تحليل استراتيجي..

“الحرب السرية وعض الأصابع بين أمريكا وإيران”


بقلم بكر السباتن
سبع طائرات حوثية مسيرة تقصف منصتين سعوديتين للنفط في إطار رسائل إيرانية
بعد تفجيرات الفجيرة..
الرسائل الإيرانية الأخيرة الموجهة إلى أمريكا وحلفائها العرب تؤكد بأن أي ضربة تستهدف إيران، مهما كان نوعها، قد تفتح أبواب جهنم على أمريكا وحلفائها العرب في الخليج العربي.. هذا رهان له تجلياته على الأرض في أتون حرب سرية بدأت تشتعل منذ تفجيرات يوم الأحد الماضي في ميناء الفجيرة (هذا لو افترضنا جدلاً بمسؤولية إيران عنها مقابل تبرئتنا ل”إسرائيل”)، بين أمريكا وإيران..
إن الرسائل الإيرانية على الأرض تباغت كل السيناريوهات المحتملة في نشوب حرب قادمة في الخليج، وتأتي بناءً على قناعات إيران بأن أمريكا جادة في تهديداتها؛ ما جعلها توحي بحجم الخسائر الجسيمة التي ستتكبدها من جراء استهداف قواتها المتمركزة في الخليج والمنشآت النفطية في الدول العربية الخليجية المتحالفة مع أمريكا.. الأمر الذي سينعكس سلبياً على طموحات ترامب في سلب ما يستطيع من أموال سيادية خليجية دون خوض حروب، وخاصة من السعودية التي استهدفت لها سفينتان في هجوم الفجيرة الأخير، بالإضافة إلى الإمارات التي تعرض ميناؤها في الفجيرة إلى هجوم غامض أصاب أربع سفن تجارية ولَم تحدد الجهة التي تقف وراءه بعد.
وأخيراً وهي الرسالة الإيرانية الموجعة التي جاءت من خلال استهداف سبع طائرات حوثية مسيرة، مضختين سعودييتين للنفط في العمق السعودي.
وعليه فقد جاء الرد الأمريكي على لسان جون ابي زيد السفير الأمريكي الحالي في الرياض الذي أدلى بتصريحٍ يوم أمس الأول يرسم ملامح الخطة الأمريكية العسكرية المتوقعة عندما قال “نحن بحاجة لإجراء تحقيق في العملية التخريبية التي تعرضت لها الناقلات في ميناء الفجيرة لنعرف ما حدث ثم نأتي بالرد المعقول، ربما لا يصل إلى حد الحرب”.
وهو رأي يقف ما بين رغبة ترامب في عدم خوض الحرب مع إيران من جهة، ومستشاره للأمن القومي المؤيد ل”إسرائيل” جون بولتون الذي يدفع بالأمور نحو المواجهة من جهة أخرى..
تقول باربرا سلافين من مركز “اتلانتيك كاونسل” للتحليل “إن من يعرف بولتون لن يفاجأ بأن يكون الرجل حالياً منكباً على افتعال أزمة”، مضيفة “أن رئيس الولايات المتحدة يكرر على الدوام أنه لا يريد حرباً جديدة، في حين يدعو جون بولتون على الدوام لضرب ايران”. وتساءلت “هل هذه هي فعلاً سياسة ترامب الخارجية أم أن بولتون يتصرف على هواه؟”.
فهل يعني ذلك بأن الرد سيأتي على شكل ضربات أمريكية خاطفة ومحدودة في العمق الإيراني! وبالتالي ماذا سيكون عليه الموقف الإيراني إزاء ذلك! فهل ستضم إلى دائرة بنك أهدافها المحتملة، حاملة الطائرات الأمريكية المتمركزة في عرض بحر عمان، بالإضافة إلى المرافق النفطية السعودية والإماراتية في الجانب المقابل، ناهيك عن القاعدة الأمريكية قرب مضيق هرمز ناحية الفجيرة!
من هنا لا بد من رسائل إيرانية استباقية رادعة لتحديد ملامح أي حرب محتملة قادمة، حتى تبين طهران مدى جديتها في التصدي لأي هجوم محتمل دون أي تردد، بدلالة ما قامت به جماعة أنصار الله الحوثية المدعومة إيرانياً التي أرسلت عبر الأجواء السعودية ولمسافة 1000كلم سبع طائراتٍ حوثية مُسيّرة ومُلغّمة، وأصابت محطتين لضخ النفط غرب السعودية، وأشعلت فيهما النيران. وقد صعدت تلك الرسائل حالة التوتر في منطقة الخليج العربي برمته، حيث اصابت الطائرات أهدافها بدقة، وضربت أهدافًا اقتصاديّةً استراتيجيّةً، وأثارت قلق معظم العاملين في قطاع النفط داخل السعودية وخارجها، لأنها خلقت بلبلة في أسواق النفط العالميّة، ورفعت الأسعار بأكثر من واحد بالمئة، وأغلقت خط “بترولاين” السعودي الذي ينقل النفط الخام السعودي من منابِعه في الشرق قرب الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر جهة الغرب وأثرت سلبياً على مؤشرات البورصة الخليجية منذ تفجيرات الأحد في ميناء الفجيرة قرب مضيق هرمز.
وفي سياق التداعيات الأخيرة بين أمريكا وإيران فمن المؤكد أن القصف الحوثي الأخير الذي جاء بعد تفجيرات الفجيرة (لو ثبتت علاقة إيران بها) يأتي في سياق الرسائل الإيرانية الموجهة إلى ترامب وحلفائه في الخليج كي يقدروا حجم الخسائر المادية المحتملة في أية مواجهة مقبلة، حينما يروا بأم أعينهم أن طائرة الدورنز المسيرة التي لا تتجاوز كلفتها ال 300 دولار تستطيع تدمير مرافق سعودية حيوية فتكبد الخصم أموالاً طائلة.. وهي طائرات لا تعترضها إلا صواريخ “الباتريوت” حيث تكلفة الواحد منها تساوي 4 ملايين دولار.. مع احتمالية الفشل في رصد هذه الطائرات المتطورة التي يدعي الحوثيون بأنهم يمتلكون تقنيات تصنيعها.
علماً بأن الدفاعات الجوية الحوثية أسقطت يوم أمس طائرة تجسس سعودية مسيرة جنوب صنعاء من نوع “إم كيو 1″امريكية الصنع.. ما يعني أن ذراع إيران طائلة وبوسعها ضرب الأهداف الأمريكية في منطقة الخليج بسهولة وإصابتها بأضرار مادية وبشرية جسيمة .
إن تبادل الرسائل بين أمريكا وإيران على هذا النحو سيؤدي إلى مواجهات محدودة، ومرشحة لأن تكون الشرارة لإشعال فتيل الحرب المدمرة في منطقة الخليج وهو ما تتمناه “إسرائيل” (المتهة هي الأخرى في تفجيرات ميناء الفجيرة) التي لا بد وتشارك فيها بقوة.. بينما الخاسر الأكبر ستكون الدول العربية على رأسها السعودية والإمارات.
١٥ مايو ٢٠١٩