متى يحيّد الدين في سورية؟ 
د. عدنان عويّد 
منذ بداية الربع الأول من القرن العشرين والصراع يدور في سورية بين حملة الخطاب الإسلامي الطارحين لمشروع حاكميته أخلاقاً وفكراً وسياسة, أمام أصحاب المشروع أو الخطاب النهضوي العقلاني التنويري العلماني بكل اتجاهاته الفكرية والسياسية, وعلى أساس هذه المواجهة قامت صراعات دامية بين حملة المشروعين أدت إلى سيل دماء كثيرة من الطرفين خاصة في أحداث الثمانينيات من القرن الماضي, وفي فترة ما سيمي بثورات الربيع العربي اليوم, بغض النظر عن كونها ثورات شعبية, أو مشاريع حاكمية لقوى سياسية محددة, أو حروباً أهلية بمسميات طائفية أو عرقية.. الخ.
على العموم إن ما جرى في سورية في سنوات الأزمة هذه من مجازر ودمار وتشريد وهجرة وقتل على الهوية, يطلب منا بالضرورة إعادة النظر في وضع أو مسألة التعامل مع الدين بشكل عام, ووضع المؤسسة الدينية في سورية بشكل خاص.
نحن دولة متعددة الطوائف والمذاهب والديانات, وشئنا أم أبينا كل دين أو طائفة أو مذهب لازال متمترس ألكثير من أصحابه بوعي أو بدون وعي وراء حصون هذه الطائفة أو هذا المذهب أو ذاك, وفقاً لقناعاته التي أملتها عليه تعاليم دينه أو مذهبه أو طائفته, وهذا التمترس ليس من السهل تجاوز قلاعه بالحكمة والموعظة الحسنة في صيغتها المجردة كما يطرحه مشروع فضيلة, فمفهوم الفرقة الناجية لم يزل قائماً ويمارس نشاطه بحيوية في محيطنا الاجتماعي والفكري, ومن لم يزل يعتقد بأننا في التوجه الديني فقط نستطيع أن نتجاوز قلاع أو حصون الطائفية او المذهبية فهو مخطئ.
الدين يشكل حيزاً كبيراً من وعينا, ونحن لم نزل نتعامل في حياتنا اليومية وفقاً لمعاييره الأخلاقية والعقيدية مع بعضنا. والدين مشروع أممي لا يومن بالوطن والمواطنة, فهو للناس كافة, وبالتالي هو يؤمن بأمة دينية, وللدين جرثومة متأصلة في نفوس معتنقيها وقابلة للحركة والتهيج بأي لحظة تتوفر لها فرصة التهيج كما يقول الشيخ افمام محمد عبده: (( لأن جرثومة الدين متأهلة في النفوس بالوراثة من أحقاب طويلة, والقلوب مطمئنة إليه… فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة (قصده الأمة الإسلامية) إلا إلى نفحة واحدة يسري نفثها في جميع الأرواح… ومن طلب إصلاح أمة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه, فقد ركب شططاً وجعل النهاية بداية.).(1)
نعود ونقول نحن في سورية وفقاً لتكوينها الديني المعقد والمتشابك, تظل المواطنة أولاً, والجذر القومي العربي لأبنائها أو مكوناتها إن كان ثقافة أو جنساً ثانياً, وعليهما يقوم بالضرورة الحفاظ على توازن الشعب السوري ونهضته وتقدمه, وإذا ما اشتغلنا على المشروع الديني كمنطلق لتحقيق التوازن في المجتمع كما يعتقد من في المؤسسة الدينة في سورية أومن يشجعها على هذا التوجه, فهو لن يحصد إلا ما حصدناه في أحداث الثمانينيات من القرن الماضي وما نحصده اليوم, لأنه لم يزل هناك في المؤسسة الدينة من يعتقد بأن ما يقوله أو يمارسه في هذه المؤسسة هو الصواب وغيره على خطأ. وإن أي نقد لفكر رموز هذه المؤسسة أو بعض ما بدر منها من اخطاء يعني بالنسبة لهم مس بالمقدس, كونهم لا زالوا يؤمنون بتقديس الأشخاص وهذا يتنافى مع فهم الدين لمن يمتلك الحقيقة المطلقة. نحن في المحصلة بشر نصيب ونخطئ نحن لسنا ملائكة. والله تعالى يقول: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون) (الزخرف -2).
إياكم أن تعتقدوا بأن مشروع فضيلة قادر على حل الأزمة السورية وفقاً للمشروع الإسلامي الوسطي الذي نقول فيه لأن الدين في جوهره ضد القومية والمواطنة, وهذا يدفعني للعودة إلى الشيخ محمد عبده في هذا الاتجاه حيث يقول: ( إن الأجناس قامت على العصبية القومية. لأن أفرادها تلاحموا حفاظاً لحقوقهم من جور حاكم من جنس آخر (الاستعمار), أما الوضع فيختلف بين المسلمين. وهذا هو السر في إعراض المسلمين إلى اختلاف أقطارهم عن اعتبار الجنسيات, ورفضهم أي نوع من أنواع العصبيات ما عدا عصبتهم الإسلامية. فإن المتدين بالدين الإسلامي متى رسخ فيه اعتقاده يلهو عن جنسه وشعبه ويلتفت عن الرابطة الخاصة إلى العلاقة العامة.) (2). وهذا ما وجدناه في سورية, في هذه الأزمة, لقد سيطر الفهم الديني للأمة على عقول مئات الآلاف من أبنائها في هذه الأزمة على حساب فهمهم الوطني والقومي, لقد حمل هؤلاء السلاح ضد أبناء وطنهم, واستقبلوا من يتفقون معهم في العقيدة ضد أبناء وطنهم, ولم يتوان الكثير منهم من الارتماء بأحضان الأجنبي فقط لأنه ينتمي لدينه أو طائفته.
ملاك القول: قبل ان تنشط المؤسسة الدينية في تأسيس المدارس الشرعية والمعاهد الدينية العليا, وفي بناء الجوامع وتحويلها, إلى دور للحلقات الصوفية, ونشر الفكر الإسلامي وفقاً لما يؤمن به هذا الشيخ المدرس في هذه الحلقة أو تلك من مذهب أو علم كلام, أو فهم للنصوص الحقيقية للمحكم والمتشابه من الآيات, أو من مفرد ومجمل لدلالات الآية, أو متى نأخذ بعموم اللفظ أو خصوص السبب في الفقه والاجتهاد, أو متى نطبق قياس الفرد وقياس المنطق, أو هل يحق لنا التأويل أو لا يحق,, وما هو دور ومكانة الاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع في الفقه, ثم أن نعرف كيف يكون الحديث ضعيفاً أو موضوعاً أو مضعفاً أو متواتراً أو مشهوراً, نقول أيضاً: وقبل أن توجد القبيسيات ورجال الرحمن, وقبل ان تتحول مساجدنا ألى مساجد فرق وشيع, هذا المسجد للخزنوية, وذاك للشاذلية وهذا للرافعية, وذاك للوهابية, وذاك للجعفرية. وقبل أن توجد دور تحفيظ القرآن والحديث ونؤسس من خلالهم مشاريع لرجال دين أكثر من مشاريع رجال يؤمنون بالوطن والأمة العربية. كنا نتعلم الدين في مدارسنا على أنه دين محبة ورحمة وتسامح وتضحية وإيثار وتعاون واحترام للمختلف معنا من الديانات الأخرى… لم نكن نحن مثلاً في ديرالزور أو عند الكثير من مكونات الشعب السوري شيئ إسمه الطائفية. (والله انهيت دراستي الجامعة وانا لا أعرف معنى العلوي والدرزي والاسماعيلي والأزيدي وغيرهم ..وكل الذي أعرفه أنني مسلم من سورية وانتمي للأمة عربية.)
من هنا نقول اتركوا الدين ولا تشتغلون عليه .. الدين بسيط لا تعقدوه علينا.. ولا تتركوا أعداء الوطن يشتغلون عبره على الفرقة الناجية.. حيدوا الدين وعلموا أبناءنا المواطنة.. علموهم ما هو الصح في التعامل مع الآخرين وما هو الخطأ الذي يحاسب عليه القانون السوري الذي أقره السوريون بموافقة الجميع.. أعيدوا الدين إلى صفوف مدارسنا وخلونا نتعلم كيف نحترم الاخر حتى عندما يعطى درسه الديني, حيث كنا نخرج أو يخرج المختلف عنا عند إعطاء دروس الدين في المدرسة, وبعد الدرس نعود لنقعد سورية على مقاعد الدرس ونزور بعضنا أخوة متحابين.
هكذا يجب أن تكون سورية, وهكذا يجب أن تكون المواطنة هي الأساس في لحمتنا. رحم الله شيخنا الكواكبي الذي خاطب السوريين في نهاية القرن التاسع عشر بكل مكوناتهم قائلاً:
(… دعونا يا هؤلاء نحن نتدبر شأننا ونتفاهم بالفصحاء ونتراحم بالإخاء… دعونا ندبر حياتنا الدنيا, ونجعل الأديان تحكم بالأخرى فقط…دعونا نجتمع على كلمة سواء, ألا وهي: فليحيا الوطن, فلنحيا للقاء أعزاء). (3).
ملاحظة: أمل من الذين سيردون على مقالي أن يتحلوا بالموضوعية ورحابة الصدر وعدم إخراجي من الدين الحنيف.. وبينوا لي خطائي إن وجدتموني مخطئاً.
د.عدنان عويّد
كاتب وباحث من سورية.
d.owaid333d@gmaig.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
1- (أميل توما – الحركات الاجتماعية في الإسلام- ص154- مرجع سابق).
2- (المرجع نفسه- ص154).
3- راجع د. عدنان عويّد . (إشكالية النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط). دمشق . دار المدى. ط1. 1977. ص 94.
‎2019-‎07-‎23