• التنافس الدبلوماسي في عملية السلام بالشرق الأوسط

  • رنا العفيف

  • من أين يبدأ السلام؟، هل من مدريد على ما كان سابقا، أم من القضية الفلسطينية في الحاضر؟، كيف يكون سلام في المنطقة وأطماع الصهاينة لم تُحدد بعد، إذ أنهم ما زالوا يتحدثون عن حدودهم، فهذا يُشير إلى أن الصهاينة ماضون في سياستهم المعادية لأي جهد يخدم مشروع السلام على الأساس العادل والشامل، بل وتجاوزوا هذه السياسة و واصلوا القتل والقمع والإرهاب، حتى تفريغ الأراضي العربية المحتلة من سكانها الأصليين لتوطين اليهود المهاجرين في الأراضي التي يُطرد منها أصحابها الحقيقيون، ولتنشئ المستعمرات الكبيرة فيها، وبذلك تُغير معالم تلك القرى العربية، ومن ثم تغيير نوعية السكان فيها.

  • عندما قال المناضل حافظ الأسد “ها هي الهجرة اليهودية الجديدة المكثفة إلى فلسطين…هل كنا نتوقعها” ، بمعنى آخر؛ أي حرية للهجرة تلك التي يتحدثون عنها، ألا ترون أن كلمة الحرية هنا تعني العدوان تماماً، لأن حرية الهجرة هنا تعني حرية احتلال أرض الآخرين، وإخراجهم من ديارهم، خاصة أن هذا المهاجر لم يأتي لضرورات العمل أو ضرورات العيش، بل هاجر لأنه يُؤمن أنه عائد إلى وطن أجداده والذي اختصهم به الله، وهو ملك لهم ولأحفادهم فهو عائد ليمتلك هذا البلد.

  • هنا نشير إلى أن الحق يعني الباطل تماماً، لأن حق الهجرة يعني تماما ما تعنيه حرية الهجرة، إنه حق احتلال أراضي الآخرين وطردهم من بيوتهم وبلادهم، هنا لا يهاجر بدافع حق الإنسان في الهجرة، بل تمسكاً بحقه في وطنه، والذي عليه أن يعود إليه ومازالت سياسة الصهاينة الاستيطانية منذ كان طالبا، وبذلك فقد عاش هذه المرحلة بل المراحل التي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا ويعايشها، لذا أحاطت الأمة العربية بوعيٍ مدرك لما يجري وما سيجري، لم يكن من الصعب على (المناضل حافظ الأسد)أن يجد البراهين والأدلة ليدحض ادعاءات الصهيونية ومزاعمها بجلب المزيد من اليهود وتوطينهم في فلسطين المحتلة، فكانت رؤيته السياسية واضحة المعالم من ناحية الخبرة في أبعاد اللعبة السياسية الصهيونية الإمبريالية.

  • لاشك أن الولايات المتحدة احتضنت الدور الأساسي في تنفيذ الرغبات الإسرائيلية بتأمين كل المتلازمات الممكنة لتحقيق هجرة اليهود السوفييت، كما أنها بذلت الجهود المكثفة من أجل هجرة اليهود من الاتحاد السوفيتي، وليست المرة الأولى والاخيرة من التاريخ العربي و الأمريكي الذي يحسم هذه المسائل، من هنا استشفينا بأن لا مصداقية للولايات المتحدة إلا بحجم مصالحها، لذلك نجد بعض المحللين اليوم يعتقدون بأن وجود القانون الدولي وهيمنة الأمم المتحدة قد يُشكل عقبة أمام أمريكا، مما جعلها تتجاوز الأمم المتحدة ومحاولة إلغائها، كما أنها سيطرت على مجلس الأمن وجعلت منه لعبة بين يديها ودائرة من دوائرها، لتُصيغ قراراتها كما تريد، أما من الناحية الجيوسياسية تبقى هناك نظرة سباقة تهيمن على فكر الإدارة الأمريكية تجاه العراق، والتي تنبع من الرغبة في بسط الهيمنة العالمية، ولا تقتصر على هذا فقط بل للاحتفاظ بقواعد عسكرية حول العالم في أي وقت تريده، هذا إن رأت ضرورة التحكم في مختلف مصادر الموارد الطبيعية وعلى رأسها النفط وخاصة نفط الخليج الذي يتبع للرأسمالية الأمريكية، والسيطرة على النفط الخليجي من حجم مساهمته في الاحتياجات النفطية الأمريكية، بقدر السبيل لجعل الولايات المتحدة (تحتفظ بمفاتيح الطاقة العالمية في يدها وتتحكم في حركة منافسيها العالميين)عن طريق بسط هيمنتها على العالم، لتكتمل مقومات الإمبراطورية الأمريكية المزمع بناؤها في استراتيجيات الطاقة القومية، التي تشير إلى أن هناك قواعد عسكرية وعلى رأسها جميع منافذ نفط العالم بدءً من (كازاخستان وانتهاء بأنغولا في افريقيا)، وهذا ما جعل منها أكبر دولة وأقوى نفوذ في العالم، لتفتح أبواب السياسة التي فُرضت أن تكون في معظم الدول ايجابية، حيث اجتمعت في داخل الوطن العربي، ولكن حرب الخليج التي سبقت مؤتمر السلام أعطت الولايات المتحدة الأمريكية كل منافذ مصالحها لتحمي نفسها، ولو برهنت بعض الشيء عن مصداقيتها تُجاه العرب ليستمر في ذلك في تغطية الكيان الصهيوني، وتأخذ على عاتقها موقف الاعتدال بين الأطراف، ليأتي الموقف السوري الذي جعل العالم يُصحح مفهومه ويدقق معلوماته حول ماهية الإسرائيليين، بعد أن كشفت سورية كل الزيف الذي يختبئ خلفه الحقد الصهيوني الإسرائيلي، وعرت الحقيقة أمام العالم، فـ لقد أظهرت سورية مواقفها وحضورها مؤتمر السلام في مدريد للعالم بطلان المزاعم الإسرائيلية، وأثبتت للعالم أن سورية وبثقلها ودورها السياسي في المنطقة الذي لا غنى عنه، إنما تُريد للمنطقة السلام، وبالفعل تجاوبت سورية بكل نية صادقة مع مبادرة السلام التي أعلنتها الولايات المتحدة القائمة على أساس قرارات الأمم المتحدة، وبموجبها بدأت محادثات السلام في مدريد حيث استؤنفت في واشنطن وكانت استجابتنا لها تأكيداً لموقفنا المستمر والداعي إلى إقامة سلام عادل وشامل في المنطقة، على أساس الشرعية الدولية وقراري مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة(242-338)، إذ كانت الجولات التي تمت في مدريد و واشنطن ليظهر عقمها بسبب تعنت حكام إسرائيل وإصرارهم على وضع العقبات في طريق السلام، وتأكيدهم يوما بعد يوم أن مفهومهم للسلام، أن يوافق العرب على تسليم أراضيهم لإسرائيل، التي اغتصبتها بقوة السلاح، وأن يعتبر العرب احتلال أراضيهم من قبل إسرائيل أمراً مشروعاً وعليهم أن يملكوا إسرائيل هذه الأراضي.

  • كانت وما زالت الأحلام المريضة التي حلم بها الغزاة ويحلمون بها إلى يومنا هذا، دائماً أرض العرب لن تكون إلا للعرب، وعندما تحدثنا عن السلام عرفناه، وعرفنا أن السلام العادل الذي يُنفذ قرارات الأمم المتحدة فـ يعيد الأرض إلى أصحابها، ليصلح السلام للجميع لأننا ننشد للسلام في السلام خيراً لنا ولمنطقتنا، لكننا اليوم نؤكد أن السلام واحتلال الأراضي العربية لا يلتقيان، و سنظل نؤمن بالسلام ونتمسك به على هذا الأساس.

  • المواقف العربية و الدولية من السلام مع اسرائيل

  • لنبدأ بالموقف العربي، والذي اكتنف بجعل العالم يتفهم معنى السلام الذي ينادي العرب به، و يتطلعون إلى تطبيق قرارات هيئة الأمم المتحدة آنذاك، والتي تنص على انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية وتأمين حقوق الشعب الفلسطيني، أما الموقف الإسرائيلي الذي بدأ متصلباً، وكان متشدداً للكيان الصهيوني تجاه عملية السلام، والذي يوحي بأن ليس بنيته تحقيق تقدم في عملية السلام بل يسعى دائماً إلى التوسع والاستيطان، فكان ختام المواقف مع أمريكا، فالموقف الأمريكي كان وما زال ما بين مع وضد السلام، حيث إننا كنا نقترب من أواخر عام “1993” كانت مازالت جولات عملية السلام قائمة وحتى الآن لم يتحدد الموقف الأمريكي من عملية السلام، لا في الماضي ولا في الحاضر، على الرغم أنهم كانوا أصحاب المبادرة والتي أعطت دلالات ومعطيات تدل عكسه تماما خاصة بعد الجولة الأخيرة لرئيس الحكومة الإسرائيلية لواشنطن بعد ما تمت الموافقة الأمريكية الصريحة على منح قروض لإسرائيل، كما أن هذا العمل لا يتماشى مطلقا مع عملية السلام بل يزيد تأزم الأمور.

  • تنافس دبلوماسي جديد يفتح أبواب اللهيب المشتعل على صراعيه، لتنقض الدول في مجمرة الهيمنة الأمريكية، فالمواقف العربية الدولية تتكرر تحت وطأة التنافس الدبلوماسي، وتغيير المعطيات باتجاه القبضة الصهيو امريكية.

  • أما الدور الروسي الدبلوماسي سيكون له استراتيجيات عسكرية لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، فقد سعت إلى بلورة مبادئ بديلة عن المذهب العسكري السوفياتي تهدف إلى استعادة روسيا مكانتها الدولية والإقليمية، وإعادة تشكيل منظومة عالم متعدد الأقطاب، وتُعد العلاقات العربية الروسية من أهم منطلقات السياسة الخارجية الروسية، فبدأت بتحرك في المنطقة العربية بدءا من البعد الاقتصادي، والذي دعمته بالأبعاد السياسية والأمنية والاستخباراتية وحتى الإعلامية، ليظهر موقفها واضحا في كثير من القضايا (سوريا -ايران-ليبيا-تونس)وغيرها من الدول العربية، وكذلك موقفها من الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، كما أن هذه الحرب النفسية التي دُعمت دبلوماسياً كان لها تأثير تكنلوجي في الشرق الأوسط، وبحسب تقديرات اسرائيلية تم الحرص عليها لتتصور بذلك روسيا متزعمة العالم في الشرق الأوسط، وأنها باقية رغم تكتم نواياها تجاه المؤسسات الأوروبية، والتي تعمل بالضغوط عليها لإعادة النظر في الآلية الدبلوماسية، و لتتمكن اسرائيل من دبلوماسيتها نحو هيمنة الطموح الإسرائيلي في العالم العربي.

  • ‎2019-‎06-‎11