احتجاز ناقلة النفط الإيرانية.. عاصفة سياسية دولية بأبعاد تصعيدية

 الدكتور حسن مرهج

لاشك بأن التصعيد المُتعمد الذي تمارسه واشنطن ضد طهران يتخذ أشكالاً متعددة، لكن و ضمن سياق التطورات الضاغطة، يبدو أن طهران لا زالت ضمن نظرية الصبر الاستراتيجي، بينما واشنطن فقد بدأت تفقد بوصلتها الاستراتيجية، و تعبث بعيداً عن يد طهران العسكرية، حيث أن احتجاز ناقلة النفط الإيرانية في المياه الدولية في جبل طارق، من قبل البحرية البريطانية، يُعد نوعاً من الضغط السياسي، لكن ضمناً مع بقاء مستويات ضبط النفس مرتفعة، هذا الأمر و ضمن التوقيت الإقليمي و الدولي، جاء متناغماً مع الحملات السياسية و الاقتصادية ضد طهران، فالحدث جاء بالتزامن مع تشبث أمريكي وتعزيز العقوبات وضغوط شديدة تمارسها واشنطن على طهران منذ انسحابها من الاتفاق النووي، لإرغام الأخيرة على إعادة التفاوض بشان الاتفاق النووي، وهو الأمر الذي انعكس على علاقات إيران بدول الغرب، فبعد الـ8 من مايو/أيار الماضي، تغيرت لهجة خطاب إيران تجاه الدول الأوروبية بشأن الاتفاق النووي، وبدأت تتغير معالم برنامجها النووي، فعادت أجهزة الطرد المركزي تعمل بالسرعة التي تريدها إيران، و بصرف النظر عن المناورات الأوربية التي تصب مباشرة في سياق الممارسات الأمريكية.
توقيت العملية التي تأتي بُعيد إعلان طهران تجاوزها سقف اليورانيوم المخصَّب المحدد في اتفاق 2015، وقبل يومين فقط من انتهاء مهلة الـ60 يومًا، والتي حددتها إيران للدول الأوروبية للالتزام بتعهداتها في الاتفاق، فقد تجاوز مخزون إيران من اليورانيوم 300 كيلو جرام، وهو الحد المسموح به في الاتفاق النووي الموقَّع عام 2015 بين القوى العظمى وإيران، ولعل الخطورة الإيرانية أزعجت الدول الأوروبية، أمَّا إيران فتراها رسائل تحذيرية، ويقول ساساتها إنه يمكن التراجع عنها متى نفَّذ الغرب التزاماته، لكن الدول الأوروبية تجد نفسها في وضع حرج بين الطرفين، أمَّا إيران فلا ترى مفرًا من خطوات في برنامجها النووي تقلب بها معدلات التفاوض مع شركاء الاتفاق النووي ولو جزئيًا لصالحها، وربما كذلك تعمل على إعادة ترتيب أوراقها التفاوضية بما يمكنها من تحقيق ما كنت تطمح إليه في الاتفاق النووي.
احتجاز ناقلة النفط الإيرانية “غريس1” ولدت ردود فعل إيرانية جاءت كرد على الممارسة البريطانية التي صُنفت على أنها قرصنة، فسارعت إيران إلى استدعاء السفير البريطاني لديها، حيث أن هذا الإجراء يتعارض مع مضمون القانون الدولي الذي يضمن حرية التنقل في المياه الدولية، طالما أن هذا التنقل لا يُشكل تهديداً تجاه أي دولة، و بالتالي فإن احتجاز ناقة النفط الإيرانية يُعد انتهاكاً واضحا لمواثيق القانون الدولي، كما يُعد قرصنة دولية يُراد منها إرهاب إيران و منعها من تسويق نفطها، أو إرساله إلى أي جهة تريد، ففي هذا السياق كثرت التكهنات عن وجهة الناقلة، و اتخاذها هذا المسار البحري الطويل، فالواضح أن إيران تسعى بشتى الوسائل للالتفاف على العقوبات الأمريكية، و تذليل كافة العقبات التي من شأنها قطع أي تواصل بين إيران و جيرانها الإقليمين و الدوليين، حيث أن جوهر العقوبات الأمريكية على إيران لا يتخذ طابعاً أممياً، بل هو إجراء أحادي من جانب واشنطن، و عليه فإن إيان لها كامل الحق بالإبحار في المياه الدولية، و ايصال نفطها إلى الحليف السوري، لكن الأدوات الأمريكية تُساهم في تنفيذ الأجندات الأمريكية ضد طهران ودمشق، الأمر الذي يشي بحدوث اهتزازات جراء هذه السياسة الكارثية لواشنطن و أدواتها.
المفارقة أن بريطانيا لم تنسحب من الاتفاق النووي، و رغم ذلك فقد شهدت العلاقة بين لندن وطهران توترات كثيرة، خاصة أن لندن قد اتهمت طهران بتنفيذ الهجمات في خليج عُمان، كما تسعى بريطانيا أيضًا إلى الضغط على إيران من أجل الإفراج عن البريطانية من أصل إيراني، نازانين زاغاري رادكليف، المحكوم عليها بالسجن 5 أعوام منذ 2016 بعد إدانتها بالتجسس.
ضمن ما سبق من معطيات، بات من الواضح أن الضغط الموجه ضد سوريا وإيران يسير بنسق متوازٍ، لا سيما أن شُحنات النفط من إيران إلى سوريا كان من الممكن أن تلك طريقها عبر قناة السويس، لكن الإجراءات المصرية وانسياقها في ركب السياسة الأمريكية الضاغطة على سوريا، يطرح العديد من الأسئلة الجوهرية، خاصة تلك المتعلقة بالدور المصري المبتعد عن المحور العربي، و بالتالي باتت مصر شريكة اساسية في حصار الشعب السوري، ولا مبرر لدولة مصر في تلك السياسات المتناغمة مع السياسة الأمريكية والبريطانية، وضمن هذه الجزئية على مصر أن تعود لموقعها العروبي، ولا تُذعن للأجندات الأمريكية والبريطانية وحتى الاسرائيلية.
في جانب أخر، بات لابد إيرانياً و سورياً من مواجهة هذه الإجراءات البعيدة كلياً عن القانون الدولي، فحين تُعلن لندن أن سبب الاحتجاز هو انتهاك إيران وسوريا للعقوبات الدولية، وبعد ذلك، وصفت الأوساط الإيرانية الرسمية والإعلامية هذا العمل بالعدائي وغير القانوني، وأكدت أن هذه الحادثة تمثل تصعيدا بريطانيا يتناغم مع التوجهات والسياسات الأميركية ضد إيران، ما يمكن اعتباره بمثابة الرصاصة الأخيرة للاتفاق النووي، وإغلاقا لأي مسار نحو التفاوض بين إيران والدول الأوروبية، في مقابل ذلك يبدو أن جُملة الردود السورية والإيرانية ستكون متوافقة مع الردود الروسية والصينية، فهذا الإجراء لا يشكل خطرا على ايران و سوريا فحسب، بل أن روسيا والصين مستهدفتين بشكل غير مباشر في هذا الإجراء، ولن تكون الردود عسكرية بمعناها الحرفي، لكن رسائل النار السياسية قد تتخذ حلولاً وقائية ضد أي اجراء مماثل لواشنطن و أدواتها في المنطقة، وبصرف النظر عن الرد الايراني الذي من الممكن أن يرقى لاحتجاز سفن بريطانية، أو أقله منعها من التحرك و تعطيلها وفق أبجديات الفضاء التكنولوجي الايراني المتطور جدا، لكن الكثيرين يستبعدون هذا الأمر، ويذهبون للاعتقاد بأنه كلما توسَّع قوس العقوبات على إيران توسعت معه رقعة المتضررين أي حلفاء إيران، لا في الشرق الأوسط فحسب، وإنما عبر البحار أيضًا، وهو ما كان مستشار الأمن الوطني العراقي ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، آخر المحذرين منه، بقوله في تصريحات إعلامية، إن تفجر الصراع سيجعل كل الاحتمالات مفتوحة، وسيغير قدرة حكومة بغداد على ضبط الأمور داخليًا، مشيرًا إلى أن الأزمة في منطقة الخليج بين إيران والولايات المتحدة تهدد السلم والاستقرار الدولي والإقليمي، ووصولها إلى المستوى العسكري سيتسبب في كارثة بالمنطقة لن تستثني أحدًا.
في المحصلة، كل ما تمارسه واشنطن يمكن تصنيفه على أنه عرض عضلات لطمأنه حلفاءها، خاصة بعد اسقاط طائرة التجسس الأمريكية من قبل إيران، لكن و مع استمرار هذه الممارسات الأمريكية، و تصعيدها سياسياً، يمكننا القول بأن الصيف سيكون حاراً أكثر من المتوقع، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب حذَّرها قبل أيام من “اللعب بالنار”، بعد إعلانها تجاوز حد اليورانيوم المخصب، أمَّا طهران فمضت بالقول “إذا لم تتراجعوا فسنعود إلى النووي تخصيبًا”، وربما تلوِّح بما هو أكثر، وهذا يجري خطوة خطوة، كما يقول مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي ولايتي، و بالتالي من المؤكد بأننا سنشهد المزيد من التوترات السياسية حتى تُشرق شمس اتفاق نووي جديد، وحتى ذلك التوقيت نقول ترقبوا المفاجئات الإيرانية السياسية منها، والإستخباراتية.
 
كاتب فلسطيني
‎2019-‎07-‎10