جار الله عمر أيقونة الوفاق ورمز المواطنة المتساوية
بقلم الدكتور /عبد العزيز المقالح
“كلما تذكرته يعصرني الأسى وتوشك قطرات من الدمع الساخن تفر تلقائياً من العين”
————————-
تسع عشر عاماً من الحزن الصامت والمتفجر مرت منذ رحل المناضل والإنسان المتهم بهندسة الوفاق في بلد عانى الكثير من الخلافات والانشقاقات حتى في أوساط الأخوة الرفاق أبناء المدرسة الفكرية الواحدة.
ولا أدّعي أنني الوحيد الذي كلما تذكرته يعصرني الأسى وتوشك قطرات من الدمع الساخن تفر تلقائياً من العين، المئات ولا أبالغ إذا قلت الملايين ممن عرفوا الشهيد جار الله وتابعوا مواقفه تعتريهم حالة الكآبة نفسها ويدركون أن رحيله المفاجئ قد شكّل خسارة فادحة على الوطن وظهر بوضوح الفراغ الذي تركه غيابه ثقيلاً ومخيفاً ومثيراً للقلق حتى في أوساط من كانوا لا يطيقونه ولا يتورعون في إعلان أنهم خصومه ولا يرغبون في وجوده،
وقد حصل هذا التطور الجديد إدراكاً منهم أو من بعضهم أنه كان بوعيه وعقلانيته وتسامحه صمام أمان حقيقي لمن يتفقون معه ولمن يخالفونه على حد سواء.
كما كان شديد الإيمان بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه على اختلاف توجهاتهم السياسية والفكرية، وظهر في أكثر من موقف حريصاً أشد ما يكون الحرص على أن لا تتحول الخلافات إلى منازعات وحروب صغيرة أو كبيرة توقف تقدم الوطن وتهدد استقراره.
عندما عرفته لأول مرة في بداية الستينيات من القرن الماضي، وهو طالب في المدرسة العلمية وجدت شاباً طموحاً يحلم بالوطن العربي الكبير السائر على طريق العدالة والحرية والمساواة. وبعد ذلك أو بعبارة أوضح، عندما تضاءلت الأحلام القومية ودخلت الأمة العربية في ليل الخلافات والتناقضات لم يفقد ذلك الشاب الطموح الأمل في أن ذلك الحلم الكبير سيتحقق ولو بعد حين لكن جهده اقتصر وتمحور في محيط بناء اليمن الواحد لكي يكون النموذج المتقدم اجتماعياً وسياسياً لبقية الأقطار العربية التي أنهكتها الخلافات والتناقضات بين الحكام، وفي تواضع الرجال العظام انخرط جار الله عمر في العمل الوطني بقلب مفتوح وعقل أكثر انفتاحاً.
كان جار الله عمر من قادة الحزب الاشتراكي، بل كان من أبرز قادته وصانعي توجهاته، لكنه لم يكن يفهم الحزبية على النحو الذي يفهمها بعض المتحزبين المنغلقين على ذواتهم وأحزابهم، وكان ولاؤه للوطن أكبر من ولائه للحزب، انطلاقاً من مبدأ يرى أنك بقدر ما تكون مخلصاً للوطن تكون مخلصاً للحزب.
لأن الأحزاب تتأسس لخدمة الوطن ولم يتكون الوطن لخدمة الأحزاب. وبذلك تميزت مواقفه عن كثيرين داخل الحزب الاشتراكي وخارجه. كما كان وحدوياً حتى العظم مؤمناً بأن الوحدة بناء ونقيض للتشرذم والتجزئة والتقسيمات الطائفية والمناطقية والمذهبية.
والوحدة التي آمن بها جار الله وعمل من أجل تحقيقها تقوم على التعددية والعدالة والديمقراطية وتداول السلطة والمساواة المطلقة بين المواطنين بوصفهم أبناء وطن واحد لا يحتمل الظلم ولا يرضى التفاوت بين أبنائه.
واعترف أن جار الله هو أول سياسي يمني سمعته بعد استقلال جنوب الوطن يدين قيام سلطتين سياسيتين في بلد واحد، ولم يكن يطيق وجود سفارتين يمنيتين في دولة عربية أو أجنبية، كما حدثني ونحن في مصر أنه لا يطيق رؤية علمين يرفرفان على مباني سفارتي الوطن في القاهرة.
وقد بقي على عهده وحدوياً مخلصاً لوطنه إلى آخر لحظة من لحظات حياته وأمضى السنوات الأخيرة من حياته في توحيد الصفوف ولملمة شعث القوى الوطنية، والمنظمات السياسية لمواجهة كل الاحتمالات وتصحيح مسار الوحدة سلمياً، عن طريق الضغوط المعنوية والتكتلات النوعية، حتى لا يجد أعداء الوحدة ودعاة التمزق من الأسباب والاختلالات، ما يمكنهم من تأجيج مشاعر الساخطين والعزف على وتر التسلط والإلحاق وما شابه تلك التعابير التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.
وأزعم أن جهده بعد تأسيس اللقاء المشترك كان قد وصل إلى مشارف الطريق المنشود، فقد استمر ذلك اللقاء ناشطاً فاعلاً بعد رحيله. وقد أثبت بذلك المنجز الوفاقي أن تفكيره العميق كان يتحرك في حدود الواقع لا في حدود الخيال.
باختصار شديد: جار الله عمر قائد وطني من طراز فريد، أهم صفاته التواضع ونكران الذات، والابتعاد عن مصادر الضوء التي كثيراً ما أعمت عدداً من القادة وحولتهم إلى أصنام يتعبدون فيها ذواتهم، ويفرضون هذه العبادة الزائفة على غيرهم.
كان نموذجاً فريداً في نضالاته السرية والعلنية، وإنساناً في صداقته وخصومته، يحب الناس جميعاً، دون استثناء، يشفق على خصومه، ويرحم منافسيه، ولا يذكر أحداً بسوء، حتى لو توغل أحدهم في الحقد عليه، والمبالغة في التجني على مواقفه.
من وصايا جار الله المكتوبة وغير المكتوبة، والتي لن يمحوها الزمان وتحولاته، وأجزم أننا أحوج ما نكون إليها الآن في هذه الأجواء الملبدة بالغيوم السوداء منها:
• المجد لمن يرفع راية التسامح ويتغلب على شهوة الحقد والانتقام.
• لا أعداء للمناضل الشريف إلاَّ نفسه الأمارة بالتفرد والراغبة في التسلط.
• ولدتُ في واحد من أكثر جبال اليمن ارتفاعاً ومع ذلك فقد ظل قلبي معلقاً بالشواطئ والسهول.
‎2019-‎06-‎11