العلاقة الروسية التركية من منظور جيو- استراتيجي.


بقلم .. أمجد إسماعيل الآغا
شهد الشرق الأوسط تحولات اقليمية و دولية تستدعي إنشاء تحالفات استراتيجية، و ذلك من أجل القدرة على احتواء التداعيات الناجمة عن هذه التحولات و الظروف المستجدة، و من الأمور الهامة التي تجسد شكلاً موضوعياً لطبيعة التحالفات الجديدة، يمكننا القول بأن العلاقة السياسية بين روسيا و تركيا تُشكل إحدى أهم الإصطفافات الناجمة عن حالة الفوضى والاضطراب في الشرق الأوسط، حيث أن أشكال الصراع و تضارب الأجندات بين دول الإقليم، مهد لتنوعات استراتيجية تكون سبيلاً لكسر استغلال واشنطن حاجة الدول للاتكاء على حليف قوي، و بناءً على قاعدة احتدام التنافس بين الأقطاب الدولية و الإقليمية في الشرق الأوسط لأسباب عديدة، فإنه لا تستطيع أياً من الدول الكبرى تحقيق سياساتها وإدامة نفوذها خارج حدودها، بدون وجود وكلاء وداعمين لها، و عليه فأن العلاقة الروسية التركية أخذت جانباً هاماً من القاعدة السابقة، حيث أن تكامل الأهداف الـ جيو استراتيجية يُحقق هذه المعادلة، لتغدو بذلك الصيغة التكاملية التكتيكية في المضمون و التوافقية في الأهداف عنواناً عريضاً لهذه العلاقة، فـ التعاون بين موسكو و أنقرة يعتمد على علاقة استراتيجية تُحقق توازن قوي ضد الغرب، إضافة إلى اقتناص الفرص الناجمة عن تداعيات التراجع الأمريكي الواضح في المنطقة، و ما يُعمق العلاقة بين موسكو و أنقرة و التي يبدو أنها لن تكون ظرفية محكومة بجملة من التطورات الإقليمية، فأن مسألة التسوية السورية و بناء نتائج توافقية ترتكز على ما تم تحقيقه سورياً، ستكون إحدى أهم عوامل تقارب الطرفين، فالرغبات الروسية التركية تسيران في خط متواز سيوصلهما إلى تحقيق اتفاقيات اقليمية خالية من التعقيدات، و سيكون تأثيرها إيجابياً لعقود طويلة.
التحولات الجوهرية في الشرق الأوسط شكلت تراكمات سياسية ستُغير طبيعة المسارات السياسية في المنطقة، حيث أن الموجبات الرئيسية للتعاون بين موسكو و أنقرة حدد أُطر العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، فـ حجم التحديات و المصالح المشتركة، يؤسس لعلاقة تُبحر بعيداً عن أي سيناريوهات تصادمية بالمعنى السياسي، و بطبيعة الحال فأن هذا التقارب يتم ضد رغبات الولايات المتحدة، فالسياسية الصادمة لـ واشنطن تُجاه البلدين مهد لأرضية صُلبة سيتم استثمارها سياسياً، و في جانب أخر مُتعلق بشخصية كلاً من فلاديمير بوتين و رجب طيب أردوغان، و اللذان يجيدان تطوير العلاقات الدولية و تهيئة الظروف السياسية و استثمارها لمواجهة الغرب عموماً، و هذا يندرج حُكما في النظرة التوسعية لكلا الرجلين من أجل بناء سداً لمواجهة الهيمنة الأمريكية و الغربية.
محددات التقارب الروسي التركي
روسيا ترى أنها محاربة اقتصادياً و سياسياً و عسكرياً من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، و ذلك بسبب دعم الأخيرة لمشاريع تطوير نقل الطاقة من دول القوقاز إلى أوروبا دون التنسيق مع موسكو، بهدف انتزاع الدول الآسيوية من دائرة النفوذ الروسي، و في الجانب السياسي من خلال دعم واشنطن تقارب أوكرانيا مع الغرب وتشجيعها انضمام كييف للاتحاد الأوروبي على حساب روسيا، أما عسكرياً فقد أصبحت موسكو تشعر بتهديد أمريكي مباشر من خلال القواعد الأمريكية وحلف شمال الأطلسي المنتشرة على البحر الأسود، فضلًا عن الصراع المصيري في سوريا، والتي تُعتبر نافذة موسكو الوحيدة المطلة على البحر المتوسط بأسطولها العسكري في طرطوس.
أما تركيا الباحثة عن طريق يوصلها للاتحاد الأوروبي، فقد شعرت بأن كل الطرق باتت مغلقة أمام انضمامها للقارة العجوز، و على الرغم من محاولات أردوغان استثمار اللاجئين السوريين للضغط على الاتحاد الأوروبي، إلا أن هذه المناورة لم تحقق غايتها في إشعار الغرب بأهمية تركيا، فالغرب لن يسمح لـ تركيا الإسلامية التي يحكمها حزب العدلة و التنمية ذو الطابع الإسلامي، بالدخول إلى الاتحاد الأوروبي و الحصول على مزاياه الكثيرة، و بالتالي فإن تركيا أدركت هذا الأمر، و عليه قامت تركيا بخطوات من شأنها إعادة انتاج الخطاب السياسي، و التوجه إلى مدّ جسر استراتيجي يُقربها من روسيا.
ضمن هذه المعطيات يُمكننا أن نعتمد على قاعدتين اساسيتين للتقارب الروسي التركي:
القاعدة الأولى الارتباط الاقتصادي الوثيق الذي يحقق منافع مشتركة، هذا له دور أساسي في توجه الطرفين للابتعاد عن التجاذبات السياسية المرتبطة بسوريا، على مبدأ فصل السياسيات، ما يعني فصل الجوانب الاقتصادية عن الجوانب السياسية، و الاعتماد على صيغ توافقية تُخفف حدة أي خلاف سياسي، في سبيل الحفاظ على سوية العلاقات المرتبطة بالجانبين الاقتصادي و السياسي.
أما القاعدة الثانية فهي الهواجس التركية من الجغرافية السورية إضافة إلى الخيبة جراء رفض أوروبا انضمام تركيا إلى اتحادها، هذه القاعدة أرقت الفكر السياسي لأنقرة، لذلك عملت تركيا على بناء منظومة سياسية جديدة تُبعدها عن الغرب و تُقربها من سوريا و حلفاؤها، فأبقت تركيا زخمها السياسي حاضراً لمواجهة تطلعات القوى الغربية في سوريا و جغرافيتها، هذه الهواجس أجبرت تركيا على إعادة صوغ مشروعها السياسي، و إعادة برمجة توازناتها الإقليمية و الأمنية المرتبطة بالجغرافية السورية، و لا سبيل لذلك إلا إتباع الأهواء الروسية.
التقارب الاستراتيجي بين موسكو و أنقرة اسس له تداعيات الشأن السوري.
الشأن السوري و تداعياته السياسية و العسكرية التي حققتها الدولة السورية، رسمت إطارا هاما في الوصول لتوافق استراتيجي بين روسيا و تركيا، فالرغبة الروسية في تحقيق فواعل إقليمية تكون سبباً لتسوية الملف السوري، أحرز تقدماً إيجابياً تمكنت تركيا حتى اللحظة من استثماره، حيث أن روسيا و تركيا تُدركان أن استمرار الحرب على سوريا سيكون له تكاليف باهظة في المستويين السياسي و العسكري، خاصة أن المناورات الأمريكية الرامية لإطالة أمد لحرب و منع تحقيق أي تسوية سياسية، تهدف إلى استنزاف جميع الأطراف الفاعلين في الشأن السوري، يُضاف إلى ذلك أن الكرد “الأداة الأمريكية في سوريا” و مناطق تواجدهم يُشكلون تهديداً مباشراً و جدياً للأمن القومي التركي، و بالتالي فإن موسكو و أنقرة أسستا لخطوات وقائية من المخطط الأمريكي، فـ التوافق بين البلدين شكل منعطفاً محورياً في مسار العلاقة الاستراتيجية بينهما، إضافة إلى أن التوافق المطلق بين روسيا و تركيا لجهة وحدة الأراضي السورية وفق أستانا و نُسخه، خلافاً للتوجه الأمريكي نحو إنشاء كيان مستقل للكرد في شرق سوريا، شكل أيضا في جزئياته وحدة في المصالح و الأهداف المضادة للخطط الأمريكية.
ضمن المعطيات السابقة و في إطار ارتقاء المصالح بين موسكو و أنقرة، قالت الكاتبة السورية ربى يوسف شاهين أن ” اللافت في مفرزات الحرب على سوريا هو تمتين العلاقة الروسية التركية، ليس فقط من اجل إيجاد الحل لإنهاء الحرب، ولكن ايضا في مسائل تتعلق بالدفاع العسكري و الأمني و العلاقات الاقتصادية، بدءً من منظومة الصواريخ S-400، إلى مشاريع اقتصادية هامة كـ محطة اكويو الكهروذرية وانبوب إمدادات الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا (السيل التركي)، فضلا عن إمكانية استخدام العملات الوطنية بين البلدين في التبادلات التجارية الثنائية في اسرع وقت، على الرغم من توتر العلاقات التركية الامريكية من تنفيذ صفقة S-400 وما قد ينتج عنها من إقصاء تركيا من حلف الناتو والذي اشار إليه مسؤولون في الولايات المتحدة بالإضافة الى فرض عقوبات اقتصادية جديدة على تركيا، بالرغم من ان الرئيس التركي اعلن ان صفقة الF35 للطائرات قد تمت وان الضباط الاتراك يتلقون تدريبات عليها في امريكا، بالتالي و انطلاقا من التقارب الغير واضح المعالم بين روسيا و تركيا، هناك محاولات أمريكية واضحة للعبث مع طرفي استانا، هي محاولات ظهرت جلياً في تصريحات الرئيسين عُقب القمة التي جمعت بوتين و أردوغان في موسكو مؤخرا، حيث الاتفاق السياسي شيء، و العمل على تطبيقه شيء أخر”.
بالتالي بات من الواضح أن هناك الكثير من العوامل التي تجمع روسيا و تركيا في الكثير من القضايا الإقليمية و الدولية، هذا الأمر يؤسس لعلاقة جيو استراتيجية طويلة الأمد، لـ يُدرك المتابع للعلاقات التركية الروسية أن الأصل في هذه العلاقات هو التوافق و التماهي في الكثير من القضايا ذات الاهتمام المشترك، لتكون المعادلة الحقيقية في تكوين الإطار العام للعلاقات الجيو استراتيجية بين روسيا و تركيا مبينة على قاعدة التوازن المرن.
ختاما، لابد من الإضاءة على الدراسة التي كتبها رئيس المجلس الروسي للعلاقات الدولية أندريه كورتينوف، و نُشرت في موقع المجلس الروسي، حيث لفت كورتينوف إلى أن العلاقة الروسية التركية لها عدد من السمات التي يرجح أن تظل ثابتة في المستقبل المنظور:
أولاً، ستبقى العلاقات بين موسكو وأنقرة مهمة لكلا الجانبين. فروسيا وتركيا جارتان تربطهما علاقات ثنائية واسعة تشمل التجارة والاستثمارات والطاقة والبناء، بالإضافة إلى التأثير المتبادل اجتماعيا وثقافيا وإنسانيا. وعلاوة على ذلك ترى البلدان أنهما حالة أوراسيوية خاصة في السياسة العالمية تضعهما في رابطة خاصة بهما، وتميزهما عن الدول الأوروبية والآسيوية. لذلك فمن الصعب تخيل أن تبتعد هاتان القوتان عن بعضهما وتفقدان الاهتمام بالعلاقات الثنائية.
ثانياً، سيكون هناك دائماً خليط من المصالح المشتركة والمتوازية والمتداخلة والمتصادمة التي تقود موسكو وأنقرة في التعامل مع بعضهما. وعلى سبيل المثال، تركيا عضو في الناتو، لكنها تخطط لشراء أنظمة الدفاع الجوي الروسية المتطورة (S-400)، ويتعاون البلدان في سوريا، لكن لديهما مواقف متباينة من القيادة السورية الحالية في دمشق، ويهتم الروس والأتراك بالاستقرار في جنوب القوقاز، لكنهما على طرفي النقيض في المواقف.
ثالثًا، ستستمر القوى الخارجية العالمية (الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، والولايات المتحدة) والجهات الفاعلة الإقليمية (إيران ودول الخليج وإسرائيل) في التأثير بعمق في العلاقات بين روسيا وتركيا. ويمكن للاعبين الخارجيين أن يعززوا التقارب بين موسكو وانقرة، ولكن يمكنهم أيضا التفريق بينهما، وذلك بتقديم خيارات بديلة للتعاون الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي، لكلا البلدين.
‎2019-‎05-‎22