ك [ اضرار جانبية ] ، اما ضحايا الامريكان كتعبير[ استشهد في الاشتباك ] والقتل كنوع من [ الاستنزاف ]. وفي مارس من عام1991 وجدت دراسة ميدانية ان هذه المصطلحات أخفت او قنّعت اهوال الحرب بشكل فعّال . فطبقا لخلاصة الاستفتاء الذي أجرته شركة ” تايمس ميرور”فقد
“سئل نصف من شملهم الاستطلاع السؤال عن ما اذا كانوا قلقين عن مقدار [ الاضرار الجانبية الناجمة] عن قصف الحلفاء.وعندما تم طرح السؤال باستخدام هذا التعبير الجبري عن الخسائر المدنية ، أجاب 21 بالمائة انهم قلقون للغاية و 34 بالمائة اجابوا بانهم قلقون الى حد ما .ولكن تم صياغة السؤال للنصف الاخر من العينة ، وكان التباين ملفتا للنظر .والسؤال اذا كانوا قلقين بشأن عدد[ الضحايا المدنيين ] وغيرها مثل [اضرار غير مقصودة في العراق]، عبّر 49 بالمائة منهم عن قلقهم البالغ و 33 بالمائة منهم بالقلق الى حد ما “
بالإضافة الى ذلك فان 58 بالمائة من الأمريكيين شعروا ان الصحفييين “ذهبوا بعيدا جدا “عندما غامروا بالابتعاد عن الفرقة الصحفية للبنتاغون
ـ فقط حفنة من عشرات الصحفيين المغامرين فعلوا ذلك ، بينما كان تسعة من كل عشرة اشخاص على قدر كبير او لا باس به من الثقة في دقة التقاريرالرسمية للجيش عن الحرب . و شعر ،وبشكل ملحوظ ، ما يقارب من ثلثي جميع الأمريكيين ان الرقابة العسكرية هي اكثر أهمية من
قدرة وسائل الاعلام على تغطية التقارير الصحفية . وفي ضوء هذا التسامح الجماهيري مع الرقابة ـالى جانب الطفرة في الوطنية في اعقاب هجمات 11 سبتمبر ـ فان قضية الضحايا المدنيين كانت اكثر غموضا خلال الصراعات الامريكية .
يتبع
‎2019-‎07-‎27
لقراءة القسم الاول
http://www.sahat-altahreer.com/?p=48331