الأمجاد الخالدة للشعب المصري… رفض الاعتراف بالهزيمة!

سلام موسى جعفر
حدثنا التاريخ عن هزائم عسكرية مذلة تعرضت لها الجيوش، منها ما أدت الى تدمير الجيوش المهزومة بالكامل وبالتالي فرض شروط استسلام على دولها ومنها ما أدت الى محو دول وأمم عن بكرة أبيها، لكن التأريخ لم يحدثنا أبدا عن أمة أو دولة مارست نخبها جلد الذات لأكثر من نصف قرن على تعرض جيش بلدها لهزيمة عسكرية مثلما تعرضت له الامة العربية في الخامس من حزيران 1967.
أتجنب أحياناً الكتابة عن حرب حزيران حتى لا أثير النفوس المريضة، الممتلئة إحساساً شنيعاً بالدونية والعجز وحتى لا أمنحها الفرصة لتشغيل الأسطوانة المشروخة ” ما يصير النا چارة، والمقاومة مجرد عبث ” فيستمرون في ممارسة الجلد الذاتي ليصب في النهاية في خدمة مشروع تزييف الوعي الجاري نشره على قدم وساق وبالأخص على صفحات التواصل الاجتماعي التي تمتلئ بالدونيين والأغبياء الى جانب الطيبين طبعاً.
ومع أني اتحفظ على استعمال مفردة هزيمة في وصف ما تعرضت له الجيوش العربية في حرب حزيران بسبب محتواها الذي يتجاوز الفعل العسكري، إلا أني تجنبا لاعتراضات محتملة قد تحرف المنشور عن هدفه، سأضطر الى استخدامها.
لم يعد سراً على أحد، ومنها نخب الجلد الذاتي، ان حرب حزيران جرت تنفيذا لخطة ” اصطياد الديك الرومي” وهي الخطة التي أعدتها المخابرات الامريكية وأوكلت مهمة تنفيذها الى الكيان الصهيوني. كان الهدف الأمريكي من الخطة هو القضاء على النظام في مصر أو احتواءه باعتبار مصر كانت أحد أهم بلدان التحرر الوطني ومنع مصر من مواصلة مسيرة تطورها الصناعي والزراعي والعلمي والعسكري وذلك بإيقافه أولا ثم اعادته الى الوراء. وبعد فشل احتواء النظام التقدمي في مصر بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر طوال فترة نهاية الخمسينات وسنوات الستينات التي سبقت الحرب وبسبب اقتناع الإدارة الامريكية بتوصيات المخابرات الامريكية بضرورة التخلص من الرئيس ناصر الذي اعتبر وجوده خطرا حقيقيا على المصالح الامريكية في المنطقة العربية حيث تسبب بفشل الكثير من المشاريع الامريكية المعدة لهذه المنطقة، وقادت علاقته مع الاتحاد السوفييتي الى منح الأخير موطئ قدم ونفوذ في البلدان العربية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط وبسبب مساهمته النشطة باضعاف العروش والأنظمة التي تسير في الفلك الأمريكي، وبسبب عداءه الشديد لدولة الكيان الصهيوني، لمجموع هذه الأسباب ولأسباب أخرى عديدة وقع الرئيس الأمريكي ليندن جونسون على أمر تنفيذ خطة ” اصطياد الديك الرومي” بأن تقوم إسرائيل بشكل مفاجئ وبمساعدة سرية من الجيش الأمريكي بتوجيه ضربة سريعة وقاصمة لسلاح الجو المصري ليسهل بعدها تدمير القوات البرية التي ستصبح مكشوفة على أمل ان يؤدي ذلك الى إحداث هزة نفسية عميقة عند الشعب المصري تقود الى احداث شرخ عميق بين الشعب وبين رأس النظام الذي سيفقد حتماً هيبته وتضعف مكانته بين شعبه وكذلك بين الشعوب العربية وشعوب بلدان التحرر الوطني.
نجحت الضربة العسكرية، ولست هنا في معرض تحليل أسباب نجاحها والأسباب التي تقف وراء فشل التصدي المفترض لها، وحدثت بالفعل الهزة النفسية العميقة في المجتمع المصري وفي البلدان العربية الأخرى كما توقعها المخطط الأمريكي. ولكن ما لم يكن يتوقعه المخطط هي نتائج الهزة واتجاهاتها. فما أن أعلن الرئيس “المهزوم” في التاسع من حزيران تحمله مسؤولية نتائج الحرب بإعلان التنحي حتى خرجت الملايين بعفوية وهي تعلن رفض القبول بنتائج الحرب ورفض الهزيمة والدعوة للمقاومة، وكتب وقتها المعلق السياسي الغربي دويتشر يقول ” لأول مرة في التأريخ يخرج شعب مباشرة ليصنع التاريخ بنفسه وليعيد زعيمًا مهزومًا” واستمر غضب الجماهير الى اليوم التالي العاشر من حزيران. يؤرخ هذا اليوم لبدأ عملية إعادة بناء الجيش وإعادة بناء الدولة التي اهتزت أركانها بشدة جنبا الى جنب مع مواصلة العمليات العسكرية ضد العدو الذي وصل الى مشارف مدن القناة. النجاحات التي تحققت خلال السنوات الثلاث بعد النكسة العسكرية والمتمثلة بإعادة بناء القوات وتدريبها على القتال الفعلي مع العدو في معارك التصدي بالمدفعية واغراق المدمرة ايلات ثم في حرب الاستنزاف التي افقدت العدو صوابه الى جانب تصاعد المقاومة المسلحة للشعب الفلسطيني كانت جميعها تشكل ملاحم حقيقية عكست الوجه الحقيقي للإنسان العربي الرافض للهزيمة. عن هذه الملاحم تتجنب نخب الجلد الذاتي الإشارة، لإنها على ما يبدو تحرمهم من لذة الشعور بالدونية.
“لست مهزوماً ما دمت تقاوم” وكانت مصر تقاوم وكانت فلسطين تقاوم وكانت سوريا تقاوم. وانتظر دايان في مكتبه عبثاً مكالمة تلفونية يطلب فيها المتحدث الدخول في مفاوضات. ومع مرور الأيام والاسابيع والاشهر حتى راح هو بنفسه يتوسل ويستجدي بلا جدوى المفاوضات مع “المهزومين”.
فأية مفارقة ان اهداف خطة “اصطياد الديك الرومي” لم تتحقق بهزيمة مصر عسكرياً، ولكنها تحققت بالكامل بعد انتصار مصر في حرب أكتوبر!

Bilden kan innehålla: himmel och utomhusBilden kan innehålla: 5 personer, personer som ler, folkmassa och utomhus

 

Bilden kan innehålla: himmel, hav, utomhus och vattenBilden kan innehålla: en eller flera personer och utomhus

2019-06-09