“جرأة الدفاع الشرعيّ الإيراني أضعفت جرأة الهجوم العدوانيّ لأميركا “
الدكتور رائد المصري
بهدوء… فما قامت به أميركا ترامب مؤخراً عبر إرسالها طائرة تجسّس هو اعتداء فاضح على سيادة دولة حرّة مستقلة في قراِرها السياسيّ والأمنيّ والاقتصادي. وما فعله الإيرانيّون هو حقّ شرعي ومقدّس في الدفاع عن النّفس، وعن هذه السيادة مضمون ومدرج في القوانين القائمة للشرعية الدولية والأمم المتحدة، فلا منّة لأحد في المغالاة والتوصيف والتحليل وكفى مزاحاً ودلالاً…
هي حقيقة صعبة على البعض ربّما وخاصة من بعض العرب في فتح مجالس العزاء جراء كسر الإرادة الأميركية وصلفها وتعدياتها الدائمة على سيادة وشعوب البلدان الحرّة، لكن عليهم التعوّد من الآن وصاعداً. فهناك نغمة جديدة سيتمّ عزف ألحانها من دون الطرب الخليجي بحقّ الكيان الصهيوني الغاصب والإدارة الأميركية المهزومة عنوانها حق الدفاع المشروع عن النفس وإعادة الحقوق لأصحابها: ونقصد هنا بالطبع فلسطين السّليبة وكلّ الأرض العربية المحتلة..
لا تفركوا أيّها المتخاذلون كثيراً في أياديكم، الآن عرفنا لماذا وقفتم ضدّ سورية وقيادتها الصّلبة وجيشها في مواجهة المستعمرين، وطلبتم من كلّ جيوش العالم التكفيرية والنّظامية، أن تدخل دمشق فاتحة لإسقاطها.. كلا ولم تسقط ولن تسقط. فهذا هو المنطق الطبيعي نتيجة ثبات الموقف والتصدّي دفاعاً عن كرامة الشعوب وحقّها في العيش الحر…
بالحرف والاسم وبالمعادلة الحسابيّة والرقميّة بلا أوهام أو شعارات، وأنّك تستطيع كعربيّ حرّ مقاوم أن تتفاخر وتبني على معطيات علمية جرت أمامك بالورقة والقلم: فقد خسرت أميركا بقيادة ترامب أوراقها التقسيميّة في منطقة الشرق الأوسط نتيجة الصّمود السوري للدولة والصّمود العراقي وبناء تكامل بات واضح المعالم بين الدول الرافضة لسياسات المستعمر الأميركي وربيبه الإسرائيلي، وانتقلت ردود الفعل الهستيريّة الى داخل هذه الدول وأدواتها الوظيفيّة، ما يعني فشلاً تاماً في السيطرة والاستحواذ والتقسيم..
خسرت أميركا بقيادة ترامب كلّ مشاريعها الاستراتيجية التي بنتها مؤسساتها الكلاسيكية في النّهب المنظّم لثروات الشعوب ومقدراتها. فالعقوبات الدائمة على كوريا الشمالية أنتجت فشلاً ومحاولة إيجاد فرصة للتفاوض بين أميركا وبيونغ يانغ أنتجت فشلاً أكبر، وخرج كيم جون أونغ أكثر حرية وصلابة في ممارسة حقوقه المشروعة في الحفاظ على سيادة دولته وقرارها السياسي وعلاقاتها مع جيرانها.
خسرت أميركا ترامب حربها المفتوحة والمفضوحة على نظام سياسي شرعي في فنزويلا، حيث أحيطت كاركاس بسياج دولي حام منجزاتها الوطنية ومنع الاختراق الخارجي الأميركي الاستعماري الذي تسلّحت به عبر الأدوات الداخلية والمأجورين، وتحصّنت بصلابة الجيش والأحرار من الشعب الفنزويلي، فضاعت خطط ترامب التي رسمتها ذئابه المنفردة في الإدارة الأميركية كأليوت أبرامز وجون بولتون… فهل هناك من هو قادر أن ينفي هذه الحقائق؟
خسرت أميركا ترامب كلّ منجزاتها التاريخية المتراكمة رغم تواضع نتائجها في فرض الحصار والعقوبات على إيران، وصارت محكومة بالفعل للعودة إلى منطق التفاوض والاعتراف والتنازل من أجل لمّ شمل ما تبقى من تحالفاتها المهزومة والمنكسرة في الشرق الأوسط، فهي في واقع مأزوم أمام مجريات اعتداءاتها على الجمهورية الإسلامية في إيران: لأنّها غير قادرة على الردّ والانزلاق في ردود واستهدافات تضرّ بمصالحها أو بما تبقّى لها من مصالح وارتباطات. وترامب يريد التحضير لإعادة انتخابه رئيساً في 2020، والمدى الزمني للردّ على إسقاط طائرته بعيد وغير مجد في تسويق انتخابه، وكذا انتظاره للردّ على إيران أشهراً يعدّ هزيمة، فاستبق وأعلن وقطع أيّ شكّ بالحرب في الخليج ومع إيران… لكن احتمالات التوتّر تبقى في ظلّ عناصر عنصرية راديكالية في إدارته..
يجب أن يعلم العالم أنّ كلّ ما يسوّق له من صفقة القرن أو مشروع التصفية للقضية الفلسطينية التي يرسمها صبيّ العرب وصبيّ إدارة ترامب جاريد كوشنر قد انتهى، والسبب بسيط بالدلالة العلمية: بأنّ أيّ تمرير لأيّ صفقة أو مشروع يجب أن يترافق مع حرب أو شنّ الحروب لتمرير هذا المشروع، وقد وفّر وتوفّر للجميع من أمراء الحرب العرب وصقور الجمهوريين وما تبقى من المحافظين الجدد ألف سبب وسبب لإشعالها ولم يقدروا ولن يقدروا لأنّ جرأة الدفاع الشرعي عن النفس والسيادة لإيران قد أضعفت بثباتها جرأة الهجوم العدواني الذي تعوّدت عليه أميركا وشكلت أنموذجاً يحتذى للعالم الحر.
أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
‎2019-‎06-‎24