سعد الدين شاهين عاشق الحلم الفلسطيني.. نموذج يحتذى في مقاومة التطبيع.. وأسرار أخرى..! 

بكر السباتين


لو كان للشرفاء تيار قوي في عهد الأمير الإيطالي المحنك ميكا فللي لاستثناهم من مقولته الشهيرة في أن الغاية تبرر الوسيلة”.. وفي عصرنا الذي تحول برمته إلى سوق للنخاسة ظلت هناك أيضاً مساحة للشرفاء تحت الشمس.. حيث يتمتع هؤلاء الشرفاء بمحددات شخصية تقوم على المبادئ ويستحوذ عليها الضمير الإنساني وأخلاقيات الفرسان كالشهامة وتقبل الآخر والمجاهرة بنقد الفاسدين والخونة. مع انحيازهم إلى جانب حقوق الإنسان المشروعة.. وهذه المحددات تجتمع بكل من يرفض التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في كل الأصعدة وخاصة مجالي الاقتصاد والثقافة.
وفي هذا المقال سنسلط الضوء على أحد فرسان مقاومة التطبيع، الشاعر سعد الدين شاهين.. وهو بالمناسبة رجل اقتصاد في قطاع الصناعة وشاعر لامع له تاريخ حافل في مجال الأدب.. ناهيك عن كونه رجلاً تربوياً له باع طويل في قطاع التعليم ويمتلك ويدير مدرسة حديثة (الشروق) شرق عمان.. ويمتلك مع أشقائه منشأتين صناعيتين ناجحتين ناهيك عن نشاطه المتميز في الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين.
ولست هنا بصدد الحديث عن تجربة شاهين الإبداعية لأن ذلك يحتاج لعمل مؤسسي حتى يوفى منجزه حقة.. لكنني أريد هنا تسليط الضوء على حادثين أظهر فيهما شاهين الإنسان رفضه الشديد للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي الرابض على أنفاسنا والذي يسعى مع عملائه لتصفية القضية الفلسطينية من خلال صفقة القرن.. وهذا ليس مستهجناً من مبدع أدمن العشق لوطنه.
صحيح أنه من الأسهل على دائرة استقطاب التطبيع الاستحواذ على نصيب الأسد في قطاع الاقتصاد ولكن الأخطر هو دائرة الفعل الثقافي وما يميز شاهين أنه جمع ما بين الأمرين حيث انسجمت مشاعره الوطنية ورؤيته السياسية مع ممارسته الفعلية على الأرض.
إن كثرة الأحاديث الاستهلاكية عن المطبعين في إطار البروبوغاندا المضللة دون البحث عن القدوة والنموذج سيجعل الأمر اعتيادياً فيتحول إلى برمجة سلبية لمفهوم الأمر الواقع الذي يفرض نفسه على العقل العربي.. من هنا تأتي فكرة الكتابة عن الرافضين للتطبيع من خلال المواقف المختلفة وأخص بالذكر أولئك المثقفين الذين أقاموا مشاريعهم على تحفيز العقل العربي على الإخلاص لقضية فلسطين من منطلق أخلاقي إنساني بالإضافة للواجب المقدس في الإيمان بالحقوق المشروعة للفلسطينيين.. فكيف إذن بالشاعر سعد الدين شاهين ابن عرتوف المحتلة والواقعة إدارياً ضمن قضاء مدينة القدس..
سنتناول في سياق هذا المقال مواقف سعد الدين شاهين ضد التطبيع من خلال محورين أساسيين.. وهما:
أولاً: مقاومة التطبيع الاقتصادي
يعتبر التطبيع الاقتصادي المعيار السائد للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي لأن رأس المال يشتهي المصالح المجردة القائمة على تنميته بتسارع شديد مع الزمن، ولو على حساب المبادئ والقيم.. لا بل في بعض الأحيان يدفع للمؤسسات والمتنفذين؛ لتغيير القوانين والسياسات للانقلاب على المبادئ ومعايير الكرامة حتى تنسجم مع أهدافه المشبوهة.
ولكن الأمر عند كبار المثقفين مثل طلال أبو غزالة وسعد الدين شاهين سيذهب بنا إلى رفض التطبيع والتأسيس لثقافة المقاومة.
وما دامت المواقف صناعة تجير لأصحابها؛ فيمكننا تسليط الضوء على موقفين يحسبان لرصيد سعد الدين شاهين الوطني، من منطلق رئاسته المستمرة حتى الآن لهيئة المديرين في الشركة العربية للصناعات البلاستيكية الطبية وشركة العميد للصناعات الدوائية وهما شركتان عائليتان يمتلكهما وأشقائه.. والموقفان هما:
أ- طريق الشحن البحري المشبوه
سافر سعد الدين شاهين بصفته رئيس هيئة المديرين إلى إسكتلندا وكان يرافقه في رحلة العمل شقيقه الأكبر؛ لشراء محتويات “مصنع أسكتلندي قائم” كان عطاؤه قد رسى على إحدى شركاتهم، وتم تقييم خطوط الإنتاج ثم أعطيا الموافقة عل تفكيك المصنع.. ولخفض تكاليف الشحن البحري خزنت أجزاء المصنع بعد تفكيكه في ثلاث حاويات بدلاً من الوضع الطبيعي الآمن وهو خمس حاويات، ولكن تقليص النفقات كان عنوان المهمة.. وتم على ضوء ذلك استكمال ملف الصفقة ووثائق الشحن المطلوبة.. وزيادة في الحرص اتفق الأخوان شاهين مع شركة الشحن على الآلية مع مراعاة خفض التكلفة، الذي جاء مناسباً في العرض الأول.. وهو طريق بحري معتمد لدى الشركات في دول الاتحاد الأوربي التي تصدر للأردن.. ولكن الأخوين شاهين رفضا هذا العرض بعد الاطلاع على التفاصيل رغم أنه يوفر على فاتورة الشحن مبلغ عشرة آلاف جنيه إسترليني مما ينسجم مع مبتغاهما.. رغم ذلك تم رفضه لأنه مسار تطبيعي يخالف مبادئهم الوطنية. ويبدأ هذا الطريق انطلاقاً من مضيق المانش ثم عبور مضيق جبل طارق وفي خط مستقيم يصل ميناء حيفا عبر3720 كم.. ثم تحمل البضاعة عبر البر وصولاً إلى عمان بما يقارب مسافة 186 كم في غضون أل 3 ساعات براً.. وبعد مفاوضات طويلة، فرض الأخوان شاهين أجندتهما الوطنية على عملية النقل ولو بتكلفة أكبر من خلال الوصول إلى مضيق جبل طارق وتجاوزه حتى عبور قناة السويس ودفع رسوم القناة ثم دخول البحر الأحمر عند السويس والالتفاف وصولاً إلى خليج العقبة بمسافة إجمالية (3293 كم).. ومن هناك تحمل البضاعة براً بواسطة الشاحنات عبر مسافة 325 كم في غضون 4 ساعات براً.
.. وتم الأمر على هذا الأساس..
وتجدر الإشارة إلى أن الشركتين ترفضان التعامل مع السوق الإسرائيلي رغم الإغراءات الكبيرة.
ب- طرد الخبير الإسرائيلي
رسى على إحدى الشركتين أعلاه عطاء صب “قوالب ” لصالح إحدى الشركات النيجيرية، واسترعت الشروط من الشركة المصنعة استقبال خبير فني موفد من قبل الشركة النيجيرية المتعاقد معها كي يعاين البضاعة على أرضها قبل تصديرها. وحينما تبين لهم بعد طول مراسلات أن الخبير قادم من دولة الاحتلال الإسرائيلي تم رفض استقباله حتى لو أدى الأمر لإلغاء الصفقة وتكبد خسائر باهظة من جراء ذلك.. وتم الانصياع أخيرا لضغوطات شركة شاهين فأوفدت الشركة النيجيرية خبيراً بديلاً أردنياً حتى تمت العملية بنجاح وفق المبادئ الوطنية تعبيراً عن رفض التطبيع..
ثانياً: مقاومة التطبيع الثقافي
تذوب القصيدة في وجدان المتلقي فيستحلب عقله من سلافتها موقف الشاعر إزاء قضية ما.. لأن الشعراء الحقيقيين لا يمتلكون زمام أمرهم في خضم المواجهات لتحسم ضمائرهم المواقف وقد احتفت بها إنسانية الشعراء ومشاعرهم الجياشة .. وعلى ذلك تقاس القضايا الوطنية..
لقد تبلور وفاء سعد الدين شاهين لقضيته وتمسكه بثوابتها عن فهم عميق لبعدها الإنساني من خلال منجزه الشعري الضخم.. ومواقفه الثقافية حيث قال في سياق مقابلة طويلة أجرتها معه جريدة القدس العربي بتاريخ 29 – يوليو – 2013..:
“… وهذا أنا كما أحب أن أظل الصرخة المدوية التي شقت ثياب الخيمة على مشارف أسوار القدس من جهة الشرق بمجرد ولادتي، ورؤيتي للفضاء الرحب بعد نكبة فلسطين الأولى حيث لجأ أهلي من قريتي (عرتوف) إلى (بيت جالا) حيث ولدت.. و(عرتوف) تقع في الجهة الغربية من أسوار القدس أيضاً التي تقاسم أهلها مع اليهود اللاجئين القادمين هرباً من الاضطهاد النازي ومن نواحي أوروبا كلها لقمة العيش فأسكنوهم وآووهم كلاجئين لتتكشف أطماع اليهود ونواياهم الخبيثة بمؤامرات متعددة الأطراف ويساعدونهم على تشكيل عصابات إجرامية أكثر نازية من النازيين وليطردوا اهل فلسطين أصحاب البلاد المضيفين لهم بعد التنكيل به… وفي أي هواء ستترعرع هذه الصرخة لتخترق حاجز التخاذل والصمت، وفي أي مدى سترتد ليكون الصدى موغلاً في كيان الشاعر ووجدانه.. بعد ان يظل حالما بالغد مثلي، متفائلا بما سيأتي، متمتعاً بدرجة عالية من القلق المشروع على مصير هذه الامة”.
لكنه كان أكثر حدة وصرامة حينما كتب وألقى سعد الدين شاهين كلمة رابطة الكتاب الاردنيين في حوارية ورشة مناهضة مؤتمر البحرين وصفقة القرن التي عقدت في رابطة الكتاب الاردنيين بتاريخ 23/6/2019 واشتركت فيها عدة جمعيات وهيئات ثقافية عبر فيها شاهين عن رفضه المطلق لصفقة القرن والتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، فمن بين ما قاله:
” جئتم وفي فم كل واحد منكم (لا) بحجم الكون لا للصفقات المشبوهة التي تحاك في الظلام لتبدد الاوطان وتزيد في الطغيان لا لبيع حديد مفاتيح بيوتنا رمز عودتنا لا. للتنازل عن حقنا في العودة والتعويض معاً.. لا للمساس بسيادة دولنا العربية لا للوطن البديل فالأوطان لا تباع ولا تشترى لا وألف لا بالمساس بمقدساتنا الاسلامية والمسيحية”
إلى أن قال حول رفضه لصفقة القرن وضرورة العمل على توحيد الجهود لمواجهتها ممجداً الشهداء الأبرار:
” واخيرا لسنا قطيعا للبيع.. المجد والخلود لشهداء الاردن وفلسطين والعرب الذين قضوا على تراب فلسطين عاشت فلسطين حرة عربية عاش الاردن بلد الصمود وبوابة التحرير المجد لكم ما دمتم قابضين على جمر القضية من اجل التحرير والعودة وصون الاوطان”.
فمن هو سعد الدين شاهين..
سعد الدين شاهين شاعر أردني من أصل فلسطيني.. عمل مدرسا ومديرا في مدارس الامارات العربية المتحدة. ومسئولا للخدمة الاجتماعية والنفسية في المنطقة التعليمية الوسطى في الشارقة، ثم مسئول شئون الطلبة والامتحانات في المنطقة التعليمية الوسطى في الشارقة.. وهو مؤسس ومدير عام إحدى المؤسسات التربوية الخاصة (مدرسة الشروق الخاصة) حتى الآن، بالإضافة إلى رئاسته لهيئة المديرين في الشركة العربية للصناعات البلاستيكية الطبية ورئاسة هيئة المديرين في شركة العميد للصناعات الدوائية حتى الآن.. ناهيك عن عضويته في رابطة الكتاب الأردنيين حيث عمل في الهيئة الادارية لعدة دورات كأمين سر ونائب الرئيس.. وشاهين عضو اتحاد الكتاب العرب، ورئيس سابق لنقابة اصحاب المدارس الخاصة في الأردن، وعضو هيئة تحرير مجلة أوراق لعدة دورات، واستلم موقع أمين عام التجمع الثقافي الديموقراطي سابقاً في رابطة الكتاب الاردنيين.. ولا ننسى أنه مؤسس فرقة الأجنحة للتراث والفنون.. ومارس الكتابة في كافة المجالات ما بين الدراسة والشعر والرواية والمسرح وغيرها.. حصل على عدة جوائز أهمها فوزه بجائزة الإبداع ضمن “جوائز ناجي نعمان العالمية للشعر” لهذا الموسم 2019..
نشر أولى قصائده عام 1976م، وأصدر مجموعته الشعرية الأولى عام 1990م. صدر له حتى الآن ثلاثة عشر كتاباً، منها عشر مجموعات شعرية للكبار ومجموعتان شعريتان للأطفال، ومسرحية شعرية. وفي عام 2002 وبمناسبة إعلان عمان عاصمة للثقافة العربية صدرت له بدعم من الدائرة الثقافية لأمانة عمان رواية بعنوان (التعفير).
كتبَ عن أعماله الشعرية عدد من النقاد العرب المتخصصين في مجلات وملاحق أدبية في دول الخليج العربي والأردن. حول تجربته الشعرية والإبداعية.
صدر مؤخراً كتاب يتحدث عن تجربة شاهين بعنوان “رؤية النص ودلالاته في شعر سعد الدين شاهين.” من تأليف أ. د عبد الحميد المعيني ود. زياد ابو لبن
قال عنه أحد النقاد بأن ” سعد الدين شاهين تجاوز مراحل اللغة والشعر والكتابة. أعده فيلسوف الشكل والمعنى. وعبقري الانزياح والمضمون” وهو بذلك لم يأت بجديد إزاء رفضه الحقيقي للتطبيع الاقتصادي والثقافي مع المحتل الصهيوني..
وأخيراً
من هنا تتقدم النماذج الشريفة الحية لتتصدر المشهد الثقافي والاقتصادي من أجل صناعة القدوة الحسنة في إطارها المقاوم للتطبيع.. كي تحفزنا على بناء العقل العربي الإيجابي المؤمن بالحقوق المشروعة.. قامات أدبية مشرئبة الرؤوس نأت بنفسها عن ممارسة التطبيع المهين.
22 يوليه 2019