رسالة إلى مرزوق الغانم
 سناء ابو شرار
كم رسالة شكر وصلت إليك من فلسطين؟
كم دعاء ارتفع إلى السماء يدعو بالبركة والنصر لك؟
وكم من الدموع امتلأت بها العيون حين سمعت كلماتك دفاعاً عن أهل فلسطين؟
وكم من الشرف يحتاج الرجل كي يقول كلمة الحق في زمن الباطل؟
من بين كل تلك الرسائل والدعوات والدموع هناك عيون لا تنسى وقلوب لا تجف أحزانها، إنهم أطفال غزة، نساء غزة، رجال غزة، حيث الجوع والقهر، المرض والألم، القتل والدمار.
وحيث هناك على الطرف الآخر من يتاجر بتلك الدماء وذلك القهر بلا خجل أو حتى دون أدني درجات الوازع الديني.
فمن هو هذا الشعب المقهور، المشرد، المقتول؟ وإلى متى يستمر التشرد والقتل والقهر؟ لقد كان ولا يزال القتل والقهر، ولكن الآن هناك الجوع وهناك في غزة من يبحث بين أكوام النفايات عن لقمة خبز، يبحث عنها قبل صلاة الفجر كي لا يراه أحد من الجيران بعد أن كان يجد قوت يومه بكرامة في السابق.
كان هناك ولا يزال تدمير البيوت، وكان أهل غزة يُعيدون البناء من جديد والآن البيوت والعمارات المهدومة لا يُعاد بناؤها، فالدولة الصهيونية لا تسمح بدخول مواد البناء، والناس لم يعد لديهم النقود ليبنوا. فيذهب الأطفال الذين كان لديهم بيوت إلى أنقاض بيوتهم ليبحثوا عن الذكري ويتذكروا من استشهد من أهلهم وأقرباءهم.
كان هناك ولا يزال قتل الأطفال، ولكن الآن توجد الشظايا التي تسكن أجساد الأطفال، والتشويه الذي ترك الحفر العميقة على أطرافهم ورؤوسهم، والأمراض النفسية والعصبية التي فتكت بهم، ثم الخوف المستمر من أي صوت أو أية حركة، ثم الرغبة بالانتحار حين يتذكرون أهلهم وأصدقاءهم الذين تم إبادتهم أمام أنظارهم.
كان هناك ولا يزال قطع أرزاق الصيادين، ولكن الآن من يتجاوز الحد المسموح به من الشاطئ الضيق يتم إطلاق النار عليه فقط لأنه يريد اصطياد بعضاً من الأسماك ليسد جوع أهله وليس ليربح بالبيع، حتى الأسماك التي خلقها الله تعالى للبشر وخصوصاً للفقراء منهم ممنوعة على أهل غزة.
كان هناك ولا يزال وجوهاً مُتعبة قلقة مريضة، ولكن الآن حتى الدواء أصبح سلاحاً يهدد الصهاينة، حتى أقلام ودفاتر المدرسة تهدد أمنهم، فكل ما في غزة ليس سوى أبواب حديدية موصده على حفنة من البشر لا يعترف العالم بإنسانيتهم.
كان هناك ولا يزال المخيمات البائسة، ولكنها الآن أشدُ بؤساً ومرضاً وقهراً وبطالةً، البيوت الضيقة كانت بالكاد تتسع لبعض الأفراد في العائلة والآن تكتظ بالأبناء والأحفاد الذين تربوا في ظل المأساة التي تتحول إلى كارثة ثم إلى وصمة عار بجبين البشرية.
كان هناك ولا يزال شاطئ أزرق جميل بأمواجه النادرة والرائعة، والآن أصبح البحر ملوثاً ولا يمكن السباحة به لأسباب صحية، حتى لونه تغير وفقد بريقه الأزرق الصافي.
كان هناك أشجار ومزارع خضراء مليئة بالفواكه والخضار، والآن أصبح هناك مزارع جرداء صفراء دمرتها صواريخ الصهاينة ودمرت بيوت من كان يعيش بها وأصبحت الأرض المحروقة بعد أن كانت الأرض الخضراء.
وحين يتجاهل العالم كل هذه المعاناة وهذا الظلم والقهر ويجتمع لأجل دعم ومساعدة من يقتل وينهب ويدمر ويتم نسيان أو تناسي الواقع المرير على الأرض وكأن أولئك الذين يعيشون هناك ليسوا بشر، وكأن الجوع ليس سوى عارض صحي، وكأن القتل ليس سوى هواية، وكأن التدمير ليس سوى حق شرعي.
فتأتي كلمات السيد مرزوق الغانم لتقول للعالم بأن القتل يبقى جريمة، وأن التجويع إبادة، وأن التدمير لن يكون أبداً شرعياً، لذلك زينت فلسطين شوارعها باسمه، وستحمل القلوب ذكرى هذا الاسم ما بقيت.
‎2019-‎06-‎30
كاتبة فلسطينية