بقلم بكر السباتين
أريج الأدب في الثقافة والحياة
التقيتها صدفة قبل يومين في مؤسسة الضمان الاجتماعي.. كأنها من بنات المدن الساحلية (يافا، عكا، بيروت) من حيث حركاتها ولهجتها ولباسها وتنورتها وبنطالها الضيق الممزق وفق الموضة الشبابية، وشعرها المنسدل على كتفيها فبدت متصابية كنجمات السينما بما لا يليق بعمرها أو مكانتها بين الناس.. فقلت في نفسي وكأنني أخاطب هذه المغبونة البلهاء:
جمال البدوية يا سيدة المجتمع!! ليس بلباسها العصري وحديثها المتمدن المتأنق إلى حد المبالغة ولبس الأقنعة الزائفة والكذب على النفس وتسويق شخصيتها الزائفة إلى الآخرين ومن ثم أنخراطها في العمل الاجتماعي وهي مقنعة بالزيف والرياء؛ بل هي أجمل وأكثر بهاءً بأصالتها ونقاء سريرتها حتى لو كانت ترتدي اللباس البدوي التراثي الجميل، وهي تسوق قطعان الماشية وتغني شعراً نبطياً أصيلا في قلب المدينة ثم تحيّي صاحبتها بلهجة بدوية أصيلة مشبعة الأحرف “كيف حالك يا خيتي”.. بطبيعتها الفطرية الممتلئة بالحكمة والرشاد .. أنا أقول بأن الرقي لا يعني التجرد من الأصل بل هو سلوك وأخلاق.. فما قولكم!(عجبي)
***
سيدتي أكملي عيدك مع الأولاد
الأرواح الهائمة لا توصد أمامها النوافذ سيدتي صبيحة هذا العيد.. لأنها تستيقظ فينا مع تكبيرات العيد وضوء الشمس.. وتذوب كفطعة السكر في ابتسامات المحتفين بطقوس العيد من العائدين من الصلاة حتى وأنت تتلمظين قهوة الذاكرة أثناء التكبيرات التي تغمر بيوت الحي.. تنتظرين من طواهم الغياب فلا تجدين إلا ترانيم العيد وأنفاس من فقدناهم تغمرنا بأريج ألبخور ألفواح، وهي ترسم البهجة في وجوه أطفالك ألمتوسدين ملابس الجديدة المصفطة تحت المخدات، ورغم ذلك تستطعمين مرارة الهيل وقُبَلَ الأهل وعيدية الأب أو الأخ الكبير وهي تطوى في قبضة يدك النابضة بالمحبة والرضى.. وتظلين في اشتياق للتلاقي مع الأحبة والخلان.. ثم يأخذك ألحنين إلى بيت العائلة الكبير.. تتوضئين بالدعاء.. تلثمين أياديهم الطاهرة تعانقين قاماتهم التي تطول السحاب ثم تتسللين إلى قلبيهما وتنامين حتى امتلاء البيت الكبير بضجيج الأسرة بمن فيهم الأحفاد، وقبل مغيب الشمس تعرجين إلى الحديقة وتقطفين ضمة من الورود بتأني وكأنك تطرزين قصتك مع الحبيب الغائب الموجود وقد أمست كل تفاصيلها في جعبة الأقدار، نعم.. رحل أبو الأولاد عن هذه الدنيا الفانية.. أوشكت دمعة على السقوط.. لكنها خجلت من طيف الحبيب الذي كفكفها حتى انحجبت داخل حدقة العين وقد حيرها الوجد وأرخى رموشها الحنين .. ها أنت تستجمعين طاقة الحياة والفرح.. تتسللين وحيدة وفي يدك ضمة الورد التي أضفتي إليها بعض الزهور الملونة، إلى المقبرة المجاورة؛ لقراءة الفاتحة على أرواح من غادروا مشهد العيد من جديد.. تخاطبين طيف الحبيب :”إلى الفردوس يا غالي..!” وقلبك يتصفح وجوه الثكالى من حولك في المقبرة التي تعج بالزوار قبل أن يداهمها الظلام .. تقولين لهن وقد توشحن السواد : كل عام وأنتن بخير .. ثم ترحلين لاستكمال فرحة العيد مع الأولاد.. ألا يذكرك صغيرهم بالمرحوم!! نعم.. ها أنت تبتسمين..
كل عام وأنتم بخير أصدقائي
***
كل الشكر للأستاذ محمد المشايخ على الهدية القيمة التي قدمها لي بالأمس في مقر رابطة الكتاب الأردنيين.. وهي عبارة عن نسخة من كتابه الذي صدر حديثا بعنوان «معجم القاصين والروائيين الأردنيين» للناقد محمد المشايخ، مشتملا على مقدمة كتبها أ.مفلح العدوان رئيس مختبر السرديات الأردني، وعلى تراجم لـ525 قاصا وروائيا أردنيا، ظهروا منذ تأسيس الإمارة عام 1921وحتى العام 2019، (من ضمنها سيرتي الأدبية مشكوراً ).
ويذكر أن المشايخ (أمين سر رابطة الكتاب الأردنيين سابقا) كان أصدر عددا من الكتب المتخصصة بتراجم أدباء الأردن، ومنها(دليل الكاتب الأردني)، و(كـُتـّاب من الأردن)، و(الأدب والأدباء والكتاب المعاصرون في الأردن)، كما أصدر عددا من الكتب الخاصة بتراجم أدباء المدن والمحافظات الأردنية ومنها: (أنطولوجيا عمان الأدبية)، و(أنطولوجيا الزرقاء الإبداعية)، و(من أدباء مادبا وكتابها)،
وجاء في مقدمة الأديب مفلح العدوان: يشكل هذا المعجم إضافة نوعية أخرى إلى ما قدمه محمد المشايخ في سياق توثيق المنجز السردي، ذلك أنه على مدار عقود السنوات الأخيرة، تراكم في الأردن منجز لافت من ناحية النوع والكم في كتابة ونشر القصة القصيرة والرواية، مما انتج مدونة سردية مهمة ولافتة على الصعيد المحلي، ولاقت حضورا وقبولا في الفضاء العربي، ولذا كان لا بد من توثيقها وتدوينها، والإشارة إلى هؤلاء الكتاب السرديين بتقديم سيرهم الذاتية، ومنتجاتهم الإبداعية، لتكون في متناول الجمهور من المتابعين من قراء وكتاب ونقاد وإعلاميين ودارسين).
كل الشكر والتقدير للناقد الأستاذ محمد المشايخ على هذا الجهد التوثيقي المهم في المسيرة السردية للأدب الأردني منذ منتصف القرن الماضي إلى يومنا هذا، إذ يضاف هذا المنجز إلى سجله الثقافي الحافل بالعطاء وخاصة أن المشايخ يتمتع بشخصية توافقية في المشهد الثقافي الأردني وذات حضور خاص من حيث الحيوية والقبول. فإلى مريد من العطاء .
***
أخرج الشقي نصلَ الفريةِ
من غمد قصيدة ليس قائلها..
وأعمل في حنجرة السنونو تقطيعاً
كي يعزفَ على أوتاره الصوتية..
فتلوى الطائر ألماً
على اغتيال اللحن
وموت المغني..
إلى أن باتت بقاياه
طعاماً للديدان في اليباب..
***
في قصيدتها أدناه الشاعرة مريم الصيفي تتألق كدأبها دائماً..فهي شاعرة تمتلك أدواتها وتعزف جيداً على المعنى الذي يتماهى مع الموسيقى الجوانية.. والقصيدة التالية المنشورة على صفحتها من أجمل ما قرأت عن تمازج وجدان الشاعر مع روح القصيدة من خلال هذا الإنثيال للصور المدهشة المغموسة بالروحانية الدافئة.. أتخيل الشاعرة كأم رؤوم تغمر ابنها بنظرات الحبور وهي تستكشف نضوجه الروحي لتوقظ طاقاته في الحكمة والحب ..
تقول الشاعرة مريم الصيفي:
“هذا التصوفُ في المِحْراب يدنيني
من همسةِ الحرفِ يسري في شراييني
فأستضيءُ بنورٍ خافتٍ بسمتْ
ثمارُهُ وتراءتْ في بساتيني
لأنتقي ما اشتهتْ روحي وأقطفها
قصيدةً نبعُها دفقُ التلاحينِ”
فيومضُ الحرفُ زهوًا في ارتجافِ يدي
من فرحةٍ أورقتْ في زرعِ تكويني”
كل عام وأشعرتنا بخير
7 يوليه 2019