نور وألق المظفر..براعم تنمو وتكبر رغم أنف الانحطاط!


سلام موسى جعفر
في العام الماضي أخبرتكم في منشور عن نور نذير المظفر وألق بشير المظفر. فهما من البراعم التي تنمو، ونمت بالفعل رغم أنف الانحطاط ومسببيه. ولأني سأغيب عنكم بضعة أيام رأيت أن نمتع النظر سوياً بلوحتين ساحرتين لبرعمتين شقتا طريقهما عنوةً! ولهذا أعيد نشره!
براعم تنمو وتكبر رغم أنف الانحطاط!
تتفق الأكثرية من الناس على أن المواهب الفنية للأفراد تولد معهم، بغض النظر عن زمان ومكان هذه الولادات. الا ان الفن ذاته لم نتعرف علية الا في الممارسة الاجتماعية وبالارتباط مع ظواهر اجتماعية أخرى كالأخلاق والدين والقيم السائدة. وفي كثير من الأحيان نتعرف على الفنون دون الفنانين! فننسب ابداعاتهم الى الإنسانية بصورة عامة وفي أحسن الأحوال ننسبها الى تراث الشعوب ونهمل المواهب التي أبدعت! وهذا هو تجسيد حي للظلم المستمر الذي تعرض له المبدعين عبر التاريخ.
عرفت المجتمعات البشرية الأولى أشكال من الفنون قبل اختراع اللغة. بل ان البشرية مارست فنون الرقص والرسم والموسيقى وغيرها كوسائل للتخاطب بين الناس. الموضوع الأساسي للفن هو التعبير عن احاسيس الفنان بوسائل جمالية. وبما ان الإنسانية قد استعملت الفنون كما قلت في التخاطب فان الانسان تحول الى كائن جميل ومحب للجمال واكتسب النوع البشري القدرة على توريث صناعة الجمال وكذلك توريث الاحساس به للأجيال.
الفن والاحساس بالجمال كل منهما مرآة تعكس مستوى تطور المجتمع في مرحلة تاريخية محددة. فعندما نسمع من أحد ما او نقرأ لآخر أو اننا بأنفسنا نكتب او نتحدث عن الزمن الجميل، ونحن نشير الى تطور الثقافة والادب والرسم والنحت والاغنية والفلم والمسرح والمبدعين الذين حصلوا على القاب العمالقة او الرواد، فأننا جميعا، ودون اتفاق مسبق بيننا قد استخدمنا الجمال كوحدة قياس. ولو عدنا لذلك الزمن “الجميل” الذي أنجب العمالقة والرواد في مختلف المجالات والذي شهد الإنتاج الوفير في كل المجالات الأدبية والفنية لاكتشفنا دون عناء وجود رابط متين بين الوضع السياسي القائم آنذاك وبين الجمال كوسيلة تعبير عن الاحاسيس الإنسانية. صعود حركة التحرر الوطني في البلدان العربية وبقية انحاء العالم في خمسينات وستينات القرن الماضي والتي يعيرنا بها ذلك القسم من ادعياء الماركسية المتحولين الى ليبراليين جدد، كانت قد أطلقت العنان امام المواهب لكي تعبر عن نفسها. فشهدت المجتمعات نهضة فنية وادبية وثقافية ارتبطت بنهضة صناعية وزراعية.
تعرض المجتمع العراقي للتشويه منذ بداية الحرب ضد إيران وتصاعد بعد إيقاع الغبي في مصيدة الكويت. وتضاعف هذا التشويه بعد احتلال العراق حين جرى تفكيك الدولة وتشجيع قيام مؤسسات ما قبل قيامها لتحل محلها من اجل ضمان تحويل البنية الاقتصادية الى بنية اقتصاد ريعي يخدم اهداف الاحتلال.
ولما كان إنجاب المواهب الفنية عملية مستمرة متعلقة بالجينات البشرية وليست مرتبط بزمنها، ولا بمكانها، فان تلك المواهب نفسها لا تصلح كوحدة قياس وانما مستوى إنتاجية الجمال هي وحدها التي تصلح كوحدة لقياس مستوى تطور المجتمع. فالمواهب هي براعم صغيرة تحتاج الى حضن اجتماعي يرعاها لكي تعبر عنه وتعكسه في انتاجها. وإلا فإنها حتما ستموت او في أحسن الأحوال تنمو مشوهة. ومع ذلك علمنا التاريخ ان براعما شقت طريقها دون حضن اجتماعي وعبرت فنونها عن رغبة المجتمع في التغيير، واستحقت ان ترفق اسمائها بلقب العبقري، اعترافا متأخرا من المجتمع بالظلم الذي وقع على تلك المواهب.
ورغم ان العراق وسائر البلدان العربية جميعها تعيش مرحلة تراجع شاملة إلا أن العصر الذي نعيشه يمنح الافراد من عاشقي الجمال القدرة على التأثير في عملية تطوير المواهب من خلال دعمها وتشجيعها. لست فنانا ولا أستطيع قراءة الإنتاج الإبداعي للفنانين التشكيليين، ولكني أحيانا أنجح بالتقرب من احاسيس الفنان وتذوق جمالية اللوحة. وقد تركت منذ زمن بعيد التخوف جانبا في تقييم اللوحات ولست بحاجة الى حديث المختصين عن مساحة الضوء وتناسب الألوان وعمق ضربات الفرشاة! يكفيني من اللوحة ان اكتشف فيها ولو حتى جزءا بسيطا من مشاعر الفنان وان تمنحني تلك اللوحة متعة الإحساس بقيمة الجمال. فالجمال قيمة من قيم المجتمعات الإنسانية يشترط وجودها قيم اجتماعية أخرى لكي نستمتع بها.
ما رأيكم صديقاتي وأصدقائي باللوحتين المرفقتين مع المنشور. إمعنوا نظركم في كل لوحة على حدة لفترة قصيرة. اغمضوها لدقائق واكتشفوا بأنفسكم ولأنفسكم حجم المتعة المتولدة من الإحساس بالجمال!
اللوحتان لشابتين بعمر الزهور من البصرة ـ نور نذير المظفر وألق بشير المظفر. براعم تنمو وتكبر رغم أنف الانحطاط الاجتماعي المفروض على شعب العراق. براعم تعطينا الامل وتمنحنا الثقة أن نتحدث عن مستقبل جميل مثلما نتحدث بفخر يوميا عن ذلك الزمن الجميل!

 
‎2019-‎06-‎27