محددات في اتخاذ الموقف السياسي


محمود فنون
هل نجحت ثورات الربيع العربي
اولا:
ما معنى اسقاط النظام ؟
فيما يسمى الربيع العربي رفع شعار ” الشعب يريد اسقاط النظام ” وحينما وصل الحراك في تونس إلى محطة معينة ، جرى ترحيل بن على خارج البلاد ، فنزلت الجماهير إلى الشوارع مهللة بالإنتصار العظيم ّ!!
هل سقط النظام ؟
الجواب : لا
فقد بقي النظام على حاله .
وكذلك الحال في مصر حيث ابتهج الناس برحيل مبارك وبقي النظام على حاله . وجاء الطنطاوي وذهب الطنطاوي وجاء مرسي وذهب مرسي وجاء السيسي وبقي النظام على حاله .
ما معنى النظام ؟ أي نظام الحكم .
هو تركيبة سياسية اقتصادية اجتماعية فكرية وثقافية ونفسية اجتماعية تتواجد في لحظة ما في بلد ما. يقود هذه التركيبة قيادة سياسية طبقية تهيمن على الوضع وتحاول حفظه لتتيح لمكونات الطبقات السائدة الإستمرار في وضعها إلى أطول آجال ممكنة . وهذه الطبقات وشرائحها هي صاحبة المصلحة في هذا النظام وبقائه والإستفادة منه إلى أقصى حدود تستطيعها.
إذن النظام ليس شخصا أو مجموعة أشخاص أو حزب . فهؤلاء في أحسن الأحوال هم قادة النظام ومعبرين عنه ومدافعين عن بقاءه . وإذا ذهبوا يظهر غيرهم من نفس القوى الطبقية والسياسية السائدة أو المعبرين عنها أو خدمها ويستمر النظام بتراكيبه وحاله .
نقول سقط النظام إذا تم الإجهاز على التركيبة الإقتصادية الإجتماعية السائدة واستبدالها بغيرها وحلول طبقات اجتماعية أخرى تختلف جذريا عن الطبقات السابقة بما يشمل تغيير علاقات الملكية شكلا ومضمونا .
مثلا : قامت الثورة الفرنسية باسقاط النظام في فرنسا . هي اسقطت النظام الإقطاعي الذي كان طبقيا مكونا من طبقة الإقطاع بتراتبها متحالفة مع الإكليروس ، حيث سحقت الطبقة الإقطاعية جذريا ونهائيا وسحقت قواها وتراكيبها وأفكارها وكل البنية التحتية والفوقية وشلت فعلها ومرتكزات فعلها . لقد قضت على مرحلة الإقطاع والملكية الإقطاعية ،وحل محلها الطبقة البرجوازية بتراكيبها المكونة من أصحاب المصانع والمشاغل والتجار ورجال المال والأعمال. أي دشنت مرحلة الرأسمالية بلا مخلفات العصور الوسطى .هذا ابرز نموذج لمعنى اسقاط النظام وقد تم عبر ثورة سارت مظفرة في محطات متدرجة استغرقت الزمن الكافي في هدم التراث الماضي وتدشين النظام الجديد.
مثال آخر عن الناصرية :
كان النظام قبلها ملكيا اقطاعيا وتحت النفوذ البريطاني تتحالف فيه الطبقات الإقطاعية مع الكومبرادوروالإكليروس الإسلامي والمسيحي ويسوده الباشوات واصحاب النفوذ وكبار التجار والراسماليين المرتبطين بالأجنبي ومعهم الكثير من خدم النظام والمنظرين له . وكان الجيش المصري في تبعية النظام .
وتحت تهديد القواعد العسكرية البريطانية يستطيع السفير البريطاني فرض إرادة بريطانيا بالقوة العسكرية عندما يلزم وقد لزم مرات عديدة وتقدم الجيش البريطاني وحاصر وقرر ما يريد .
جاءت الثورة الناصرية وقلبت النظام واستولت على الحكم وقضت على الإقطاع قضاء مبرما وعلى كل تراكيبه وقضت على كل الإمتيازات ومصادر نفوذ الطبقات البائدة ووزعت الأراضي التي كان يتنفذ فيها الإقطاع وحلت الإحزاب وظهرت تراكيب سياسسية جديدة ، وحل محلها البرجوازية الوطنية وشيئا فشيئا ظهر القطاع العام في كل مظاهر الحياة الإقتصادية بملكية وادارة الدولة ودخلت مصر مرحلة التصنيع والحداثة.. وتحررت مصر من النفوذ الأجنبي وتحرر جيش مصرمن النفوذ البريطاني. وظهرت مكانة جديدة لمصر ورؤيا سياسي وثقافية وفكرية جديدة وتشريعات جديدة ودشن الكثير لمرحلة الإشتراكية فكرا وممارسة .
بهذا تكون الناصرية قد اسقطت النظام واقامت بدلا منه نظاما جديدا يختلف جذريا عن السابق بما يطال الملكية وكل البنية التحتية والفوقية ومجمل العلاقات الإقتصادية الإجتماعية في البلد وكل علاقات البلد الداخلية والخارجية وعلى كل الصعد.
وكذلك السادات عندما انقلب على الناصرية . أعاد النفوذ للقطط السمان وخصص نسبة كبيرة من القطاع العام بيعا وافسادا وبنى تحالفات النظام من الكومبرادور وكبار رجال المال والأعمال والملاكين العقاريين ورجال الدين وتحالف مع الإخوان المسلمين واتبع الجيش مباشرة لأمريكا وفسح ووسع للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وقضى على الخطوات الإشتراكية التي كان عبد الناصر قد دشنها في عهده . ورهن مصر للديون الخارجية واتبعها للنفوذ الأجني وعقد اتفاقات كامب ديفد مع العدو الإسرائيلي . ولا زالت مصر تعيش هذا الوضع بعد السادات وفي فترة مبارك والطنطاوي ومرسي والسيسي.
وكي نزيد الأمر إيضاحا نأخذ مثال أمريكا بعد مجيء كل رئيس جديد .
ما أن يستلم الرئيس الجديد حتى يغادر البيت الأبيض ومؤسسات الحكم المئات من كبار رجال أمريكا الذين حكموا في فترة الرئيس السابق ويحل محلهم مئات وآلاف جدد دون أن يعني هذا البتة بأن النظام في امريكا قد تبدل. فالنظام ظل راسخا كما هو وحصل الإستبدال ارتباطا بنتائج الإنتخابات الرئاسية التي تحصل كل اربع سنوات بدلا من الهبات الشعبية.
إن تلخيص النظام بشخص الرئيس وبطانته ما هو إلا التفاف على الحراك الشعبي الذي ثار على الأوضاع برمتها وشخص الرئيس هو تعبير مكثف عن فريق خدمة النظام لا أكثر .
في تونس لقد تدخل الجيش وبإيعاز من الغرب الإستعماري وطرد بن علي ، ولكن ، ليس من أجل تحقيق أهداف الإنتفاضة الشعبية بل من أجل الإلتفاف عليها ووقفها ليحل محلها ” لفيف ” أخر معبرا عن ذات النظام مع بقاء كل مركباته ومرتكزات الطبقية وكل البنى التحتية والفوقية بل حفاظا عليها ولكن بوجوه جديدة أي ثورة مضادة لا أكثر . إن الرموز الجديدة التي حلت في تونس ومصر هي رموز الثورة المضادة وليست رموز الثورة من أجل التغيير الثوري .
يتبع

5/7/2019م