لماذا خرج اليسار من ثورات الربيع العربى أكثر ضعفا ؟!
بقلم / ياسر رافع
إن إعتقال ” لويزه حنون ” زعيمة حزب العمال الجزائرى الذى يتبنى الأفكار اليساريه التروتيسكيه ، بجانب رموز النظام الحاكم السابق فى الجزائر بتهم التآمر ضد سلطة الدولة والمساس بسلطة الجيش ، كان يمكن أن يمر بإعتبار أن فساد الأحزاب فى فترات ما قبل الثورات هو شائع وجائز فى غالبيه الأحزاب خصوصا إذا كانت متماهيه مع الأنظمه التى ثار عليها الشعب ، لكن أن يكون هذا الحزب يساريا ويحمل تاريخا نضاليا طويلا وممتدا وعلى رأسه شخصيه نضاليه بحجم ” لويزه حنون ” فهنا يجب أن نقف ونقول ماذا حدث ؟!
وفى السودان ومع بدايات الحراك الشعبى ضد نظام البشير منذ نهاية العام الماضى وحتى سقوطه بدا أن صعودا للتيار اليسارى والشيوعى قد أصبح لافتا للمتابعين وأصبحت شعارات اليسار جاذبه للشارع وللشباب لكن مع توالى الحوادث بعد عزل البشير فقد أصبح التراجع السمه الأساسيه لصالح قوى غير محددة الملامح والإتجاهات الإيديولجيه كقوى ” التغيير ” التى ينضوى تحت لوائها أطيافا متعدده ، ومع ضغط واضح من شارع الإسلام السياسى الذى وصف الثوره كمحاوله شيوعيه لخطف السودان الإسلامى ويبدوا أن هناك فى دائرة الحكم من يساعد فى هذا الإتجاه . وخفت صوت اليسار السودانى .. لماذا ؟!
وفى عوده للوراء قليلا ومع بدايات الربيع العربى فى تونس ومصر كان اليسار وشعاراته هى المحرك الأول لحركة الشارع وهو ما جعل اليسار يشعر وكأنه يحرك الأحداث والقادر على إعادة ترتيب الأوضاع فى مرحلة ما بعد الثوره وقد كان هذا وهم كبير يضاف إلى أوهام اليسار الكثيره ، فلم تكد تمر الشهور حتى وجد اليسار أنه ليس الحاكم أو الفاعل الرئيسى فى الأحداث وأن هناك من يستغل شعاراته لتمرير أجنده معينه لم يكن من بينها وجود اليسار كفاعل أساسى فى ترتيبات مرحلة اما بعد الثورة ولهذا نجد أن اليسار المصرى إختفى سريعا من المشهد كتنظيم موحد وظهرت فعاليات محدوده له ولكنه فى النهايه أختصر فى شخوص معينه عبرت عن نفسها بقدر ما عبرت عن تيار اليسار بعامه ، وحدث مثل ذلك فى تونس بل تطور الأمر إلى قتل القيادى اليسارى الكبير ” شكرى بلعيد ” ليعلن أن تراجع اليسار فى كلا الدولتين لصالح تحالف اليمين والسلطه حتى إشعارا آخر .

ما الذى حدث لليسار العربى ! ولماذا هذا الإنكفاء الذى يقوض حيوية اليسار ؟

لا يمكن فهم ما حدث لليسار العربى إلا إذا توقفنا عند مراحل تطور اليسار خلال الفتره الممتده منذ فترة التحرر الوطنى فى خمسينيات القرن العشرين وحتى الآن ، وسنأخذ اليسار المصرى كمثال للتدليل على ما حدث لذلك التطور . فهناك خمس مراحل أساسيه شكلت النهاية المأسويه التى يعيشها اليسار الأن .

المرحله الأولى : وهى المرحله التى تعتبر المرحله الذهبيه لليسار المصرى وهى التى كانت قبل التحرر الوطنى حيث وجد اليسار من المساحه الحركيه والإنتشار داخل المجتمع ما جعله يعتقد بإمكانيه تغيير الأوضاع الملكيه الإقطاعيه ولكنه فوجئ بهجوم مضاد من القصر الملكى وتيار الإسلام السياسى الوليد المتعاون معه جعله يفقد مساحات لكنه لم يفقد توازنه حتى قامت حركة يوليو 1923 والتى كان اليسار ببعض الضباط المنتمين له حاضرا فيها ولكن على المستوى الإيديولوجى لم يكن له اليد العليا .

المرحلة الثانيه : وتلك المرحله مثلت الجانب الأعظم تأثيرا فى اليسار المصرى ، حيث دخل اليسار فى صدام مبكر مع السلطه الجديده ممثلا فى ضباطه فى حركة يوليو 1952 _ خالد محيى الدين مثالا _ والتنظيمات اليساريه وإمتدادتها على الأرض حيث تصادمت الرؤى والأفكار الأمميه لليسار مع الأفكار القوميه للنظام الجديد والتى كان يراها أفكارا يمينه لا تحقق أهداف الشعوب وهو ما عجل بسقوطه بين براثن تحالف السلطه مع الإسلام السياسى وزج به إلى غياهب السجون ، ذلك التحالف الذى سرعان ما إنفك عراه ولحق الإسلام السياسى باليسار فى غياهب السجون أيضا . وقد عبر الرئيس ” عبد الناصر ” عن تلك المرحله بقوله ” إن الشيوعيين عندهم أفكارا جيده لكنى أختلف معهم فى أمرين ، الأول موقفهم من الدين والثانى الأمميه التى تتجاوز الوطنيه ”
ولكن حدث تطور لافت داخل السجون حيث حدثت نقاشات بين التنظيمات اليساريه بجميع أطيافها فيما يمكن أن نطلق عليها ” المراجعات الفكريه ” والتى كانت من نتائجها أن إنضمت تنظيمات يساريه وشخصيات لها صقلها فى اليسار إلى التنظيم السياسى لنظام يوليو 52 ” الإتحاد الإشتراكى ” وهو ما مكنهم من تولى وزرات داخل النظام الناصرى وكانت حجتهم أمام من رفض من اليسار الإنضمام إليهم أن نظام الرئيس ” عبد الناصر ” حقق جزءا كبير مما كنا نحلم به وأننا بإنضمامنا إليه نستطيع تغيير نظامه من الداخل لصالحنا ، وكان هذا أكبر إنشقاق وأكبر وهم فى تاريخ اليسار المصرى سيظل يعانى منه حتى النهايه .

المرحله الثالثه : وهى التى بدأت مع تولى الرئيس ” السادات ” الحكم والذى دشن لمرحله جديده فى التعامل مع اليسار الذى ظن وهما أنه قادر على ترويض الرئيس الجديد بعد رحيل ” عبد الناصر ” القوى الذى إستطاع لجمه بالتعاون مع الإسلام السياسى فى البدايات ، وكانت حجة اليسار فى ذلك أنه بعد أن فرغت الساحه من تيار الإسلام السياسى القابع فى السجون منذ عهد عبد الناصر ، فقد أصبح قوة كبيره تحرك الشارع والطلبه والعمال وقد كانت مظاهراتهم قبل حرب أكتوبر 73 إختبار صعبا لرئيس لا يجد غير فصيل سياسى واحد قادر وفاعل ولا يقف إلى جانبه ، مع إنتصار أكتوبر73 تغيرت الأوضاع وأصبح السادات قويا يمتلك شرعيه جديده ولكن ينقصه فصيل سياسى يسيطر به على الشارع ويحجم تنامى اليسار والقوميين فكان أن أعاد إنتاج حالة الإسلام السياسى الذى أطلق سراحه من السجون بل وشارك فى صنع فصائل جديده وماهى إلا سنوات معدوده حتى بدأ إنحسار اليسار تحت وطأة تحالف السلطه وتيار الإسلام السياسى ، وكان من نتيجة ذلك إنقساما آخر لليسار لا يقل خطورة عما حدث أيام ” عبد الناصر ” فقد ظهر فصيل يسارى يقول بمبدأ توفيقى جديد يجمع ما بين الأفكار اليساريه والأفكار الدينيه فيما عرف ” باليساريه المؤمنه ” ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل أن كثيرا من شباب اليسار إنضموا إلى تيار الإسلام السياسى الأكثر راديكاليه مثل عاصم عبد الماجد ، وعصام درباله اللذين ينحدران من أصول يساريه واللذين إنضما إلى الجماعه الإسلاميه وكتبا فيما بعد بحثا بعنوان ” القول القاطع فيما إمتنع عن الشرائع ” والذى دشنا فيه ما عرف بسياسه ” كنس السلم ” من أعلى والتى أدت إلى العنف ضد الدوله . وعلى الرغم من تحول اليسار بجميع أطيافه إلى حزب سياسى ” التجمع الوحدوى ” إلى أنه قد فقد كثيرا من الدماء والحيويه جعلته مع نهاية عصر السادات منهكا لدرجه كبيره .

المرحله الرابعه : والتى شكلت صعودا كبيرا لظاهرة الإسلام السياسى على مستوى المنطقه العربيه والعالميه والتى لعب فيها هذا التيار دورا كبيرا فى تشكيل سياسات عبر تحالفات مع أنظمه محليه وعالميه ، وتلك الفتره بدأت فى نهاية عصر السادات لكن شهدت أوجها فى عصر ” حسنى مبارك ” وهذه الفتره شهدت تراجعا كبيرا لليسار بعدما إعتمد نظام ” مبارك ” على إطلاق يد الإسلام السياسى فى الشارع عبر سياسه ” الحكم لنا والشارع لكم ” والتى كان من نتيجتها أن تقلصت مساحة اليسار أكثر فأكثر تاركا الساحه أمام تحالف السلطه وتيار الإسلام السياسى وأصبح لا حول له ولا قوه على الرغم من ظهور أحزاب كثيره تنضوى تحت الفكر اليسارى ولكنها جميعا ليس لها وجود مؤثر على أرض الواقع ، مما جعل معظم الأحزاب اليساريه ورموزها الحزبيه تتماهى مع النظام الحاكم لعل وعسى تقاوم التراجع المخيف لشعبية اليسار فى الشارع المصرى . ومع نهاية عصر ” مبارك ” وفى أحداث المحله الكبرى 6 إبريل 2008 والتى كانت إيذانا بنهاية نظام مبارك ظن الجميع أنها عوده قويه لليسار ولكن للأسف كانت لا تعدوا كونها تدشين لقوى جديده من الشباب إستطاعت بعد أقل من ثلاث سنوات أن تتطيح بمبارك ونظامه .

المرحله الخامسه : وهى المرحله الحاليه والتى تلت ثورات الربيع العربى حيث يعانى اليسار المصرى من عوارض الإنقسامات التى حدثت بعد ثورة يوليو 52 ونظام الرئيس ” عبد الناصر ” ، والإنقسامات والإنشقاقات التى تمت فى عهد ” السادات ” تحت وطأة تحالف السلطه وتيار الإسلام السياسى التى وصلت إلى الحد أن ينضم شباب اليسار إلى تيار الإسلام السياسى فى ظاهره لم يجد لها أحدا تفسيرا حتى الأن وأصبح سؤال ” لماذا يتحول اليساريين إلى تيار الإسلام السياسى دون غيره من التيارات الفكريه الأخرى ؟ ” سؤالا بلا إجابه إلى يومنا هذا . وكذلك فتره التماهى مع السلطه الحاكمه أيام مبارك والتى شهدت تضييقا كبيرا عليه من أجل البقاء على الساحه وإعتبار هذا التماهى نوع من المقاومه ضد تيار الإسلام السياسى . كل هذا مغلف بغياب طويل لليسار عن الشارع المصرى نتيجة فقر تمويله والذى حد من حركته وإكتفاءه بترديد وترويج شعاراته فقط والتى كانت لا تسمن ولا تغنى من جوع أمام نشاط إجتماعى واسع لتيار الإسلام السياسى الذى يحمل الملايين والمليارات التى مكنته من الإستحواذ على مساحة شاسعه من الشارع المصرى مكنته فى النهايه من ترويج أفكاره وأيديولويجيته جعلته فى صدارة المشهد بعد ثورات الربيع العربى .

بعد هذا السرد للمراحل الخمسه يطفو على السطح تساؤلا ” أين اليسار الآن ؟! “

الإجابه محزنه إن اليسار الأن يستخدم كمبرر إيديولوجى للصراع بين السلطه الممتده منذ حقب قديمه وتيار الإسلام السياسى الذى تجرأ على تخطى قواعد اللعبه المستقره منذ سنوات طويله ، فنرى السلطه فى الجزائر تقدم رئيسة حزب العمال اليسارى للمحاكمه ليس كنهاية لفترة تعاون بينهما بل إرضاءا ومغازله لتيار الإسلام السياسى الذى تريد السلطه من خلال ذلك منع الصدام معه كما فى العشريه السوداء فى تسعينيات القرن الماضى . وفى السودان نرى سلطة المجلس العسكرى الإنتقالى تقول بأنها رفضت مقترحات قوى التغيير ويصر أن يجعل من الشريعه الاسلاميه مبدأ أساسى للتشريع ليس حبا فى الشريعه ولكن لمغازلة تيار الإسلام السياسى وتحجيما لدور اليسار وقوى التغيير الذين أطاحوا بنظام البشير .
اليسار يعانى جراحا عميقه أقعدته على فراش الموت فى فتره تاريخيه مفصليه ، وتحول لمجرد شخوص تظهر هنا وهناك على كامل مساحة الوطن العربى وهى رموز لا تعبر فى كثير من الأحيان إلا عن نفسها ، وشباب اليسار حائر لا يجد إجابات واضحه عما يجرى أمامه من أحداث .
هل يعود اليسار إلى مكانته الطبيعيه داخل منظومة الأفكار داخل المجتمع مرة أخرى ؟! على المدى القريب أشك !!
‎2019-‎05-‎21