صهاينة العرب (أو العَدُو الداخلي) – تطبيع جَماعي ومجاني
الطاهر المعز ​​
مقدّمة:
نَقَلَتْ صُحُفٌ عربية وأجنبية، سنة 2015، بيانات عن مجلة “فوربس” التي تُتابع أخبار أثْرَى أثْرِياء العالم، ومن ضمن ما أورَدَتْهُ إن خمسين من الأثرياء العرب يمتلكون ثروة بقيمة ثلاثمائة مليار دولارا، فيما أَوْرَدَ تقرير أعدّهُ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، سنة 2015 أيضًا، أرقامًا وبيانات عن مستوى الفقر والبطالة في البلدان العربية حيث ذكر التقرير أنّ نحو 40 % من السّكّان (قرابة مئة وأربعين مليون نسمة) يعيشون في حالة فَقْر، أو تحت ما يُسمّى “خطّ الفقر الأعلى” (أقل من أربعة دولارات يوميًّا للفرد)، وأن نسبة بطالة الشباب تتراوح بين 25 % و 30 %، مما يُشكّل تناقُضًا بين مستوى ثَراء الاغنياء، ومستوى الفقر والبطالة، وهو الأعْلى في العالم، بحسب تقسيم العالم على ست مناطق رئيسية…
يبدو إن الحُكّام العرب لا يُعِيرُون أية أهمّية لمثل هذه البيانات التي تُظْهِرُ التناقض الحاد بين الطّبقات، وتُظْهِر درجة الضّغط الإقتصادي على شرائح واسعة من المجتمع، هذا الضّغط الذي ينفجر من حين لآخر في معظم البلدان العربية، فَيُجابه بالقمع، بدعم من حُكومات “المَرْكَز” (مركز الرأسمالية ومركز القرار في العالم)، وعندما يبلغ القمع حُدُودَهُ (إن كانت له حُدُود)، يقع الإلتفاف على انتفاضة الفُقراء ومطالبهم، سواء من قِبَل قوى الدّين السياسي، أو من قِبَل الجيش، بالتحالف مع البرجوازيات المحلية، التي تُمثّل مصالح الشركات والقوى الأجنبية، في معظمها، كما حصل في تونس وفي مصر، وما يحصل حاليا في الجزائر والسّودان…
حُكّام في خدمة الصهيونية والإمبريالية:
تتمحور اهتمامات آل سعود و”شُيُوخ” الإمارات في إبادة شعب اليمن، وليبيا وسوريا (رغم التراجع التكتيكي الحالي) والعراق وغيرها، وخصوصًا إخضاع الشعب الفلسطيني، وشَطْب حق العودة، وتحقيق المشروع الصهيوني، بدرجة تفوق توقّعات الزُّعماء الصهاينة، ولئن كان التحالف العربي (الرّسْمي أو الحكومي) مُتَسَتِّرًا في بداياته (“وإن عصيتم فاستتروا”)، فقد أصبح عَلَنِيًّا، وأصبح المُحْتلُّون الصّهاينة أصدقاء لآل زايد وراشد، ولآل سعود، ليتحالف الجميع “يهودًا” و “مُسلِمين” (بإشراف “مسيحي” بروتستنتي أمريكي)، ضد الشعوب الإيرانية “المُسْلِمَة”…      
قَرأتُ، ضِمْنَ مُلَخّص يومي لمحتوى الصّحف الصهيونية، ما ورَدَ في صحيفة “هآرتس” يوم الخميس 06 حزيران/يونيو 2019، بشأن “التّعاون العربي الإسرائيلي في مجال حماية البيئة”، واكتشفْتُ إن آل سعود (وغيرهم) يتعاونون مع هيئات رسْمية صهيونية، بذريعة “حماية البيئة، وإنقاذ الشِّعاب المَرْجانِيّة في البحر الأحْمر”، وتذكّرتُ إنني قرأت خبرًا مُشابهًا، قبل فترة قصيرة، في مُلخّص لمحتوى الصحف الأمريكية، وعند مُراجعة المواقع الفلسطينية التي تنشر هذه المواد المُتَرْجَمة، اكتشَفْتُ أن سويسرا “المُحايدة” (يُشارك اليمين المتطرف في حكومة سويسرا الإتحادية، بوزارات ومواقع “سيادية” ) تَضُمُّ مؤسّسة للبحث العلمي، تُنسّق العَمل بين الباحثين الصهاينة والسعوديين والسودانيين، فضلا عن المصريين والأردنيين، الذين طَبّعت الأنظمة التي تَحْكُمُهُم علاقاتها مع الكيان الصهيوني، منذ عُقُود، تحت عنوان “التنسيق الإقليمي وتبادل الخِبرات، لإنقاذ الشعاب المرجانية في البحر الأحمر”، بمشاركة هيئات بحثية رسمية صهيونية ومحطّة الأبحاث الأردنية (العقبة)، و “جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا” (السعودية)…
تَطَوّرت هذه العلاقات، على ظَهْر وأكتاف وأعناق الشعب الفلسطيني، وخاصة منذ توقيع قيادات منظمة التحرير ما عُرِفَ ب”اتفاقيات أوسلو”، وأصبح “الأمن الفلسطيني” يتكفل بمهمة “وقاية” المُسْتَوْطِنِين من كافة أشكال المقاومة، من التعبير بالكتابة والتظاهر، إلى المقاومة المُسلّحة، وفي ظل هذا الإنبطاح الرّسمي الفلسطيني والعربي، طبّعت الدول الإفريقية علاقاتها مع الكيان الصهيوني، وتطورت علاقات الصين وروسيا مع الكيان الصهيوني، لتصبح علاقات ذات صبغة استراتيجية، وقد يَسْتقل الكيان الصهيوني اقتصاديا وسياسيا عن الولايات المتحدة وأوروبا (خصوصًا ألمانيا )، عند الضرورة، بسبب نهب الغاز الفلسطيني، وبيعه إلى الأردن ومصر، وإلى أوروبا، خلال السنوات القادمة…
إن الزيارات المتكررة بين أفراد الأسر الحاكمة في الخليج ورموز الكيان الصهيوني، ورفع العلم الصهيوني (مع نشيده العنصري) في المنامة وفي الدوحة وفي دُبَيْ وفي مَسْقَط، ناهيك عن العلاقات الأمنية والعسكرية والإقتصادية، يعني تَرْك الشعب الفلسطيني لوحده، في مجابهة الآلة العُدوانية الأمريكية والصهيونية، وإطلاق يد الصهاينة في فلسطين، وما حولها (سوريا ولبنان…)، لتصبح إقامة العلاقات الدبلوماسية العلنية، مَسْأَلَة شكْلِيّة…
هيمنة صهيونية – أمريكية متعددة الأشكال:
أصبحت مَشْيَخات الرّيع، مثل قَطَر أو الإمارات، تحتل مكانة تفوق حَجْمها بكثيرٍ، وتلعب دَوْرًا تخرِيبِيًّا يفوق حجمها الصغير جدًّا، فهي ليست متطورة علمِيًّا، ولا تصنع شيئًا، ويقتصر دورها، دوليا، على الإنفاق وعلى تنفيذ المخططات الأمريكية، في بلاد العرب حَصْرًا، منذ أكثر من 15 سنة، بعدما مولت ودعمت مخططات أمريكا في أفغانستان وفي الإتحاد السوفييتي، قبل انهياره، وأصبح الجيش الصهيوني يُدَرِّبُ ضباط الإمارات (الذين يقودون جيشًا من المرتزقة)، ويُزود الإمارات بالسلاح (أمريكي المَنْشَأ )، ويشارك جيش الإمارات وطائراته في تدريبات مع الكيان الصهيوني ومع الجيش الأمريكي، وجيوش الحلف الأطلسي، لتحسين أدائه، وتخريب ليبيا واليمن وغيرهما، وكتبت صحيفة “نيويورك تايمز”، في بداية حزيران 2019، أخبارًا عن تطور العلاقات الإماراتية الصهيونية، منذ أكثر من عشر سنوات (منذ اغتيال قيادي في “حماس” من قِبل المخابرالت الصهيونية، في دُبي؟ )، وعن بيع الكيان الصهيوني سلاحًا وعتادًا حربيا للإمارات، مع توقيع عقد صيانة طائرات “إف 16” الأمريكية، بتفويض أمريكي، ووقعت شركة صهيونية (يرأسها ضابط “سابق” في المخابرات الصهيونية)، منذ حوالي عشر سنوات، عُقودًا ضخمة، ل”حماية المطارات ومنشآت النّفط وتجهيز قوات الشرطة” في الإمارات…
أصبحت بعض الأنظمة العربية أكثر جرأة من ذي قبل، وتدعو في إعلامها الرسمي إلى التطبيع، وفي مقدمتها مصر والأردن (التي وقعت اتفاقيات تطبيع رسمية) ثم الإمارات والسعودية والبحرين وقَطَر والمغرب، وأصبحت قوى أخرى في تونس والجزائر ولبنان، تدعو، بشكل علني، إلى التطبيع، بدعم من الإتحاد الأوروبي ومن الولايات المتحدة، وارتفع عدد الزيارات التطبيعية، خلافًا لقوانين بعض الدول، مثل لبنان، لكن هؤلاء المُطبِّعِين يتمتعون بحصانة، وبدعم أجنبي، ويرأس بعضهم منظمات “غير حكومية”، مُموّلة أجنبيًّا، وتتكفل بالجبهة الإيديولوجية لغسيل الأدمغة، ويحمل عدد من هؤلاء المطبّعين جنسيات أوروبية أو أمريكية (كما هو الحال للعديد من وزراء الحكومات العربية )، أو يتمتعون بحماية السفارات الأجنبية والمراكز “الثقافية” الأجنبية في بلادهم…
 الحلقة المفقودة:
إن سبب جَرْأة الأنظمة العربية (إن جاز إطلاق صفة العروبة على هؤلاء الحُكّام ) يكمن في تراجع جبهة الثورة والمقاومة، وكل تراجع يُتَرْجَمُ إلى قُوّةٍ في الجانب المقابل، أي العدو الثّلاثي الأضلاع، المتشكل من الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، لذا فإن الحلقة المفقودة التي وجب إعادتها إلى السِّلْسِلة، هي المقاومة بكافة أشكالها، من الإحتجاج بالكلمة والتظاهر إلى الكفاح المُسلّح، لكي لا يشعر المستوطنون بالراحة والإطمئنان، ولكي لا يُغامر الرأسماليون (المستثمرون) والسائحون بالسفر إلى فلسطين…
إن أضعفَ الإيمان، في الظّرف الحالي، المتسم بالتراجع، يتمثل في نَشْرِ “ثقافة المُقاومة”، والمقاطعة، إذ لا يمكن إجبار أحد على استهلاك البضائع أو الثقافة الأمريكية والأوروبية والصهيونية…           
  ‎2019-‎06-‎11