من البحرين للبحر المتوسط…هل يغرقوا فلسطين؟
التوسيع المطلق للحرب
عادل سمارة
  ربما ليس صدفة تزامن هندسة امريكا لمؤتمرين ضد فلسطين والعروبة طبعاً أحدهما في المنامة والآخر في الكيان الصهيوني في فلسطين وضد فلسطين، هذا رغم الحديث عن أن مؤتمر الكيان كان قد اقترحه نتنياهو على بوتين في شباط الماضي.
ليس من قبيل التجني أن نقول بأن  المؤتمرين يكمل واحدهما الآخر في كونهما بهدف تصفية القضية الفلسطينية، كل واحد منهما بادوات تخصه أو يتميز بها أو لنقل “تقسيم عمل”. هذا إلى جانب ما يدور من حروب في الوطن العربي باسره سواء حروب الحكام ضد الشعب بالقمع أو بالتبعية والسوق المفتوح وقتل التنمية أو بحروب الإرهابيين، أو بالعدوان المباشر ضد هذا القطر أو ذاك. بكلام آخر، فإن المشهد في الوطن العربي هو حرب تتسع إلى مداها الأقصى.
يقوم مؤتمر البحرين على أنظمة حكم عربية تستمد بقائها من ارتباطها بالعدو الأمريكي ومن قمع الشارع و/أو تضليله وأخذه إلى مناحي الدين السياسي أي الإرهاب المخصص لقتال إبادي داخل المجتمع العربي وبيد بعضه ضد الأكثرية الساحقة، وعلى لجم معظم الفلسطينيين سواء بالريع المالي أو بالارتباط الإيديولوجي. والجوهر المعلن لهذا المؤتمر هو تحقير القضية الفلسطينية بحيث تبدو مسألة مالية، وهذا ينسجم تماما مع اتفاقات اوسلو-ستان التي هي: ريع مالي مقابل تمرير مشروع سياسي تصفوي. ولعل المفارقة القصوى في الحضور هو الحضور الأردني الذي تعني صفقة القرن تصفية البلد وخلط الأردني بالفلسطيني كي ينشغل متطرفوا الطرفين في حرب أهلية تعلو وتهبط، والمهم إنشغال دائم في صراع مجاني اهلي بينما الهدف الأخير صهينة وطن الطرفين .
تنزُّ من العنوان المالي لهذا المؤتمر رائحة صهيونية بامتياز. وحده الكيان الصهيوني في التاريخ الذي بادل الدم والجثث بالمال، بغض النظر عن عدد من قتلتهم النازية وطريقة القتل. هذا ما تؤكده المدفوعات الألمانية للكيان على مدار سبعة عقود وصل تقديرها إلى 85 مليار دولار حتى عام 2010. ولعل نقطة المشابهة، غير المعلنة، في هذا الأمر هي أن ألمانيا تدفع لليهود ثمن وطنهم الحقيقي اي ولاية بافاريا في المانيا حتى وهم لا يطالبون بالعودة إلى هناك. ولكن من يدري، فتغير الظروف العربية قد توصل كثيرين منهم إلى قرار العودة. هذا ما تؤكده أشكال الرحيل عن فلسطين بين أزمة وأخرى. لكن المهم هنا أن مؤتَمِرِي البحرين ينسخون التعويضات الألمانية لليهود والتي يقبلونها بشغف، ليطبقوها على الشعب العربي الفلسطيني قسرا وخيانة. والمثير في الأمر حد التقزز، أن من سيدفع، إذا نجحت المؤامرة العلنية، هم هؤلاء العرب لا الكيان ولا الأمريكان، أي الأنظمة النفطية العربية! وكما يتضح لن يضطر ترامب للقول لهذه الدُمى: إدفع يا ملك. King… pay, you have to pay  بينما الملك الذي يقطع عنق من لا يؤلهه لا يجرؤ على التنفس أمام إذلال ترامبو له، ومع ذلك يواصل نفش ريشه بعد!
ويصبح المشهد أكثر كاريكاتورية حين نجد أن الأنظمة العربية التي لجأ إليها الفلسطينيون تفتح معدتها لسرقة  الأموال المسمومة هذه بحجة انها “استضافت” بعض الشعب الفلسطيني المشرد! وبهذا ينحط هؤلاء إلى ما هو أدنى من قبض الصهاينة ثمن دم المحرقة، فهؤلاء الحكام يقبضون سُحتاً لم يكلفهم شيئاً! وحيث يقبضون ثمن استضافة الشعب العربي لبعضه البعض، هم إنما يقودهم التساوق مع إيديولوجيا سايكس- بيكو بمعنى أن لا رابط قومي بين قطر عربي وآخر وهو أمر يرفع تراجيدا التجزئة إلى درجتها القصوى.
على اية حال، فالحضور العربي في مؤتمر البحرين هو حضور من يحتفل ببيع ما لا يُباع!
ويبدو أن السيد الأمريكي قد قرر تخفيف الإهانة بعض الشيىء عن هؤلاء حين لم يدعُ الصهاينة رسميا، بل ماليا وهي خطوة للتغطية على الفشل السياسي للمؤتمر وإشهاره كما لو كان مجرد مزاد مالي. إن حصر الصهيوني، إن صح ذلك، في القطاع الخاص هو تغطية على ما لا يُغطى.
في المقلب الآخر لا يقل الأمر خطورة حيث  يغيب العرب تماماً وكأنهم ليسوا موجودين في مؤتمر في أرض العرب يستهدف الأمة العربية بأجمعها، ونقصد هنا غياب الأنظمة العربية التابعة والمطبعة، اي أن سادتها قد وضعوها في حالة نكرة! . مؤتمر يجعل من الكيان الصهيوني مندمج اندماجا مهيمنا في الوطن العربي بل ممثل للأنظمة العربية ما خلا عرب المقاومة.
يقوم مؤتمر الكيان على التفضُّل بسماح امريكي صهيوني لروسيا بدور في تصفية القضية الفلسطينية طبقا للشروط الصهيمريكية. ويكون ثمن الإذن لروسيا بشرط تعهدات روسية  ربما هي:
1-   اختيار روسي لتركيا بدل إيران مع أن روسيا تعلم أن تركيا لن تغادر الحضن الأمريكي لكن روسيا تطمح في مد خط النفط وبيع الأسلحة لتركيا. كما ستبحث روسيا عن صفقة تقوي النفوذ الاستعماري لعدونا التركي ضد أجزاء من سوريا تتراوح بين لجم العملاء الكر-صهاينة وبين زج نفوذ تركي في سوريا بما في ذلك تسهيل مشاركة قوى الدين السياسي في السلطة في سوريا.
2-   تسهيل روسي لخروج الخبراء الإيرانيين من سوريا عبر الضغط على سوريا مما يعني أن روسيا لم تغير سياسة الاتحاد السوفييتي تجاه الكيان بمعنى بقائه بل والحفاظ عليه، وهو موقف يناقض الموقف السوري مما يقتضي من روسيا كبح الموقف والقوة السورية.
3-   لن تقف روسيا ضد بقاء سوريا، ولكنها ستقف ضد الموقف السوري العروبي من فلسطين، وكأنها تقول، حين تتخلص سوريا من أعدائها العرب سنرفع لها قبعة لينين.
4-   الموقف الروسي عمليا في خدمة الكيان الصهيوني من حيث لجم الدور العروبي لسوريا لأن ما يقلق الكيان هو البعد العروبي بلا مواربة، وهذا ما يجدر شرحه كثيرا ومطولا ومفصلا للكثير من العرب الذين يُعادون العروبة سواء بإيديولوجيا الدين السياسي أو إيديولوجيا ماركسية عاجزة عمياء، أو إيديولوجيا اللبرالية الغربية، وما بعد الحداثة، والتروتسكية، وحتى إيديولوجيا رفض العروبة من مدخل فصل سوريا عن كل العرب من  صنعاء وحتى شنقيط!  طريف ان نذكر أن احد هؤلاء رثى بحرقة الوحش الأبيض جون ماكين! لا شك أن سعادة يتوجع في ضريحه.
5-   تعلم روسيا كما امريكا أن وحدة عربية تعني ضعف التاثير الروسي حيث ستكون العلاقة ندِّية.
6-   روسيا ليست ندا لأمريكا، لا من حيث القوة ولا من حيث التماسك الداخلي، ففي حزب بوتين قطاع عريض يطالب بالانضمام للغرب، وبالطبع هو صهيوني، ناهيك عن السيطرة اليهودية على معظم كبار المصارف الروسية. وموقف روسيا من تدمير ليبيا واغتيال القذافي شاهد واضح.
ولتوضيح ما نقول، فلننظر إلى علاقة روسيا مع الكيان الصهيوني مقابل علاقة امريكا مع سوريا.فمن يقرأ سياسة بوتين تجاه الكيان يشعر بأن بوتين يسابق ترامب تجاه الكيان ، وفي حين تقدم امريكا للكيان آخر ما انتجت من أسلحة، لا تقدم روسيا لسوريا اس 400 وتلجم استخدام اس 300، هذا مع أن امريكا تقود حرب تدمير سوريا حليفة روسيا!
صحيح ان روسيا اضعف من أن تواجه أمريكا، ولا نطالبها بذلك، ولا نطالبها بالقتال نيابة عنا، ولكن سياسة روسيا تجاه الكيان تثير الشك من جهة، وتُشعرنا بالإهانة من جهة ثانية. وبالطبع، كل هذا لا يدفعنا للقطيعة مع روسيا ولكنه يدفع بقوة لوجوب  الشغل  عروبياً.
هل الدور الروسي إمبريالي؟ هذا من فائض الكلام، فالإمبريالية لا تكون من طرف واحد بل من طرفين، ومن الطبيعي أن تتحول روسيا إلى إمبريالية، وهذا ما كتبناه منذ سنوات، لكن العرب المعادين للعروبة هم الذين يقومون بنزع قطعة قطعة لإغراء الروسي بالانتقال سريعا إلى إمبريالية.
خلاصة القول إذن هي العودة إلى السؤال المركزي وهو، ايا كان الحلفاء أو الأصدقاء، فإن العامل الحاسم هو الوضع العربي نفسه. ومن هنا خطورة كل عربي يتمسك بالدين السياسي كإيديولوجيا وبالطائفية والقطرية وبالارتباط بالإمبريالية سواء في الاقتصاد أو الثقافة او السياسة  ضد العروبة.
عن نشرة كنعان
  ‎2019-‎06-‎25