تحديات الواقع امام حكومة كردستان التاسعة!

عادل الجبوري 
خلال ثمانية وعشرين عاما، تشكلت تسع حكومات محلية في اقليم كردستان، اخرها تلك التي حازت ثقة البرلمان الكردي الاسبوع الماضي، برئاسة مسرور البارزاني النجل الاكبر لزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس الاقليم السابق مسعود البارزاني.
قد لاتختلف الظروف التي احاطت بولادة الحكومة الجديدة عن ظروف تشكيل وولادة الحكومات السابقة، الا بأمور بسيطة وشكلية، لان الاطار العام للمشهد السياسي الكردي لم يتغير من حيث طبيعة الخارطة الحزبية، ومساحات الهيمنة والنفوذ، وجوهر المشاكل والازمات القائمة.
عكست الكابينة الحكومية الجديدة في الاقليم، عدة حقائق ومعطيات، منها:
-بقاء الحزب الديمقراطي الكردستاني متصدرا المشهد السياسي، من خلال احتفاظه بمنصبي رئيس الاقليم ورئيس الحكومة، لكل من نيجرفان البارزاني وابن عمه وشقيق عقيلته مسرور البارزاني، الى جانب مواقع امنية وسياسية اخرى، ضمن الكابينة الحكومية وخارجها.
وقد جاء ذلك بحكم عاملين رئيسيين، الاول، هو نجاح الديمقراطي الكردستاني في احراز المركز الاول في الانتخابات التي جرت في الثلاثين من شهر ايلول-سبتمبر الماضي، بحصوله على 45 مقعدا من بين مجموع مقاعد البرلمان الكردي البالغة مائة واحد عشرا مقعدا، والثاني، تمثل بأمتلاكه الجزء الاكبر من ادوات ووسائل القوة والتأثير والنفوذ السياسي والامني والاقتصادي، فضلا عن تماسكه حتى الان مقارنة بالقوى والاحزاب الكردية الاخرى، لاسيما الرئيسية منها، كالاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة التغيير(كوران)، دون ان يعني ذلك عدم وجود عدة خطوط ومراكز قوى داخل الحزب، ودون ان يعني عدم وجود مظاهر تنافس وتدافع على مواقع السلطة والنفوذ، خصوصا بين بعض من المقربين لزعيم الحزب، لكن وجود الاخير، قد يكون عاملا في ضبط ايقاع ذلك التنافس والتدافع والحؤول دون اتساع مدياته ومساحاته بما يهدد مكانة الحزب ومحوريته وتأثيره.
-استمرار الصيغة التوافقية في ادارة شؤون الاقليم بين الديمقراطي الكردستاني(البارتي)، والاتحاد الوطني(اليكتي)، رغم التأريخ الطويل من الصراعات والخلافات والتقاطعات، التي طفى قسم كبير منها الى السطح خلال العامين المنصرمين.
الصيغة التوافقية، وان بدت للبعض، وكأنها مواصلة للمنهجيات والسياقات السلبية الخاطئة طيلة عقدين ونيف من الزمن، الا انها في واقع الامر، تعد في هذه المرحلة بالذات افضل الخيارات المتاحة والممكنة، لان الذهاب الى اي من الخيارات الاخرى، كان يمكن ان يفضي الى المزيد من التأزيم والتعقيد لاوضاع هي بالاصل قلقة ومرتبكة وهشة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
-عدم تبلور تيار سياسي معارض بمعنى الكلمة، رغم اعلان بعض القوى السياسية، مثل الجماعة الاسلامية وحراك الجيل الجديد عدم مشاركتها في الحكومة، وهذا يعني ان الاخيرة لن تواجه الكثير من العقبات والعراقيل في طريق تنفيذ برنامجها الذي اعلنت عن خطوطه العامة بعيّد حصولها على ثقة البرلمان بوقت قصير. اضف الى ذلك فأن الترضيات، التي تعد مكملة ومتممة بصورة او بأخرى للصيغة التوافقية، ستكون حاضرة من اجل استيعاب واحتواء القوى المقاطعة.
-انطلاق اشارات ايجابية مشجعة على الرغبة الجادة في حل ومعالجة المشاكل والملفات العالقة مع الحكومة الاتحادية من خلال الحوار البناء، وضمن سقف الدستور، وفي اطار التفاهمات والتوافقات السياسية المرضية والمقبولة.
وهذه الاشارات، قد تنطوي على اقرار واعتراف ضمني بأن الادوات والوسائل والاساليب التي تم اتباعها في مراحل سابقة، لم تكن مناسبة ومجدية بما فيه الكفاية، وهي تتطلب مراجعة واعادة نظر وتصحيح، ولكن اغلب الظن لاتعني ان الاكراد قرروا التخلي على طموحاتهم وحساباتهم الاستراتيجية، وهذا ما يصرحون به، وما يفهمه الاخرون، وما تتحكم به وتحكمه الظروف الواقعية العامة، داخليا واقليميا ودوليا.
في مقابل ذلك، فأن ثمة مصاعب وتحديات تواجهها حكومة مسرور البارزاني التاسعة، بعضها يرتبط بالبيت الكردي حصرا، من قبيل، كيفية معالجة الكم الكبير من المشكلات والازمات الحياتية والاجتماعية والاقتصادية، التي افرزتها الاعوام الستة او السبعة المنصرمة، ومازالت اثارها ماثلة حتى اليوم، وكيفية المحافظة على القدر النسبي المعقول من الاستقرار السياسي في بيئة هشة لم تعرف طريقها الى التعايش الحقيقي في كل المراحل والمنعطفات والمحطات، واكثر من ذلك كيفية التقليل من الاثار والنتائج والانعكاسات السلبية لمظاهر التشضي والتفكك الحزبي السياسي في المشهد الكردي، والذي لايستبعد بعض المتابعين والمراقبين، ان يمتد الى جسد الحزب الديمقراطي الكردستاني، بل ان البعض يرى ان مثل تلك المظاهر قائمة الا ان مدياتها مازالت محدودة بحكم عدة عوامل، ابرزها وجود زعيم الحزب مسعود البارزاني-كما اشرنا انفا-وقدرته على ضبط الامور بطريقة متوازنة، مستفيدا من قوة شخصيته وتاثيره والكاريزما التي يتمتع بها.
الى جانب المصاعب والتحديات الداخلية في البيت الكردي، هناك مصاعب وتحديات اخرى على نطاق اوسع، من قبيل منهجية ادارة الازمات والية التعاطي مع الحكومة الاتحادية بشأن القضايا الخلافية، من قبيل ملف ادارة محافظة كركوك، والمناطق المتنازع عليها، وحصة الاقليم في الموازنات المالية الاتحادية، والعلاقات مع الكيانات الكردية في الدول المجاورة، التي للبعض منها وجود ملموس وواضح على الارض في اقليم كردستان، مثل حزب العمال الكردستاني التركي المعارض(P.K.K) والاجنحة المرتبطة بها، وكذلك صيغة العلاقة مع قوى اقليمية تتقاطع وتختلف في حساباتها ومصالحها، كما هو الحال بالنسبة للجمهورية الاسلامية الايرانية، والولايات المتحدة الاميركية وتركيا.
قد لاتستطيع الحكومة الكردية الجديدة تحقيق انتقالات وتحولات كبرى، بيد انها قد تتمكن من تصحيح مسارات خاطئة، وحلحلة عقد شائكة، وتقريب مسافات شاسعة، ولكن بعقليات وأدوات واساليب ومنهجيات جديدة، يفترض ان تختلف بشكل او باخر عن العقليات والادوات والاساليب والمنهجيات السابقة.
‎2019-‎07-‎18