ثورة يوليو بين البصق والتقدير  


بقلم / ياسر رافع  

فى ظل الأجواء الإحتفاليه التى تعيشها مصر بمناسبة الذكرى السابعه والستين لثورة 23 يوليو1952 تبرز الحاجه إلى التأكيد على أن ثورة 23 يوليو باتت تعيش أزمة معرفيه بين الأجيال الجديدة التى لم تحضرأو تعيش على أطراف زعامة الجيل الأول من رجالاتها ، وأصبحت تلك الأجيال تتمترس حول ذاتها المعرفيه والتى تمحورت حول شخوص بالأساس وليس حول هدف وطنى عام يخاطب المستقبل جاعلا من الماضى وقود ودافعا وليس سببا للمخاصمه والإنغماس فيه لحد الخطيئه ومع بدأ الإحتفالات الرسميه فى مصر كان هناك حادثين يلخصان ما وصلت إليه الحاله المعرفيه لجموع المصريين .
الحادثه الأولى التى حدثت بين جدران المتحف المصرى وتحديدا فى غرفة المومياوات والتى قام فيها أحد الزائرين بالبصق على مومياء جثة الملك المصرى القديم الفرعون ” سقنن رع ” الذى مات صريعا دفاعا عن مصر وهو يقاوم قوات الهكسوس التى كانت تحتل مصر وهو ما أثارغضب شعبى ورسمى نظرا لمكانة الملك المتوفى فى التاريخ المصرى والتى إعتبرها الجميع إهانه لا تغتفر وتم فتح تحقيق رسمى فى الواقعه .
الحادثه الثانيه والتى تتمثل فى كلمة الرئيس السيسى فى حفل تخريج دفعات جديدة من طلبة الكليات العسكريه والتى تحدث فيها عن ثورة يوليو والتى ورد فيها تكريما للقيادات التاريخيه التى قامت بثورة 23 يوليو والتى جاء فيها نصا ” فتحية خاصه فى هذه المناسبه إلى الرئيس الراحل ” جمال عبد الناصر” الذى حمل راية ثورة يوليو وتمسك بمبادئها وثوابتها فى تحقيق إستقلال الوطن والعداله الإجتماعيه لجموع المصريين ، وتحية واجبه كذلك للرئيس الراحل ” محمد أنور السادات ” الذى أسهم فى تجديد شباب الثورة ، والرئيس الراحل ” محمد نجيب ” الذى جاهد مع الكثير من الرجال العظام فى فتح باب الحرية والأمل للشعب المصرى ”
حادثتين تلخصان حالة المصريين الذين أصبحوا يعيشون حالة مفاصله تاريخيه مع ماضيهم وحاضرهم وتمترسوا حول أشخاص يبجلوهم ويعظموهم وأصبحوا فى تراشق لفظى شبه يومى يحاكمون الماضى كشخوص ولا يقترب أحدا منهم ولو بخطوه واحده متجاوزا الماضى للحديث عن المستقبل ولو بمجرد إنصاف الماضى ، وأصبحت الشخصنه تتفرد بالمشهد ، لهذا فمشهد البصق على مومياء الملك الفرعونى ” سقنن رع” وإن كان حادثه سلط عليها الإعلام نظرا لشهرة المتحف المصرى إلا أن مشهد البصق اليومى على الرموز الوطنيه عبر الشتائم والشماته والتجريح والتقليل من شأنها هو سيد الموقف بين المتصارعين السياسيين ومناصريهم على كامل المشهد السياسى المصرى وأصبح مألوفا مشهد التجريح الواضح فى شخص الرئيس ” الراحل جمال عبد الناصر” وشخص الرئيس الراحل ” محمد انور السادات ” فى مقابل التقليل من شأن الرئيس الراحل ” محمد نجيب” وتأثيره فى مجريات ثورة يوليو ، لهذا تأتى كلمة الرئيس السيسى كتقدير لرموز ثورة يوليو الذى قاموا بعمل عظيم يحاول الكثيرون إهالة التراب عليه والتقليل من تاثيره على مجرى نهر التاريخ المصرى .
ثورة يوليو ليست ثورة وليست إنقلابا عسكريا نتجادل بسببهما بعد ما يربوا على السبعين عاما منذ قيامها ، نتجادل ونتشاجر ويبصق بعضنا على بعض بسببها ، إنها مفاصله تاريخيه بين عالمين وزمنين مختلفين ، إنها التى حولت مصر من النظام السائد منذ القرون الوسطى بواقعه السياسى والإجتماعى والإقتصادى والثقافى إلى واقع جديد خاصمت فيه مصر القرون الوسطى وتحررت لأول مصر من براثن الإحتلال الأجنبى الذى جثم على صدرها ما يربوا على الألفين وستمائه وخمسين عاما متصله ، وهو واقع لا يتناوله الكثيرون الذين يتحدثون عن ثورة 23 يوليو أمام الأجيال الجديدة التى جاءت بعدها ، وسط الشخصنه والتردى الثقافى الذى أصاب المجتمع فى مقتل .
إن ثورة 23 يوليو والتقدير لرموزها يجب أن يكون بدايه جاده لحوار مجتمعى يشارك فيه الجميع من أجل أن تعرف الأجيال الجديده حقيقة ماضيها بدون التجريح فى الرموز التاريخيه ، حتى لا تضيع مجهودات رموز مصر التاريخيه وسط الشتائم والبصق ويصبح التقدير والإحترام ماده للسخريه وأساس للهجوم على أصحابها ، نحن بحاجه لإحترام تاريخنا ورموزه الوطنيه بعيدا عن الشتائم على قاعدة الإحترام والإنصاف التاريخى حتى تكون قاعده وأساس لدخول المستقبل برؤيه واضحه .
كل التقدير والإحترام لرموز مصر فى كل المجالات السياسيه والإجتماعيه والإقتصاديه والثقافيه .

2019-07-23