ظهور البغدادي بين كلماته والمكان الذي يتواجد فيه
حسين مرتضى
في هذه المنطقة من العالم ما زال الارهاب يعمل بلا كلل او ملل، بعد ان قطعت ذراع المخلوق الداعشي الغريب في العراق وسوريا، عاد الارهابي الاكبر خليفة الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة ابو بكر البغدادي ليحاول ايصال رسائل عدة لأتباعه على وجه التحديد، ولمن يبحث عن رأسه، ناشرا ثقافة القتل والذبح اينما حل متدثرا بدثار الدين وملتزما بالمخطط الامريكي في المنطقة.
اعصار الهزائم المتلاحقة للتنظيم الارهابي في بلاد الرافدين وسوريا، كانت له ارتدادات على كل المنطقة والعالم، بعد ان اجتمعت دول محور المقاومة على كلمة سواء ان لا مكان لشرذمة البغدادي، فكان لا بد من الجزء الثاني من الحرب التي تقودها واشنطن، وهي حرب الاستنزاف التي حاولت تسويقها من خلال شريط مصور لابي بكر البغدادي، ليقول ان هناك افتتاح مرحلة جديدة من العمل الارهابي.

في التدقيق بالشريط المصور، وردت دلالات كثيرة يجب التوقف عندها، منها ما يخص لغة الجسد والمكان والزمان، ومنها ما يخص الخطاب الموجه، فخلال التسجيل ظهر البغدادي ضعيفا من الناحية المعنوية، بل كان الارباك واضحا عليه من خلال حركات يديه ورأسه، وتجنبه النظر الى الكاميرات، مع ثقل واضح في حركة يده اليمنى، وعدم قدرته على الالتفات إلى جهة اليمين، اما على صعيد مظهره الخارجي فقد بدا بلحية طويلة بيضاء و”الحنة” تكسو أطرافها، واضعا كوفيه سوداء على رأسه، مع بدانة واضحة في جسده ما يشير الا انه لم يكن محاصرا في منطقة الباغوز في ريف دير الزور السورية، مع ملاحظة ان البدانة تدلل على عدم تنقله الدائم، والبياض في كفوف يديه يخبرنا انه لم ير الشمس منذ مدة ، وانه من المحتمل ان يكون في مكان مظلل اعد له سابقا، كما شاهدنا انه يفترش الأرض والى جانبه سلاح من نوع كلاشنكوف وجعبة، على طريقة اسامة بن لادن في دلالة واضحة للعودة الى اسلوب بن لادن في العمل، واسترجاع الصورة العالقة في اذهان الجميع عندما كان يظهر فيها بن لادن في جبال “تورا بورا”، بالاضافة الى ذلك تحدثه بطريقة بطيئة تدلل على مدى الارباك في قدرته على اختيار الكلمات، أما ثيابه كانت شتوية لا تتناسب مع طبيعة الطقس ما يدلل على ان هذا الشريط كان قد سجل في منطقتين باردتين في هذا التوقيت او قبله بفترة، ومن المرجح ان تكون تلك المناطق قريبة من جبال سنجار او تلعفر غرب الموصل.

أما الاشخاص من حوله، فبدا واضحاً انهم كانوا يرتدون الزي المتبع في مناطق غرب العراق وشرق سوريا، من خلال الكوفية الموضوعة على الرأس والعقال الذي ظهر به احد الارهابيين، بينما بملاحظة بسيطة لنوعية الفراش الموجود، فإن هذا النوع من الفراش يستخدم بكثرة في مناطق الموصل العراقية، وحتى القماش المصنوع منه الفراش، مشهور ومعروف انه من انتاج مصنع سوري في حلب، كان يورد للعراق حتى عام 2013، ما يدلل ان البغدادي لم يتجاوز دائرة المنطقة الممتدة من التنف السورية والموصل العراقية وتحت وصاية ورعاية الامريكي هناك. وعبر التحليل الدقيق لتقنية التصوير، نرى ان التنظيم اعتمد اسلوبه المعتاد بتقنية صورة عالية واستخدامه لواقط صوت حساسة، بالاضافة الى توزيع دقيق واحترافي للاضاءة، ما شكل زخم اضاءة للقماش الابيض الذي غطى جدران الحجرة الموجود فيها.
إن توقيت بث التسجيل المصور يأتي ضمن محاولة الولايات المتحدة الامريكية التسويق ان تنظيم “القاعدة” ما زال يهدد العراق وسورية، وان الخطر يلزم قوات التحالف البقاء في المنطقة، فالشريط المصور يتجاوز فكرة ان البغدادي مازال حياً، الى رسائل تدلل على ان المرحلة المقبلة هي مرحلة تسعى من خلالها الولايات المتحدة الامريكية البقاء الدائم في سماء وارض المنطقة.
إن التاريخ القريب يعيد نفسه، المال والسلاح والارهابييون حاضرون، وإذا ضعف بنيان التنظيم الارهابي بفضل ضربات الجيش السوري والعراقي والحلفاء فإن أميركا تعيد من شد عصب الارهابين لتبرير وجودها واحتلالها للمنطقة.
‎2019-‎05-‎03