المشهد الكردي المضطرب بعد انتخاب البارزاني

عادل الجبوري

كثيرة هي المحطات المفصلية الخلافية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني سواء بزعامته السابقة المتمثلة بالراحل جلال الطالباني، او بزعامته المفقودة والغائبة حاليا وسط الخلافات والتقاطعات الحادة بين رفاق ومريدي وافراد عائلة “مام جلال”.
وكثيرة هي الصدامات السياسية وغير السياسية الحادة، طيلة عقود من الزمن، بين البارتي واليكتي. ولكن يبدو ان الامور تختلف هذه المرة بشكل او بآخر عن كل المرات السابقة، فالخلافات والصدامات والتقاطعات الاخيرة، اشرت بوضوح الى عمق الازمة المحكومة بحسابات المصالح، والممتدة مكانيا من اربيل مرورا بكركوك، وكذلك السليمانية، وصولا الى بغداد، وزمانيا من مشروع الاستفتاء على الانفصال الذي جرى في الخامس والعشرين من شهر ايلول/ سبتمبر من عام 2017، مرورا بظروف وملابسات احكام السلطات الاتحادية سيطرتها على كركوك بعد اخراج الاكراد منها بعد وقت قصير من اجراء الاستفتاء، ومرورا بانتخاب برهم صالح لرئاسة الجمهورية واقصاء مرشح الديمقراطي فؤاد حسين عن المنصب، وصولا الى انتخاب نيجرفان البارزاني لرئاسة الاقليم وسط مقاطعة ورفض الاتحاد الوطني لهذه الخطوة، ومعه الخلاف الخطير على منصب محافظ كركوك.
والحقيقة التي يقر بها ويدركها الاكراد وغير الاكراد، هي ان الصراع بين الحزبين الكرديين الرئيسيين في اقليم كردستان العراق، صراع ازلي لا يمكن له ان ينتهي ويصبح جزءا من الماضي، قد تتقلص وتنحسر مساحاته وميادينه في بعض الاحيان، حينما تقترب -ولانقول تتطابق- المصالح، وفي احيان اخرى تتسع مدياته وتتصاعد مستوياته حينما تتقاطع المصالح بصورة كبيرة وحادة، كما هو حاصل اليوم.
والمعروف ان الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، نجح بعد تمتع الاقليم بقدر غير مسبوق من الاستقلال عن المركز اثر حرب الخليج الثانية عام 1991، في الاستحواذ على عناصر ومقومات القوة الاقتصادية، وبالتالي، تمكن من السيطرة على المفاصل الحيوية، السياسية والامنية والاقتصادية في الاقليم، ونجح في بناء قاعدة جماهيرية واسعة ارتباطا بذلك.
وعلى هذا الاساس من الصعب بمكان تصور او افتراض ان هذا الحزب يمكن ان يتنازل او يتخلى عما حصل عليه، بل ان السياقات المنطقية تقول انه لا بد ان يحاول ويسعى الى توسيع نطاق نفوذه وهيمنته، متسلحا بأرقام انتخابية ومقاعد برلمانية، افرزتها انتخابات الثلاثين من ايلول/ سبتمبر الماضي، لذا ليس غريبا ان يكون منصبا رئاسة الاقليم ورئاسة الحكومة من نصيبه، فضلا عن مواقع اخرى، امنية وسياسية حساسة ومهمة، مثل مستشارية امن اقليم كردستان، ووزارة الثروات الطبيعية.
في مقابل ذلك، يجد الاتحاد الوطني الكردستاني (اليكتي) نفسه مرغما على ان يستقتل من اجل الحفاظ على موقعه التقليدي المتصدر الى جانب غريمه (البارتي)، ولا يستطيع ان يستوعب ويتقبل حقيقة المتغيرات والتحولات المؤلمة التي تعرض لها خلال الاعوام السبعة الماضية، وما قبلها ايضا، المتمثلة في جانب منها بانشقاقات فردية وكتلوية، ورحيل مؤسسه وزعيمه جلال الطالباني، وتصاعد حدة الصراع والتنافس على تركة الاخير، والثروة السياسية والمالية التي يمتلكها الحزب، وفقدانه جزءا لايستهان به من قواعده الشعبية والجماهيرية.
هذه النزعات والتوجهات والطموحات لدى كل من الطرفين، تجلت واضحة في الاونة الاخيرة عبر تصريحات نارية وانتقادات لاذعة وتهديدات انفعالية متبادلة، بلورت بمجملها حملات سياسية واعلامية، نبأت مجددا بأن الاوضاع الهشة والقلقة في الاقليم ستبقى قائمة، ما دامت التفاهمات والتوافقات الحقيقية غائبة عن المشهد.
ومن بين ما قيل على لسان شخصيات سياسية مختلفة من قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن انتخاب نيجرفان البارزاني رئيسا للاقليم بغالبية ثمانية وستين صوتا من بين ستة وثمانين صوتا من عدد اعضاء برلمان الاقليم الذين حضروا جلسة التصويت في الثامن والعشرين من شهر ايار/ مايو الماضي، “ان انتخاب نيجرفان البارزاني رئيساً للاقليم دون مشاركة الاتحاد الوطني الكردستاني، سيضع ملف القرار والشرعية في الاقليم امام اوضاع جديدة، كما سيضع ملف تشكيل حكومة اقليم كردستان امام احتمالات جديدة”.
وقيل ايضا، “لو كنا وجدنا موقفا جيدا من الديمقراطي الكردستاني لتنفيذ بنود اتفاقنا معه، لما كان هناك موقف من هذا القبيل للاتحاد الوطني”.
وقيل ايضا على لسان الاتحاد الوطني، “نرفض التنازل عن منصب محافظ كركوك لصالح الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البارزاني، وان الحديث عن استبدال المناصب معه والتنازل عن منصب محافظ كركوك لا أساس له من الصحة”.
ومن بين ما قيل من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني، “إن عدم مشاركة الاتحاد الوطني بجلسة التصويت على رئيس الاقليم لم يكن بسبب مشكلة كركوك، بل بسبب صراع داخل اجنحة الاتحاد ومحاولة كل طرف تحقيق مكاسب اكثر”.
وقيل ايضا: “ان العملية السياسية في كردستان لن تتوقف او تتعطل بسبب طرف، بل ستمضي، كما سيتم تكليف الحكومة الجديدة التي ستتشكل بنهاية الشهر السادس بالاطراف الراغبة للمشاركة فيها”.
وقيل كذلك: “إن الاتحاد الوطني الكردستاني انسحب من بنود الاتفاقية، واخل بالاتفاق السياسي المبرم بين الحزبين، وبالتالي من المستحيل أن نقوم بدعوته مرة اخرى، وانه يعاني من مشاكل داخلية، وهي خلافات عميقة ويحاول تصديرها الى الخارج”.
وفي وقت سابق، كتبنا في مقال تحت عنوان (أي بدائل عن التوافقات الهشة بين الفرقاء الاكراد)، “بما ان خيار التوافق والتفاهم داخل البيت الكردي قد غاب او غيّب في موضوعة اختيار رئيس الجمهورية، فلن يكون غريبا ولا مفاجئا ان يغيب ويتلاشى في الموضوعات والخطوات الاخرى اللاحقة، بل واكثر من ذلك لن يكون غريبا ان نشهد اطلاق رسائل سلبية ومقلقة من كلا الطرفين، وتبادل اتهامات قديمة –جديدة من خلال المنابر السياسية والاعلامية العلنية”.
ومرة اخرى نقول: بما ان خيار التوافق والتفاهم قد غاب في موضوعة اختيار رئيس الاقليم، فإن المسارات السلبية هي التي ربما ستفرض نفسها على مرحلة ما بعد انتخاب البارزاني، وقد لا تقتصر تلك المسارات على خلافات وتقاطعات بين البارتي واليكتي حول المناصب والمواقع العليا، بل يمكن ان تنسحب وتمتد الى الواقع الاجتماعي ومساحات الرأي العام، لتنعكس على الواقع الاقتصادي والامني والاجتماعي الكردي، الذي لم يتعافَ بعد من تبعات واثار ومخلفات ازمات ومشاكل الاعوام السبعة المنصرمة.
‎2019-‎06-‎10