المقاومة مشروع متكامل لا إنتصارات عسكرية فقط  

عبد العزيز بدر القطان   
إن التغيرات الكبرى التي طالت الوطن العربي مؤخراً، خاصة بعد تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب سُدّة الرئاسة، ونشوء صفقة القرن بشقيها السياسي والإقتصادي، التي لا تجبر الشعب الفلسطيني على الخضوع للكيان الصهيوني فقط عن نُفِذت، بل ليتغير معها شكل العالم العربي ككل.
وما إن يتحقق ذلك، يكتمل مشروع الحرب العالمية الأولى، ويعود خط الحجاز لا ليحمل الحجاج من تركيا وأنحاء العالم الإسلامي إلى المدينة المنورة، ولكن ليحمل البضائع والمال من الصهاينة إلى العديد من دول الخليج، والعكس بالعكس.
سكّة معبّدة بالدماء
وبينما نكتب هذا المقال، هناك في الغرف السرية، من يجتمع ويضع الخطط ليس حديثا، بل منها ما هو إنعاش لمخططات من عشرات السنين، ومنها ما هو وليد اللحظة، الأمر الذي يعني أنهم لا يدّخرون جهدا في سبيل تحقيق المنافع على دولهم وشعوبهم، ولا أقصد كيان الاحتلال وحده، بل محور واشنطن والغرب جميعهم، ووفقاً للخطة الصهيونية، قدم كيان الإحتلال مبادرة خط لسكك الحديد يربط ميناء حيفا، المطل على البحر المتوسط، بالخليج مروراً بالأردن، هذه المبادرة جاءت على لسان وزير الخارجية، يسرائيل كاتس، أثناء زيارته إلى إحدى الدول الخليجية مؤخرا، ومن ثم تقوم الأردن بتشييد الجزء الخاص به في امتداد الخط، بعدها ستتوجه الخطوط إلى السعودية والإمارات، ووفقا للوثيقة الإسرائيلية الخاصة بالمشروع، فإن السكة ستدعم الإقتصاد الأردني المنهك، كما انه سيربط الكيان الصهيوني بالمنطقة لمواجهة إيران.
هذه السكة ستفتح طرق تجارة إقليمية أقصر وأرخص وأكثر أماناً من شأنها دعم اقتصادات الدول المستهدفة، ومن الأمور التي تعول عليها تل أبيب لتطبيع العلاقات مع بعض الدول العربية، العزف على وتر “إيران فوبيا”، خصوصاً وأن دول الخليج وحلفائهم في المنطقة، يلعبون دوراً مهما في تكريس حالة العداء ضد طهران، بسبب دعمها لـ “محور المقاومة”، ويبدو أن هذا المشروع لن يجد معارضة كبيرة خصوصاً مع التغيرات السياسية التي تحدث ضمن تلك الدول، إضافة الى الزيارات المتبادلة ما بين المسؤولين الحاليين والسابقين.
أين فلسطين من ذلك؟
أن تنطلق السكة والمشروع ككل من حيفا، حيفا المدينة الفلسطينية التي يحمل مفاتيح بيوتها الآلاف من المهجرين قسريا من بيوتهم وبلدهم، أين هم من هذا المشروع، وأين العرب المنخرطين فيه من ضمان حقوق الفلسطينيين، وأين هي المقاومة لتصون حقوق شعبها منهم؟
أسئلة كثيرة والأجوبة نظرية، ولكن إن لم نقرن ذلك بفعل ملموس، سنتراجع يوما بعد يوم، وسنسلم للأمر الواقع تباعا، نعم نحن مقاومون، ونحن نعشق المقاومة، لكن المقاومة ليست بندقية فقط، المقاومة فكر ونهج وعقيدة، هي أن تعمل على تثقيف مقاوميها وتحصينهم ضد هؤلاء لصد كل هذه المشاريع التي هي من حقهم.
فإذا كان من حق المقاومة الدفاع عن الأرض، يجب أن يكون من حقها أيضا صون حقوق شعوبها، ليس في فلسطين فقط، أتحدث عن المحور ككل، أين هم من مواجهة مثل هكذا مشاريع؟
يجب دعم مفهوم المقاومة العسكري مع الاقتصادي والإجتماعي وتغذية عقول الأجيال الناشئة لتحصينها ولخلق جيل قادر على حمل الراية وحفظها، هذا من حيث المبدأ.
*نماذج يحتذى بها*
كنت قد أسهبت في مقالات سابقة عن الحالة السنغافورية وكيف حجزت لنفسها مقعدا كأهم بلد في العالم من جميع النواحي، وللتذكير، لأنها إنتهجت واعتمدت العلم في كفاحها حتى نهضت لتصل إلى ما عليه الآن، أليس من المعيب أن تكون دولة من دولنا تنتج وتصدر النفط إلى كل العالم وهناك 20% من شعبها تحت خط الفقر، وأيضا العراق الذي يتمتع بخصائص ومقدرات مميزة من نفط ومياه وجنوبه معرضة مياهه للجفاف رغم وجود أكبر الأنهار فيه “دجلة والفرات”.
لننظر إلى الحالة الكوبية، فكوبا تعرضت في فترة من الفترات إلى حصار خانق، واستطاعت التغلب على كل مشاكلها عندما وضعت رؤى إقتصادية وعلمية لم تقتصر على الكفاح لوحده، فنشوة النصر لوحدها غير كافية، يجب أن يرافقها تأمين الشعب الذي صمد وكافح ضد أي مستعمر كان، من هنا علينا أن لا ننتظر وقوع الأزمات لنعالجها، بل يجب أن نتحصن مسبقا ونضع الخطط لعشرات السنين القادمة، ونحن كشعوب مسلمة ألا نستذكر قصة سيدنا يوسف عليه السلام وكيف أنقذ مصر من خطر المجاعة وحفظ القمح ومد الجوار به، فإن كنا شعوبا مؤمنة علينا حقا أن نتبنه للأخطار المحيطة بنا، فعدونا لا يستثمر فقط في الشأن العسكري، بل بات يطمح للسيطرة على كل ثرواتنا، كفكرة مشروع النيوم التي تحدثت عنه في مقال سابق.
*مشروع المقاومة*
نشهد جميعا للإنتصارات التي حققها محور المقاومة الذي أثلج قلوب مقاوميه على مد النظر، من الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان العام 2000، إلى انتصار في حرب تموز العام 2006، نعم لقد أفرحنا على الصعيد العسكري، لقد طردت المقاومة داعش من العراق ومن سوريا، وإن بقي منها ما بقي لكن لم تستطع تلك التنظيمات أن تغير من خرائط السيطرة على الأرض، رغم الدعم المقدم لها، ألم نسمع عنها في جوبر في سوريا والآثار التي سرقتها ومن تدمر ومن أرياف حلب وإدلب، فكيف تنهض المقاومة بشعوبها لتحصينهم وتقويتهم؟
من هنا نتساءل لماذا يضع كيان الاحتلال يده على مزارع شبعا اللبنانية الغنية بمصادر الطاقة والزراعة بعدما أفرغها من سكانها، على جانب وضعها كحق مشروع للدولة اللبنانية بل جعل تابعيتها للدولة السورية وبقرار أممي، ألا يعني هذا هو إبعاد المقاومة عنها لجهة عدم تحريرها والإكتفاء من مقدراتها، نعم هو كذلك، ولمن لا يعرف مزارع شبعا فهي تتميز بقممها الجبلية العالية التي تصل الى حـوالى 2600م المشرفة على هضبة الجولان وسهل الحولة والجليل وجبل عامل وسهل البقاع، إضافة إلى أنها تختزن في باطنها الكميات الهائلة من مياه ثلوج جبل الشيخ، ناهيكم عن اشتهارها بمعاصر الزيتون والدبس، وبآثارها التاريخية كالمغاور والآبار والنواويس، فضلا عن أنها تشكل 80% من المزارع الغنية بزراعة أغلب المنتوجات نظرا لتنوع مناخها، من هنا نفهم أن الأمن المائي للكيان الصهيوني مرتبط بالإحتفاظ باحتلال مزارع شبعا، أي مصادرة منابع المياه التي تغذي بحيرة طبريا، ومن ضمنه نهر الحاصباني – الوزارني وروافده.
وإذا ما عرّجنا إلى جنوب العراق، بلاد ما بين النهرين الوفير بمياهه، يعاني اليوم من شح المياه في بلد المياه، حتى مستنقعات الأهوار التي كانت رافدا أساسيا للسكان لم تعد تنعم بمياهها، وبفعل الجفاف نفوق المواشي في العراق، رغم إنتصار العراق على داعش وملحقاتها، لكن ما يعصف به أشد تأثيرا مما حدث له لأن الأمن الغذائي سبيل العيش يحتاج إلى تفعيل وتكريس عمل الحكومات، ووضع الخطط العاجلة، ولا ضير من الإستفادة والإطلاع على النماذج الغربية وتطبيقها حتى ولو كنا لا نتفق مع أنظمة تلك البلاد، فما نعانيه اليوم أن أغلب المقاومين يعيشون نشوة الإنتصار على حساب المخاطر التي تتعلق بحياتهم وأمنهم الغذائي. وكما سوريا التي تملك من الخيرات الكثير وكما لبنان والعراق واليمن، وقبل الحروب، العبثية التي يعانون منها، لم نجد تجارب رائدة في الإستصلاح الزراعي أو حتى تقييم الأخطاء لتلافيها مستقبلا، هل لأن الفساد بات أولوية أكثر من الأمن العام للشعوب؟!
*ما الحل*؟
نحن فخورون كثيرا لانتصاراتنا التي حققناها على مر الأزمان، وآخرها ما سطرته المقاومة، لكن على المقلب الآخر، بتنا اليوم نفتقر لسبل الحل ومفاتيحها، إذ تتجه الأنظار نحن الحوزات الدينية التي هي نهج وقيمة فكرية وتنمي ملكات العقل وتقرب البشر من ربهم من خلال التعاليم التي يعلمونها، لكن هي ليست كافية، فنحن نحتاج إلى جانب ذلك جامعات تُعنى بتشجيع الإبتكار وتمويل المشاريع الصغيرة والنهوض بالشباب، فهم الخزان البشري لأي أمة تريد أن تنهض بما تملك، فنرى مثلا أن الخطاب بات أقرب إلى التنظير منه إلى المنفعة، كما يحدث في المؤتمرات التي تتحدث بذات الفكرة مرارا وتكرارا، لا نريد التكلم بولاءات لأحد، نريد أماكن تتبناها تلك الدول والأحزاب لتخرج جيلا قادرا على أن يعالج مشاكله، عار علينا أن تلوث وتجف مياهنا، فيما الأعداء تسيطر عليها، حتى أن نهر النيل مهدد ويعاني وهو أكبر الأنهار في المنطقة العربية ونرى التقاتل عليه بين مصر والسودان وأثيوبيا، فالفكرة أن هذا التقاتل ما كان ليحدث لو كان هناك منذ البداية آلية مشروع نهضوي يطور بلادنا، وعلى بلادنا أن تعتمد على نفسها لا على الغير، الإستصلاح هو استصلاح النفس ثم زراعيا وصناعيا وتجاريا وغير ذلك.
إن ما يعنينا هنا أن تقوم المقاومة على إنشاء مبادرات ووضع خطط ورؤى إقتصادية تستطيع من خلالها الإكتفاء الذاتي إلى جانب تطوير قدراتها العسكرية، فالخطأ الذي وقعوا به هو دعم الخارج على حساب الداخل كالحالة الإيرانية على سبيل المثال لا الحصر، وكلنا يعلم أن سبب إنهيار الإتحاد السوفياتي آنذاك كان بسبب إهماله للداخل على حساب الخارج، نريد حلول لا كلام ونريد أفعال لا أقوال، لننهض بواقع يواجه المشاريع الإستيطانية والإقتصادية وأركز جنبا إلى جنب مع المشروع العسكري.
يجب ألا نغتر وتأخذنا نشوة الإنتصار، فإذا كانت شعوبنا فقيرة كيف سنستطيع مواجهة القادم من الأيام في ظل تمدد أذرع الأعداء، وتدمير أوطاننا، نعم يوجد لدينا عقول ويوجد لدينا كفاءات، يجب أن نستثمرها في بلادنا لنقوي فيها شعبنا الذي يكفيه ما عاناه إلى اليوم.
وعلينا واجب نحن النخب من المثقفين والأدباء والمفكرين أن نرص الصفوف ونتبع مناهج تثقيفية وتربوية، ويجب أن نشير إلى الأخطاء ونتعلم مما سبق، ونضع الحلول ونتركها لذوي الشأن، هذا الأمر هو واجب علينا كما تحرير الأرض، لدينا المقدرة والقوة والعزيمة، فمن بنى القاهرة وبغداد وفتح الأندلس ونشر الثقافة الإسلامية في كل العالم، ولم يكن يملك الأدوات التي نملكها اليوم من تكنولوجيا ووسائل أخرى تجذب شبابنا للنهوض بواقعنا نحو الأفضل لدرء المخاطر التي تحيط بنا.
فالمقاومة فكر ومنهج وإنتصار وعمل، وبالعمل تزدهر الأوطان وتُبنى المدن، وتزهر حدائق بلادنا خيرا يطال الجميع.
‎2019-‎07-‎27