هل ستكون إيران جائزة أمريكا الكبرى أم اللقمة التي ستغص بها ؟


صباح علي الشاهر
 
في كل ما يجري من صخب ، ليس المقصود به إسقاط النظام القائم في إيران ، لجملة أسباب منها : إن هدف كهذا صعب التحقق في الظروف الحالية من دونما خسائر ربما تؤدي في نهاية المطاف إلى إزاحة أمريكا من موقعها الحالي كأعظم قوة لا تقهر . وربما يتسبب في هزيمة نكراء لإسرائيل لا تقوم لها قائمة بعدها، وربما يتعرض حلفاء أمريكا إلى هزات لا يعرف مداها ، قد تؤدي إلى سقوط العديد من هذه الأنظمة ، وهي البقرة الحلوب التي كان ترامب يحلبها عبر الإبتزاز لضخ المليارات للخزينة الأمريكية ، والتي كان لها التأثير الكبير في تحسن المستوى الاقتصادي الأمريكي ، وهذا تحديداً هو المكسب الأهم الذي يراهن عليه ترامب من أجل إعادة إنتخابه ، إضافة إلى أن عدم حسم الحرب بعجالة سيضع ترامب وإدارته في موضع صعب ، ربما يؤدي لا إلى عدم إعادة إنتخابه فقط ، بل لإسقاطه قبل أن يتم ولايته الأولى ، يضاف إلى كل هذا أن قدرات إيران الحقيقة تكاد تكون شبه مجهولة بالنسبة لأمريكا ، وإن كانت ليس بمستواها ، لكن لا أحد يعرف مقدار تأثيرها في مجريات النزال ، ولعل في إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة ، ذات التقنية العالية خير مثال على ما نقول .
إسقاط النظام الإيراني عبر الحصار الاقتصادي ، وهو ما يراهن عليه ترامب وإدارته ، ليس مضموناً ، صحيح أن الحصار سيضر بالشعب الإيراني ، وربما يتسبب في فوضى ، ويزعزع الاستقرار الداخلي ، ولكن النظام ككل لن يتأثر ، ولعل صمود كوبا التي لا تبعد عن أمريكا سوى بضعة كيلومترات كل هذه الفترة التي تجاوزت الستين عاما، وصمود فنزويلا حالياً ، خير مثال على كون الحصارات لا تجدي نفعاً ولن تسقط إلا الأنظمة الآيلة للسقوط أساساً ، يعرف الأمريكيون قبل غيرهم أن النظام الإيراني لن يسقط إلا بالحرب ، والحرب شبه مستحيلة للأسباب التي أوردنا بعضها ، وحتى لو شنت الحرب فليس ثمة تأكيد بأن النظام سيسقط .
إن مطلب ترامب الذي عبر عنه لعدة مرات هو تغيير سلوك النظام الإيراني وليس إسقاطه ، وتغيير السلوك هذا يعني فيما يعنيه إنقلاب إيران على ذاتها ، وهذا وفق المعطيات الحالية محال .
في الصدارة من تعديل السلوك هذا الموقف من إسرائيل والقضية الفلسطينية ، وبقية الأمور الأخرى ، كالموقف من حزب الله اللبناني ، وسوريا ، والعراق ، مجرد تفصيلات ، وتفرعات للموقف الأساس . وبتقديري أن الموقف من إسرائيل والقضية الفلسطينية أمر يرتقي للمسلمات بالنسبة للسياسة الإيرانية المعلنة على الأقل ، ولا ينتابني أي شك في أن أمريكا سوف تفشل فشلاً ذريعاً في هذا الجانب .
الموقف الثاني يتعلق بالنووي ، فبموجب الاتفاق النووي تكون إيران مطالبة بتقليل المخزون النووي إلى 202.2 كيلو غرام بنقاء 3.67 خلال فترة 15 عاماً وهي الفترة التي حددها الاتفاق .
وبعد الإنذار الإيراني لأوروبا زادت الكمية إلى 217.5 كيلو غرام بنقاء 4.5 بالمائة ، علماً بأن لصنع قنبلة نووية واحدة ستحتاج إيران إلى 1050 كيلو غرام من اليورانيوم المخصب بتركيز 3.67 بالمائة .
المضحك ، و”شر البلية ما يضحك” ، أن أمريكا قدمت شكوى للأمم المتحدة تتهم فيها إيران بخرق الاتفاق النووي الذي تخلت عنه هي ذاتها ومن طرف واحد وداسته بأقدامها !
في هذا الجانب أعتقد أن الجانبان لديهما فرصة للإتفاق ، إذ ليس في وارد إيران صنع القنبلة النووية ، التي حرمتها بفتوى من قبل المرشد، وما الزعم بسعي إيران لإمتلاك القنبلة النووية إلا تهريج وتدجيل ، يمكن الرجوع إلى الاتفاق النووي السابق ، وربما تعديل بعض بنوده من دون الخروج إلى قضايا أخرى خارجه، بمقابل رفع الحصار وتطبيع الأوضاع في المنطقة، وهذا هو الإحتمال الأرجح ، إذا لا خيار غيره .
تظل القضية الأخرى والتي لا تقل أهمية عن سابقاتها ، وهي موقف إيران من الصين ، الهدف الحالي والمستقبلي لأمريكا .
البحار ، كل البحار تقريباً لأمريكا ، ويمكن القول أن الصين محاصرة بحرياً فعلاً ، وهذا بحد ذاته خطر مميت للصين ، التي لم تجد أمامها من سبيل سوى اليابسة وبناء علاقات مع الجيران والمحيط الآسيوي ، تتطور بإستمرار معززة بمشاريع عملاقة لربط هذه البلدان بطرق برية فائقة الحداثة ، وما طريق الحرير سوى مثال صارخ ، وكذلك خطوط السكك العملاقة والموانيء الجديدة كميناء جوادر في الباكستان ، الصين في هذا المجال تتعاون مع الدول وفق المصالح المشتركة ، وهي لا تميز بين دول كانت عدوة لها في السابق كالهند وتايلند ، ودول صديقة ، فالمنفعة المتبادلة هي المعيار ، في حين تتصرف أمريكا بالعكس من هذا فتشن حصاراً مرفوقاً بإبتزاز المستقوي بقوته على جيرانها ككوبا ، وفنويلاً ، وكندا، وتفرض بناء سور حاجز بينها وبين المكسيك على أن تدفع المسكيك نفقات هذه الرغبة الترامبية أو تساهم في النفقات على الأقل . نهجان وسلوكان يشيران إلى دولة ناهضة تغذ السير في طريق التعاون الذي يعود بالمنفعة على كل الأطراف ، ودولة غاربة شمسها ، تحاول التقوقع وعزل نفسها حتى عن جيرانها، وهي سمة للذبول الآتي بلا ريب .
أين سيكون موقف إيران ؟، هل ستكون مع قوة غاربة لها تأريخ غير مشرف ، أم دولة ناهضة تمد يد التعاون لبناء عالم أكثر أمناً وإنفتاحاً ، أغلب الظن أن إيران إختارت ، ولذا لن تسمح لخيار كهذا أن يوضع على مائدة التفاوض .
‎2019-‎07-‎13