د. عدنان عويّد
الثقافة الشفوية في سياقها العام, هي مجموعة الآراء والأفكار والمبادئ والرؤى والقصص والحكاية والأمثال الشعبية, دينية كانت أم وضعية. التي يتداولها الناس في أي مجتمع من المجتمعات بشكل يومي, وبكل ما تتضمنه هذه الثقافة من مواقف سلبية أو إيجابية تجاه علاقة الإنسان بنفسه والمجتمع والطبيعة. وهي ثقافة أُنتج معظمها في الزمن الماضي, وأصبحت متوراثة ولم تزل تُجتر ويتداولها الناس فيما بينهم للتعبير عن قضياهم الحياتية اليومية المباشرة في الفكر والممارسة, على اعتبارها قيماً (معيارية) ناجزة استطاعت أن تختزل التجربة الإنسانية وتضبط وتوجه في عصر إنتاجها حياة الفرد والمجتمع, وهي قادرة عند حملتها الاجتماعيين اليوم على تحقيق هذا الضبط والتوجيه حاضراً ولاحقاً, كونها جزءاً من الفردوس المفقود.
إذن, الثقافة الشفوية بتعبير آخر: هي في معظم جذورها وأصولها وامتدادها, ثقافة الأجداد (الأسلاف) الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف إلا وقالوا به, وحددوا الحلال فيه والحرام, أو الصح والخطأ, ومارسوا جرحهم وتعديلهم على نمط شخصياتهم السلبية منها والايجابية فكراً وممارسة, ليس لعصرهم فحسب, بل ولكل العصور اللاحقة, أي اعتبار ما قالوا به ومارسوه هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تال.
الجذور التاريخية والمعرفية لهذه الثقافة في تاريخنا العربي:
إن أي متابع لهذه الثقافة, سيجد أن لها جذوراً تمتد في عمق تاريخنا, وأن فروعها وأغصانها ظلت تمتد عبر السنين اللاحقة, وخاصة بعد ظهور الدعوة الإسلامية التي شكلت عقيدتها وقيمها الأخلاقية المعيارية المساحة الأكبر في وعي المواطن العربي بشكل خاص والإسلامي بشكل عام. حيث استطاعت هذه الثقافة الشفوية ممثلة هنا في قسمها الأكبر بالوعي الديني (الفقهي) أن تعرش على وعي أبناء هذه الأمة حتى اليوم. علماً أن الدعوة الإسلامية جاء في صلب ما جاءت من أجله, هو إنهاء هذه الثقافة الشفوية وتحويلها من ثقافة (الفم إلى ثقافة القلم) مع أول آية نزلت على الرسول وهي: (اقرأ), من جهة أولى, ووضع حدً لتمسك الناس بأفعال آباؤهم بعجرها وبجرها من جهة ثانية. إلا أن قوة الماضي ممثلة بما كان يفعل آباؤنا ظلت مسيطرة وفاعلة تحت شريعة (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون). مع تأكيدنا هنا على الدور الذي مارسته السلطات الحاكمة في تاريخ الدولة العربية السياسي في تسييد هذا النمط من الثقافة الماضوية التقديسية, بهدف تجهيل الناس والحجر على عقولهم, حيث وجدت القوى الحاكمة المستبدة في سياسة التجهيل, سر بقائها واستمراريتها في السلطة. الأمر الذي دفع هذه السلطة عبر تاريخها إلى محاربة الثقافات الإبداعية التي وجدت فيها خطراً يهدد مصالحها إن كان أثناء قيام الدعوة الإسلامية من قبل كبار كفار مكة, أو من قبل الكثير من الخلفاء ومشايخ السلطان عبر تاريخ الدولة العربية والإسلامية التي تتخذ من الدين مرجعية دستورية وتشريعية حتى تاريخ دولنا المعاصرة.
سمات وخصائص الثقافة الشفهية:
من خلال عرضنا أعلاه, نستطيع تحديد أهم سمات وخصائص هذه الثقافة:
1= هي ثقافة ماضوية, أنتج معظمها في الزمن الماضي, وغالباً ما يطغى عليها الطابع الديني (الفقهي) في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية, كون الدين كان ولم يزل هو المصدر الأهم للمعرفة, وحتى الثقافات الوضعية التي أنتجت في ذلك الوقت وخاصة الفلسفية منها إضافة إلى علوم الطب والكيمياء والتنجيم وغيرها, ظلت محكومة بالدين أيضاً, على اعتباره هو من يحلل ويحرم التعامل مع هذه الظاهرة العلمية أو الاجتماعية أو تلك.
2 = هي ثقافة جماهيرية, أو بتعبير آخر, هي ثقافة ظل يعاد إنتاجها واستهلاكها من قبل الجماهير الواسعة, فغالباً ما تجد الناس في كافة مفردات حياتهم اليومية يستشهدون بمقولاتها وقصصها وحكاياها وأمثالها الشعبية ونصها المقدس, خدمة لمصالحهم اليومية المباشرة, أو لإعطاء الفكرة التي يقولون بها أو العمل الذي يمارسونه المصداقية والشرعية, في المنزل والسوق والجامع والدائرة وغير ذلك من أماكن تواجدهم.
3= هي ثقافة تعتمد كثيراً على إيراد نص قرآني أو حديث أو رأي صحابي أو فقيه, إضافة إلى إيراد قصص وحكاية الصحابة والتابعين وتابعي التابعين, كونها الأكثر قدرة على غرس المعلومة المراد توصيلها للمستمع, لذلك لا نستغرب أن نجد أحد مشايخ الدين يقول: إن القصص والحكاية جنود مجندة سخرها الله لنا كي نعلم بها الناس الدين والفضيلة.
4= هي ثقافة تركز كثيراً عند حملتها ودعاتها على القيم الأخلاقية, وخاصة قيم السلف الصالح, الذين أسسوا بناء الدولة الإسلامية وحضارتها. وبالتالي هذه القيم تشكل عند دعاتها الفردوس المفقود بعد أن راحت تتخلى عنها الأجيال اللاحقة, أو تجاوزها الزمن. وإذا أرادت هذه الأمة أن تعود لمجدها وعزتها, فهي لن تعود إلا إذا عادت إلى القيم الأخلاقية تلك, (ولن يُصلح حال هذه الأمة بعد أن فسد أمرها إلا بما صلح به أولها.).
5= حازت هذه الثقافة على صفة التقديس, كون معظم مكوناتها مرتبط بالدين, وأكثر من أسس لها هم رجال الدين الذين ضبطوا علم الجرح والتعديل الذي وضعوه لتحديد الغث وسمين في هذه الثقافة, وبالتالي فكل خروج عن سمين هذه الثقافة هو بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
6= هي ثقافة تقوم على التراسل (العنعنة), كون أصلها شفهي, وخاصة ما يتعلق منها في الحديث النبوي وأقوال الصحابة والتابعين.
7= هي ثقافة تحاصر الإبداع والمبدعين, الذين يريدون التجديد في علوم الدين والدنيا, وبالتالي يعتبر هؤلاء المجددون بنظر دعاة هذه الثقافة منحرفين إذا ما حاولوا طرح أفكار لا تتفق مع ما هو ثابت ووثوقي في هذه الثقافة, إن كان لدى المذاهب أو الفرق الدينية, أو لدى الأحزاب ذات الأيديولوجيات الوضعية.
8= هي ثقافة تعالج تناقضات المجتمع وصراعاته الطبقية القائمة على الاستغلال, من منظور أخلاقي, يقوم على مناجاة الضمير والوجدان لدى هذا الفرد أو الجماعة, عندما يمارس أو يمارسون عملاً صالحاً, والعكس صحيح. فهم يطالبون الأفراد والمجتمع بضرورة التمسك بأخلاق التضحية ونكران الذات والإثار والمحبة والتسامح, كما مارسها السلف الصالح الذين حققوا بها العدالة والمساواة بين الناس كما يدعون, وغالباً ما يتخذون من بعض الرموز الدينية قدوة للحاكم والرعية أيضاً في نشر العدل بين الناس, دون أن يضعوا في حساباتهم خصوصيات كل مرحلة تاريخية من حيث ظروفها الموضوعية والذاتية ومكوناتها الاجتماعية وحدودها الجغرافية, ودرجة تطور المجتمع فيها أو تخلفه.
9= هي ثقافة تدعو إلى التسليم والامتثال لكل ما أنتج من معارف أقرها السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى, أو ما جاء في فقه (الحاكم) في الأنظمة السياسية, وبالتالي هي تعمل على محاربة الحرية الفردية والإرادة الإنسانية والرأي الآخر.
10= هي ثقافة ذات توجهات أيديولوجية مغلقة, تعتبر الحقيقة قد أعطيت مرة واحدة وإلى الأبد, وعلينا أن نعمل دائماً على إعادة إنتاجها, ولي عنق الواقع كي ينسجم معها. أي هي ثقافة ضد النسبية والحركة والتطور والتبدل.
على عموماً ما نريد قوله في هذا الاتجاه بالنسبة للثقافة الشفوية: إنها ثقافة فرضت عبر تلك السنين الطويلة من سيادتها, العقل الإيماني والتسليمي على المواطن العربي, بحيث لم يزل النص المقدس وأقوال الأئمة والفقهاء وكبار مشايخ السلفية والقادة السياسيين, يشكل المرجع المعرفي والسلوكي للفرد والمجتمع مع غياب فاضح للضبط المنهجي وللرأي الآخر. أي هي من يشكل الحكم أو المعيار على أقوال الناس وسلوكياتهم وبالتالي استغلاله والاحتماء به دوماً. هذا إضافة لاستغلال وتوظيف ثقافة الخوارق والخرافة والأسطورة, وتطبيق الخاص على العام, أو الجزء على الكل في التعاطي مع أحداث التاريخ والواقع, وكذلك الانخراط بالموروث والمحافظة على الشكليات فيه, والتمسح بالرحمة والتسامح, وعند الضرورة لا بد من التمسك بالجهاد انطلاقا من التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا ما ساهم في خلق حالات من الفوضى والتناقض في هذه الثقافة الشفوية وبخاصة الجانب الفقهي فيها على سبيل المثال لا الحصر هذا الجانب الذي يتعامل مع مسائل الوجوب والإباحة والمحرم, والعقل والنقل وطريقة الحصول على المعرفة.
كاتب وباحث من ديرالزور – سورية
d.owaid333d@gmail.com