المسكوت عنه فى السلوك؟

 

نوال السعداوي
 


عملية الانتخابات فى بلادنا وأمريكا تكشف أكاذيب النظام السياسى الاقتصادى الدينى الذى يحكم العالم، يصيبنى الدوار الشبيه بالغثيان: الصراعات داخل الأحزاب وخارجها، فضائيات رجال "البيزنيس" وصحفهم "التابعة" لحركة الأموال فى البورصة، صورة راقصة تموت فى حب مصر، بجانب صورة فضيلة الشيخ يؤكد "حجاب المرأة من أركان الإسلام"، مع تشويه سمعة الخصم وتمجيد مالك الجريدة، وتقسيم الدوائر والمقاعد والأرباح، السباق المجنون على أجساد البسطاء وأصوات البؤساء، والبنات التائهات بين تعدد الأحزاب وتعدد الزوجات.
تابعت حملة باراك أوباما الانتخابية، وكنت أقيم بالولايات المتحدة من بداية 2007 إلى نهاية 2009، شهدت قشرة الديمقراطية تسقط، يتلقى "أوباما" لحملته الانتخابية ملايين الدولارات من أقطاب البورصة وتجار وول ستريت، يؤكد أن أمه مسيحية، وأمن إسرائيل هو أمن أمريكا، والمرأة المسلمة ترتدى الحجاب باختيارها، وأبوه "حسين" مسلم، ويحصد أوباما بذلك أصوات الكنيسة والجماعات المسيحية واليهودية والإسلامية. لم تنفصل السياسة عن الدين والاقتصاد والجنس فى التاريخ، تحيز أوباما بعد انتخابه لأثرياء وول ستريت والبنوك وحل الأزمة الاقتصادية (عام 2008) على حساب الفقراء والنساء الكادحات.
يتكرر المشهد اليوم مع "هيلارى كلينتون" المرشحة للرئاسة، ينافسها "جيب بوش" عن الحزب الجمهورى، يقود كل منهما حملة شرسة لجمع الملايين لخوض السباق، كالبورصة والمضاربات والشائعات والنبش عن المتخفى من الفضائح المالية والجنسية.
يخرق كل منهما القانون الفيدرالى لتمويل الانتخابات من أرباح الرأسمالية والسوق الحرة والبيزنس، يأتى أغلبها من غسل الأموال، بعد التجارة بالأجساد والسلاح والمخدرات والمخابرات والتجسس والبترول المغتصب بالحروب العسكرية والسياسية، من العراق إلى نيجيريا مروراً ببلاد الخليج وليبيا، رئيسة لجنة الانتخابات الفيدرالية "آن رافيل" اتهمت لجنتها بعدم الأمانة وعدم الحياد، قشرة الديمقراطية الرقيقة تسمح بالرأى المخالف، دون تغيير فى الواقع، ومنذ أيام، بعد الانفجار الشعبى بسبب اضطهاد السود، صرح أوباما بأن النظام الأمريكى يقوم على العنصرية، أصبح النقد الذاتى مباحا، وديمقراطية الكلام المجانى دون تغيير.
يسيطر فكر الكنيسة فى الغرب المسيحى كما يسيطر فكر الأزهر فى الشرق الاسلامى، كثيرون ينقدون الكنيسة والأزهر، ويكتبون عن ضرورة تجديد الفكر الدينى، أصبحت قضية المرأة كاللبانة يلوكها الجميع شرقاً وغرباً، لا يؤدى الكلام إلا الى المزيد من اللامساواة بين النساء والرجال، وبين الفقراء والأغنياء، فالقهر الطبقى الاقتصادى لم ينفصل فى التاريخ عن القهر الجنسى الأبوى. وقد صدرت كتب جديدة تتحدث عن تفاقم اللامساواة، منها كتاب "الراكيت" من تأليف "مات كينراد".
فى مقدمة الكتاب فقرة مهمة من خطبة ألقاها الجنرال "سميدلى باتلر" عام 1933، الحائز على أعلى وسام فى تاريخ البحرية الأمريكية، يقول بالحرف الواحد "أنفقت 33 عاماً من عمرى أخدم الجيش، وخلال هذه المدة خدمت البنوك ورجال الأعمال فى وول ستريت، كنت لاعب "الراكيت" الأمهر لخدمة الرأسمالية، شاركت فى نهب المكسيك وتامبيكو وهيتى وكوبا، نصف دستة أخرى من جمهوريات أمريكا الوسطى، لمصلحة وول ستريت، وشاركت فى نهب نيكاراجوا والدومينكان، وأيضا هندوراس لمصلحة شركات الفاكهة الأمريكية، وفى الصين عام 1927 ساعدت شركة ستاندارد للبترول فى عمليات النهب، تفوقت على زملائى بالعمل فى ثلاث قارات.

وتحاول هيلارى كلينتون فى حملتها الانتخابية استخدام النساء والفقراء والسود، لكن المظاهرات الشعبية فى بلتيمور ميريلاند وميزورى وكاليفورنيا وغيرها، أسقطت ورقة التوت.

كانت القوى السياسية فى القرن العشرين تهمل قضايا المرأة بحجة "محاربة الفقر أولاً" باعتبار أن الاقتصاد محرك التاريخ وليس الجنس، هذا الاتجاه لم يقض على الفقر بل قضى على الدول الاشتراكية، وزادت التفرقة الطبقية والجنسية، تحملت النساء، بحكم وضعهن الأقل، عبء الفقر أكثر من رجالهن، مما سمى أخيرا: ظاهرة تأنيث الفقر. ومشكلة المرأة.

فى هذا القرن، شرقاً وغرباً، لم تعد اللامساواة الاقتصادية، بل اللامساواة فى القيم الاجتماعية والدينية والثقافية والتعليمية التى تقوم عليها المؤسسات الحاكمة، ومنها الكنيسة والأزهر، وهى مؤسسات سياسية أساساً، ومعقل النظم الطبقية الأبوية.
لتحصل المرأة على المساواة الحقيقية، لابد أن تكون لها حقوق اجتماعية وشخصية وأخلاقية مساوية لزوجها، لكن مساواة المرأة بزوجها مرفوض من الكنيسة والأزهر، قد تتساوى المرأة فى الواجبات الاقتصادية مع زوجها، بل تتحمل المسئولية فى 75% من الأسر المصرية، لكن المساواة بزوجها فى القيم الأخلاقية والحقوق الاجتماعية والشخصية مرفوض تماما، فالكنيسة تؤمن أن المرأة ضلع من الرجل ويجب أن تخضع لسيطرته، والأزهر يؤمن أن حجاب المرأة من صلب الشريعة، ومن حق الزوج تأديب زوجته بالضرب (غير المؤدى إلى عاهة مستديمة)، والزواج بأربع وتطليق أى منهن متى شاء.

هل يمكن تجديد الفكر الديني دون التصدي لجذور اللامساواة الطبقية الأبوية فى القيم والسلوك اليومي؟.

‏16‏/05‏/2015