تحليل استراتيجي..
من يطفئ الحريق المذهبي في الإقليم! وخيارات أردنية هاشمية..

قلم بكر السباتين..
في مقابلة مع CNN عام 2015 وضع الأمير الحسن بن طلال مجساته على ما يشهده الواقع الإقليمي من صراعات مذهبية مدمرة، متلمساً المخاطر المحدقة بالمنطقة في ظل نشوب صراع مذهبي (سني وشيعي) في هشيم المشهد السياسي العربي مع غياب لغة العقل والمنطق، صراعات مذهبية بذر أسبابها الاحتلال الأمريكي للعراق مطلع العقد التاسع من القرن الماضي.. وكأن حديث الأمير الهاشمي الدقيق جاء رداً على ما يثار من فتن طائفية واصطفافات مخيفة في المشهد الإسلامي بين سني وشيعي، فالسنة يقذفون الشيعة بالتهم المتجذرة في التاريخ الخلافي منذ حكم معاوية ابن سفيان بينما يصب بعض الشيعة جام غضبهم على الخلفاء الراشدين في مشهد مشوه دون أن يمسح أي طرف البصمات الصهيونية الظاهرة بجلاء على خطاب كل طرف منهما.. هذا لأن التعصب أعمى وعقيم ويدعو إلى الهلاك في ظل البرغوباندا المضللة ومن يقف وراءها.. بحيث وظفت هذه الصراعات المذهبية بين الطرفين في حرف بوصلة الإجماع العربي عن فلسطين.. بحيث وجد الصهاينة عدواً بديلاً عن “إسرائيل” تمثل بإيران، لدى بعض أصحاب المذهب السني وبخاصة من أتباع الوهابية، بينما استمر بعض أصحاب المذهب الشيعي في العراق بهضم حقوق أهل السنة بقسوة في محافظة الأنبار مما دفع بالضحية للاحتماء بداعش بعض الوقت، والتي قدمت لهم طوق النجاة قبل أن تنقلب عليهم من جديد.. في ظل تحريض متبادل غذّاه الاحتلال الأمريكي لبغداد حتى وبعد انسحابهم منها.. لكن المفارقة المؤلمة جاءت على صورة انضواء بعض الأنظمة العربية التي تدعي تمثيلها للسنة في ظل صفقة القرن لتتحالف مع الاحتلال الإسرائيلي ضد الخصم الشيعي الإيراني.. بينما يذهب الطرف الثاني إلى دعم المقاومة في جنوب لبنان وغزة ضد الكيان الإسرائيلي بدلاً من تعاون الخصمين المسلميْن على تلك المهمة المقدسة والتناحر على خلفية مذهبية في حرب ضروي بسوريا راح ضحيتها الشعب السوري ووحدة بلاده.
وفي سياق متصل، فإن ذلك يحدث وفق رؤية الصهيوني برناند لويس الذي وضع خرائط تقسيم المنطقة على أساس طائفي لتعزيز مبررات “إسرائيل” في “يهودية الدولة”.. حينها لا بأس من دعم “إسرائيل”لوجود دولة قبطية في مصر مستقبلاً على أساس طائفي. وهي خرائط تم التصديق عليها من قبل الكونغريس الأمريكي عام 1983.. لا بل جاري تنفيذها اليوم في سياق صفقة القرن المتعثرة.
فماذا قال الأمير حسن في سياق المقابلة المشار إليها أعلاه (رأي اليوم)، وهو ذلك المفكر السياسي السنّي الهاشمي العميق ؟
لقد حذر من مغبة دفع المنطقة إلى مأزق يتعذر الخروج منه، قائلاً:
” بأن السنة والشيعة مذاهب لا يُفترض لها أن تقسّم العالم العربي والإسلامي، وإن المملكة الهاشمية تحديداً هي مظلّة جامعة للجانبين، وهو أمرٌّ تحدّث حوله غير مرّة كان من ضمنها الإشارة المباشرة له بوضوح وهو يأسف على ما وصلت له الصراعات والنزاعات في العالم العربي ويسجّل اعتراضه على التقسيم المذهبي”.
وفي الأردن تنسجم أفكار الأمير الحسن بن طلال وتنظيراته العميقة مع رؤية العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني المستقبلية من خلال بعض الشواهد والرسائل الهاشمية لكل مّنْ يتربص بالعرش الهاشمي في الظاهر والخفاء.. حيث جمعتهما عدة صور مؤخراً. ففي مطلع مقال نشرته فرح مرقة في رأي اليوم اللندنية قالت فيه:
“لم يسبق لملك الأردن عبد الله الثاني أن وصف أحداً بأنه ابن عمه، على أرضية التشارك في الإرث الهاشمي، عدا ملك المغرب محمد السادس، مختاراً أن يفعل ذلك في حضور وجهاء مدينة القدس”
وتضيف إلى ذلك قائلة في سياق مقالها:
“ما يدعم الافتراض المذكور هو التسلّل الأردني المتراوح بين الإعلان الواضح والشراكة الاستراتيجية مع العراق وبين ملاعبة العقوبات الامريكية في سورية، والذي صحبه تصريحات وتنبيهات في أن الأردن لم يعد يرى في إيران خطراً يستدعي القلق والتوجس، بل على العكس بات يقرّ أن الحرب مع ايران ليست اردنية وان بوصلة عمان هي القبلة الأولى في القدس وهو الأمر الذي يعزّز بطبيعة الحال عودة الأردن لجذور مرجعيته الدينية والتاريخية”. وهذا بدوره ينسجم مع توصيات المؤتمر الإسلامي الذي عقد بعّمان، في السابع من يوليو عام 2005 بمشاركة 180عالماً ومفكراً من المذاهب الإسلامية الثمانية حين أصدروا “بيان عمّان”، الذي تضّمن “تحريم تكفير أتباع المذاهب الإسلامية وحرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم” بالإضافة إلى”ضرورة احترام الرأي والرأي الآخر في العالم الإسلامي”.
ولا يفوتنا في هذا الصدد الإشارة إلى سلسلة المؤتمرات السبعة التي احتضنتها الدوحة حول “حوار الأديان والمذاهب الإسلامية” ناهيك عن احتضان المملكة العربية السعودية لقمة “مكة” عام 2008 حيث جرّم في بيانه الختامي كلَّ الفتاوى “التحريضية” وتبنى وثيقتي “بلاغ مكة” و”خطة العمل العشرية لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين”. وهو ما تم الانقلاب عليه نسبياً في مؤتمر مجلس التعاون الإسلامي الأخير في مايو 2019 الذي دعت إليه السعودية في مكة فيما يتعلق بإيران دون أن يحمل بيانه الختامي أبعاداً تقوم على الخلاف المذهبي وحصره على البعد السياسي المحض.
ومن مخرجات مؤتمر عمان 2005 آنف الذكر يمكننا تفهم الرؤية الهاشمية حول مستقبل السياسة الأردنية التي يفترض أن تنبذ الخلافات المذهبية؛ مما قد يفسح للأردن مجالاً للذهاب إلى خيارات منفتحة على كل الأطياف الإقليمية بعيداً عن التصنيفات المذهبية على اعتبار أن الشعار الهاشمي يضم في عباءته كل المذاهب الإسلامية (سنية وشيعية)، كون الهاشميون هم من أحفاد بيت رسول الله في ذات الوقت الذي يتبنون فيه المذهب السني ويضطلعون بدور راسخ في حماية المقدسات الإسلامية التي بنيت في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان عام 691م.. وهي تخضع الآن لوصاية آل بيت رسول الله “الهاشميون”، الذين يشرفون على إعمارها والدفاع عنها ثقافياً وسياسياً.. وربما يحظون لأجل ذلك أيضاً (بشبه) إجماع من طرفي الصراع المذهبي السني والشيعي.. وهو ما قد يمنح الأردنّ قوة لا غنى عنها في مستقبل الصراع المذهبي وارتداداته الجيوسياسية على الإقليم، حينما تفرض الظروف المتأزمة على الجميع مستقبلاً ضرورة البحث عن طرف معتدل يمكنه إدارة أي حلول مستقبلة بين خصوم اليوم من المذهبين.. وهذا ممكن ووارد الحدوث رغم أنه سيقوي من عزيمة قوى الشد العكسي في الإقليم التي من شأنها أن تضع العراقيل في الطريق.
وأختتم مقالي بما ردّ به المعارض الإسلامي الأردني ليث الشبيلات (رأي اليوم) وهو معروف بمواقفه الحادة، على تهمة وجهت له بأنه”شيعي” بسخرية وقال في موقعه التواصلي في 13 يناير 2015 أنه على مذهب يقارب بين المذاهب الإسلامية.
وأضاف الشبيلات: “انا سني حنفي على خطى أمام الأزهر الكبير المرحوم الشيخ شلتوت الذي كان رائدا للتقريب بين المذاهب حتى لا تتناحر الأمة كما يحدث الآن”
مؤكداً على أن ما يجري هو “تعصب شيعي أحمق يقابله تعصب سني مثله.
وقال: إنّ أي طرف يعتقد أنه سينتصر أحمق من الآخر.. فهنيئا للأعداء بمسلمين مثل هؤلاء.. سيوفهم في خدمة الصليبية والصهيونية مهما شتموها”.
وهذا يسجل لموقف أهم المعارضين الأردنيين الذي لا يخرج عن السياق الهاشمي الذي أشار إليه الأمير الحسن بن طلال في لقائه حيث حدد فيه رؤيته السياسية حول الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة.. والذي اقتضت من المملكة الأردنية الهاشمية دوراً دقيقاً في السير بين الألغام وشد الحبل من الوسط بما لا يخالف بيان مؤتمر عمان آنف الذكر.
وعليه فإن كل شيء يحدث مستقبلاً سيبدأ منذ هذه اللحظة. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: من يرتضي لوطننا العربي المنقسم مذهبياً على نفسه، الخرابَ والدمارَ الذي يجيء بفعل المتربصين به بينما تلوح في الأفق خيارات الانفراج السلمي والنمو على قاعدة الأمان والشراكة التنموية في ظل سيادة القانون والسلم الاجتماعي والمذهبي! من يقبل بالخراب سوى أعداء أنفسهم من المغيبين أو العملاء المتاجرين بالمبادئ!؟ المستقبل بلا ريب مرهون بالخيارات التي تلجم أي بندقية مذهبية وتعيد معركتنا باتجاه الخصم الحقيقي المتمثل بالمحتل الإسرائيلي الغاشم.. والظلاميين الذي خربوا سمعة الإسلام وأججوا العداء ضد ديننا الحنيف في العالم.
6 يونيو 2019