إسرائيل تخشى حزب الله وأنظمةً عربيّةً تعتبره إرهابيًا
زهير أندراوس
بثت القناة الـ13 بالتلفزيون العبريّ مساء أمس الأربعاء الجزء الثالث والأخير من الفيلم الوثائقيّ “حرب لبنان الثالثة”، الذي أعدّه مُحلِّل الشؤون العسكريّة، ألون بن دافيد، أحد الأبناء المُدللّين جدًا في المؤسسة الأمنيّة بكيان الاحتلال. سلسلة التقارير المذكورة لا تترك مجالاً للشكّ: إسرائيل تُقِّر بوجود ميزان رعبٍ بينها وبين ثاني أقوى جيشِ في الشرق الأوسط، أيْ حزب الله، وتُحذِّر في الوقت عينه من أنّ حرب لبنان الثانية، صيف العام 2006، ستكون بمثابة نُزهةٍ، مُقارنةً بحرب لبنان الثالثة، التي ستندلِع ولو بعد حينٍ، وستُوقِع آلاف القتلى في الطرف الإسرائيليّ، فيما ستُعيد لبنان خمسين عامًا إلى الوراء.

مُعّد ومُقدِّم السلسلة عاد واعتذر أمس للمرّة الثالثة بأنّ الهدف من عرض الفيلم الوثائقيّ ليس إرعاب وإرهاب الإسرائيليين، إنمّا مُحاولة لوضع النقاط على الحروف، على الرغم من مرارتها، بكلماتٍ أخرى، ما وَرَدَ في سلسلة التقارير أدّى لدبّ الرعب في قلوب وعقول الإسرائيليين، رغم أنّ الفيلم مرّ تحت مقّص الرقيب العسكريّ، وهذا يؤكّد المؤكّد ويُوضِّح المًوضَّح: حزب الله، الذي تعتبره دول مجلس التعاون الخليجيّ تنظيمًا إرهابيًا، يقُضّ مضاجِع الإسرائيليين، قيادةً وشعبًا، وتحديدًا الحديث المُتكرّر عن المفاجآت التي تنتظِر الكيان خلال الحرب الشرِسة التي ستندلِع بين الطرفين، حارقةً الأخضر واليابِس في عقر داريهما.

ومن مُنطلق “اعرف عدوّك” تابعت على مضضٍ الأجزاء الثلاثة للفيلم الوثائقيّ، الذي اتسّم بالجرأة، إذا جاز التعبير، وكان أيضًا مُحاولةً واضحةً لتهيئة الرأي العّام في الكيان لما ينتظره في المُواجهة المُقبِلة، من قصفٍ صاروخيٍّ بالآلاف، و”احتلال” العديد من المُستوطنات في الشمال، ناهيك عن أنّ حزب الله يستعّد لشلّ حركة الملاحة الجويّة والبحريّة في دولة الاحتلال، الأمر الذي سيُلقي بآثاره السلبيّة على الدولة، التي تزعم أنّها تمتلِك أحد الجيوش الأكثر قوّةً في العالم.

عُلاوةً على ذلك، كان لافِتًا جدًا ما قاله نائب رئيس هيئة الأركان العامّة السابِق في جيش الاحتلال، اللواء يائير غولان، الذي يعمل اليوم باحِثًا كبيرًا في مركز دراساتٍ في واشنطن. غولان، الذي خدم بالجيش عشرات السنين، وتقلّد مناصب رفيعةً جدًا، جزم أنّ التاريخ العسكريّ على مرّ العصور يؤكّد أنّه لا يُمكِن حسم الحرب والانتصار على العدوّ بدون استخدام جيش البريّة (المشاة)، مُضيفًا في الوقت عينه أنّ إسرائيل لا يُمكِنها القضاء على حزب الله بواسطة سلاح الجوّ فقط، ومُشدّدًا بحدّةٍ على أنّ المرّة الأخيرة التي شارك فيها جيش البريّة الإسرائيليّ في المعارك كانت في عدوان حزيران (يونيو) من العام 1967، وبشكلٍ أقّلٍ في حرب العام 1973، مُوضِحًا أنّ هذا الأمر هو الخنجر في خاصرة كيان الاحتلال الذي يسعى بكلّ الوسائل إلى القضاء نهائيًا على “جريرة إيران” في لبنان، أيْ حزب الله.

وهذا التصريح، الذي يُمكِن اعتباره خطيرًا بالنسبة لإسرائيل يتساوَق مع ما كان قد أشار إليه الجنرال في الاحتياط يتسحاق بريك، المسؤول السابِق عن مظالم الجنود، والذي أعّد أواخر السنة الماضية تقريرًا مُدّعمًا بالأدلّة أكّد فيه أنّ جيش البريّة الإسرائيليّ ليس جاهزًا للحرب القادِمة، وأنّ قادة الجيش، وعلى مرّ عشرات السنوات، لم يعملوا على تطويره وتدريبه، لأنّهم كانوا وما زالوا أسرى النظريّة القائلة إنّ سلاح الجوّ قادرٌ على حسم المعركة، وجاء العدوان على غزّة في صيف العام 2014 ليؤكِّد لأركان تل أبيب بأنّ المُقاومة الفلسطينيّة، وعلى الرغم من عدم تكافؤ الفرص والقوّة، تمكّنت من جرّ إسرائيل إلى حربٍ استمرّت 51 يومًا، أيْ أطول حربٍ في تاريخها، والتي انتهت بعد أنْ هرول نتنياهو إلى الأصدقاء في مصر مُستجديًا التوقيع على تهدئّةٍ مع المُقاومة في قطاع غزّة.

المُشكلة، أوْ بالأحرى المُعضِلة، تكمن في عددٍ كبيرٍ من الأنظمة العربيّة الحاكِمة، والتي باتت تخشى حزب الله أكثر من إسرائيل، ولا نستبعِد البتّة أنْ تُحّرّضها على القيام بـ”مُغامرةٍ غيرُ محسوبةٍ” لسحق حزب الله، ذلك أنّه بالإضافة إلى تساوق المصالح بين إسرائيل وهذه الأنظمة الرجعيّة في المجال السياسيّ والأمنيّ باعتبار إيران عدوًّا، هناك المُعضلة النفسيّة، فهذه الأنظمة الحاكِمة بالدّم والحديد، هي أنظمة مهزومة، مهزوزة ومأزومة حتى النُخاع، وَمَنْ يُعاني من هذه الأعراض، إذا جاز التعبير، لا يتجرّأ على التفكير بخيار المُقاومة، فما بالكم بتطبيق المُقاومة قولاً وفعلاً على أرض الوقع! ولا نستبِعد البتّة أنّ هذه الأنظمة، بهدف الحفاظ على عروشها، أصبحت مُستعِدّةً لرفع المظلّات حتى لو أمطرت السماء حريّةً، وتعامل سمسار أمريكا المُهين والمُزدري معهم هو أكبر دليلٌ على ذلك.
كاتبٌ عربيٌّ من فلسطين
‎2019-‎05-‎23