لهذا السبب نحتفظ بحق الرد! وهذا هو الوقت المناسب؟
فهد الطاهر
سؤلت كثيراً لماذا لا ترد إيران؟ ولماذا لا ترد سوريا على الإعتداءات الصهيونية؟ ولكثرت الإعتداءات، الذي كان أخرها أمس. أصبحت عبارات (نحتفظ بحق الرد) و (سنرُد بالوقت المناسب) عبارات انتقاص يستخدمها البعض للتقليل من شأن “حلف المقاومة”. بهذا المقال سأقدم الإجابة على هذه الاسئلة!
بدايةً، لا توجد دولة عُضّمى، بل يوجد دولة قوية بنقاط ضعّف – كما لكل بداية نهاية ايضاً. وإدارة الحرب الحقيقية تتلخص بتمكننا من تحييد نقاط ضعفنا، وضرب نقاط الضعف عند العدو. ولكن التعامل مع العدو عند وجود فارق ضخم بالقوة النارية و الإقتصادية مع شبه انعدام لغطاء سياسي ودبلوماسي قادر على تغطية الحرب بسبب الدعم الغربي الغير مسقوف لكيان العدو يقتضي اسلوباً مختلفاً بالتعّامل التقليدي مع الأعداء. ونقصد هنا أنّ هذه الإعتدائات غربية المنشأ والأهداف و “إسرائيلية” التطبيق حتى مع موجود مصلحة لكيان العدو بها.
لهذا يجب أنّ نقوم بتذكير السائليين و المنتقصين من قوتنا و قدرتنا على التعامل مع هذه الإعتداءات بأننا نتعامل و نُعالج إستراتيجياً حرب كونية من (الجيل الرابع للحروب)، والتفكير و التنظير بالطريقة العسكرية التقليدية، ستُنتج رأياً مبتوراً و منقوص علمياً.
لذلك، و لمجابهة تكتيكات هذا الجيل من الحروب، تطور الفكر العسكري ليكون الهدف بالحرب ليس “تدمير العدو”، بل إرهاق قوته العسكرية تكتيكياً بشكل تراكمي للحصول على تنازل سياسي مرحلي للوصول إلى تغيير إستراتيجي يتمثل بمكتسبات سياسية و أملاك لصالحنا نستطيع الحفاظ عليها بعد المعارك، أي (تحرير أراضي).
لهذا السبب القاعدة الرئيسية التي قام الجيش العربي السوري و الحلفاء التخطيط على أساسها، لخوض هذه الحرب الكونية هي:
1) إستعادة السيادة على الأراضي بأقل خسائر (إقتصادية و بشرية) ممكنة مع الاحتفاظ بالقوة الكامنة لحرب شاملة مع “كيان العدو” مع مراعاة عدم الجمع بين الحربيّن مطلقاً.
2) الإبقاء على “الأمّل” لمرتزقة العدوان وهذا تفسير القيام بالمصالحات وتأييد التسويات بموازاة العملية الديبلوماسية. فالمرتزقة عند ضغط الحرب يفقدون نفس القتال بوجود أمل بالنجاة، كما أنّه من الخطأ القتال مع من لا يملك شيئا ليخسره، فلا يظن أحد بأنّ هذا دليل ضعف عسكري للجيش العربي السوري، بل بعد نظر مبيّن سيكتب عنه التاريخ كثيراً.
وبسبب وجود فجوة تكنولوجية بنوعية القوة النارية مع وجود غطاء سياسي ودبلوماسي واقتصادي مطلق لكيان العدو، من الخطأ خوض جولة تصعيدية (كغزة على سبيل المثال). فهذه الفجوة يتحتم علينّا ردمها بالكثافة النارية الشديدة بالإضافة للقصف النوعي. و ما أقصده هنا لنستطيع الحصول على نتائج قادرة على تغيير الواقع الميداني لصالحنا، أي معركة بين الجيش العربي السوري وكيان العدو يجب أنّ تكون حرباً شاملة وقوية و مركزة لأن القيام (بجولات تصعيدية) ستكون لصالح العدو عسكرياً.
لهذا السبب كان الرد السوري دائماً محسوباً لردع العدوان بضربات موضعية خفيفة لعدم الانجرار لمعركة شاملة إلى حين الإنتهاء من الوضع الداخلي بالبلاد، الذي بدأ يتغير الآن. أي الردود ستأخذ طابعاً تصاعدياً بالتزامن مع تحسن حالة الميدان. فالدخول بحرب بدون الحصول على مكتسبات قادرين على التمسك بها والحفاظ عليها بعد الحرب، تكون حرب عبثية لا مصلحة لنا بها، بل من الممكن أنّ تحقق الكثير من أهداف هذه الحرب وذلك بتقديم إسناد عسكري غير مباشر للجماعات الإرهابية تحت غطاء الحرب.
فقياس الأمور على جبهة العدو الجنوبية في غزة تختلف عنها بالشمال والشمال الشرقي، بل عكسها تماماً. نحن نتحدث عن دولة لديها وضع عسكري داخلي وليس فصائل مقاومة في دولة تحت إحتلال. وما أقصده هنا بأنّه (الجولات التصعيدية) عسكرياً من صالحلنا هنّا بفلسطين، والحرب الشاملة هي من صالح كيان العدو. مع الأخذ بعين الإعتبار، أنّ الفجوة التكنولوجية، والقوة النارية بين حلف المقاومة ككل وبين كيان العدو ومن خلفه يتم ردمها ببناء صامت سيفاجئ العدو عند إتخاذ القرار بساعة الحسم.
ختاماً: إتخاذ قرار الحرب و نوعية الرد تحددها عوامل عدة ومن أبرز هذه العوامل على الإطلاق توقيت ساعة الحسّم لأن، بعد أنّ ضعُفت قدرت كيان العدو على تنفيذ ضربات أولية قوية مصاحبة لعنصر المفاجئة، حيث كان هذان عنصران مهمان يتحلى بهما جيش كيان العدو.
فمنظومة جيش كيان العدو تستطيع هزيمة الجيش العربي السوري على الورق والخطط العسكرية التي تُنّتَج آلياً من أجهزة الكمبيوتر، ولكن لا تستطيع أن تجابه منظومة الجيش العربي السوري الذي تحوّل من هيكلية نظامية مملة تقوم بحساب عدد الضباط و الأفراد و السرايا والكتائب والربح والخسارة بالمعارك “بالآلة الحاسبة” كبقية جيوش العالم، إلى منظومة سريعة رشيقة أُلبَست بشكل إعجازي عقلية القوات الخاصة بحرب الشوارع لمنظومة جيش نظامي كامل بدون نماذج سابقة لجيوش أخرى وأحدثت تطوراً إستراتيجياً للمدرسة العسكرية العربية السورية وما رافق ذلك من نقل خُبُرات “وأسلحة نوعية جداً” لحزب الله في لبنّان.
لهذا السبب نحتفظ بحق الرد، والوقت المناسب سيكون عند جهوزية بيئة الميدان لحرب شاملة مع كيان العدو، ولا يعتقد أحد بأنّ إعتداءات كيان العدو ستمر بدون رد على كل اعتداءاته بأثر رجعي عند قدوم ساعة الحسم.
ولا تخطئوا التقدير مرة أخرى، فساعة الحسم إقتربت أكثر من أي وقت مضى.
‎2019-‎05-‎20