متى يعي حكام عراق ما بعد 2003 مكانة وقوة هذا البلد العريق؟

سعد ناجي جواد
سألني عدد من الإخوة الأعزاء بعد مقابلة تلفزيونية عن جملة رددتها آنذاك قلت فيها ان العراق الان بلدا قويا الا ان ساسته الحاليين لا يعون حجم هذه القوة ومقدار تأثيرها، واضيف الى ذلك الان انهم يصرون على التعامل مع العراق كبلد ضعيف وكذيل وليس كراس يُفتَخر به. وكان ردي عليهم انني كنت اقصد تماما ما اقول، ولتوضيح هذا الرأي سأحاول ان اشرح ما قصدت.

ابتداءا لابد من القول ان العراق منذ تشكيل حكومته الوطنية الاولى في ظل الاحتلال البريطاني في عشرينيات القرن الماضي، لم يكن بالضعف والاستباحة التي هو عليها ومنذ احتلال عام 2003. ففي عز الاحتلال البريطاني وقف المرحوم الملك فيصل الاول مواقف رفض فيها الخضوع للمندوب السامي البريطاني، ووقف المرحوم نوري السعيد مواقف مشابهة، مثل رفضه مقترح حل الجيش العراقي بعد ثورة مايس 1942. واذا كان لابد من العودة الى التاريخ القريب للتذكير بدور العراق الريادي على المستوى العربي والاقليمي، وبغض النظر سواء اتفقنا او اختلفنا مع الحكام والحكومات التي حكمته، فان العراق كان اول دولة عربية تحصل على استقلالها من الاستعمار البريطاني عام 1932، وأول دولة تُقبل في عصبة الامم، ثم من الدول المؤسسة لمنظمة الامم المتحدة. ومنذ ان نال الاستقلال لعب العراق دورا مشهودا في حصول دول عربية اخرى على استقلالها. ولمن لا يعرف فان لرئيس وزراء العراق الأسبق في العهد الملكي المرحوم الدكتور فاضل الجمالي موقفا لا يمكن ان ينسى مع قائد حملة المطالبة باستقلال تونس آنذاك المرحوم الحبيب بورقيبة، وذلك عندما كان الجمالي في عام 1954 يهم بالدخول الى مبنى الامم المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة، شاهد السيد بورقيبة وهو يُمنع من دخول المبنى لطرح قضية بلده بدعوى انه لا يملك تصريحا بالدخول، فما كان من المرحوم الجمالي الا ان رفع تصريح الدخول (الباج) من على صدر احد أعضاء الوفد العراقي المرافق له ووضعه على صدر بورقيبة وادخله الى الجمعية العامة ضمن الوفد العراقي، وقدمه كممثل ل (تونس الحرة) الى ممثلي دول العالم، وانسحب الوفد الفرنسي غاضبا من الجلسة، ثم ثَنَّى الوزير الجمالي على مطلب بورقيبة ودعمه. وكانت تلك الخطوة الاهم في استقلال تونس. ثم تبنى هو باسم العراق بعد ذلك مسالة استقلال ليبيا ودعمها حتى نالت الاستقلال، ووقف العراق مع ثورة الجزائر منذ بدايتها. ولا يزال الجزائريون يتذكرون بفخر واعتزاز موقف النظام الجمهوري بعد 1958 من ثورتهم والدعم الكبير بالسلاح والمال الذي قدمته لهم. ثم تكررت الامور مع دول الخليج في سبعينيات القرن الماضي. اما اقليميا فان العراق تبوأ باقتدار مركز القيادة، وخير دليل على ذلك هو انه عندما ارادت الولايات المتحدة وبريطانيا إقامة حلفا عسكريا يضم تركيا وايران وباكستان جعلته بقيادة العراق وحمل اسم حلف بغداد، وهذا كان اعتراف دولي واضح بمكانة العراق الإقليمية. كما كان العراق صاحب فكرة تأسيس منظمة أوبك، وكانت بغداد محتضنة اجتماعها التأسيسي. الى غير ذلك من المواقف الريادية.

ولما قامت الثورة الاسلامية في ايران واعتمدت مبدأ تصدير الثورة الاسلامية كان العراق الجدار الصلب الذي وقف في وجه هذه الأفكار وحمى دول الخليج كافة من خطر السقوط بفعل هذا المبدأ، وليس العكس كما صرح السيد روحاني موخرا. كما ان العراق كان ولا يزال الدولة الوحيدة من غير دول المواجهة الذي شارك في كل حروب الأمة العربية مع اسرائيل، والدولة الوحيدة من الدول المشاركة في الحروب التي رفضت توقيع هدنة او معاهدة صلح مع اسرائيل. وما كانت المخططات لاحتلال و تدمير العراق لتوضع لولا معرفة واضعيها بمكانة العراق وقدراته. وربما من المفيد التذكير بما قالته وزيرة خارجية أميركا الأسبق مادلين اولبرايت، عندما سئلت هل هناك ما يبرر استمرار محاصرة وتدمير العراق بعد ان ثبت ان البلد لا يمتلك أسلحة دمار شامل فكان ردها ( نعم هذا صحيح ولكن العقول ما زالت موجودة هناك).

بعد عام 2003 انقلبت الصورة ووصل الحكم من يشعر انه قد تبوأ المنصب بفضل هذه الدولة او تلك، وان بقاءه فيه يعتمد على جعل البلاد تابعة لهذه الدولة او تلك. وللعلم فان هذا الامر لا يقتصر على من يدعون بانهم يمثلون مكونا واحد او معينا من مكونات الشعب العراقي، وإنما ينطبق على كل ممثلي المكونات الاخرى، فمثلما هناك قسم يعتبرون ايران هي مرجعيتهم وأنهم يجب ان يفعلوا كل ما في وسعهم لإرضائها حتى وان كأن ذلك على حساب سيادة و مصلحة العراق وشعبه، فان هناك من يعتبر تركيا كذلك، واخرون ينظرون لدول الخليج بنفس النظرة، وقسم رابع ينظر الى الولايات المتحدة الامريكية بنفس الطريقة، لا بل ان هناك من قيادات الأحزاب الحالية من يتعامل مع اسرائيل بنفس الأسلوب ولا يترددون في ان يقدموا مصلحة هذا الكيان الغاصب على مصلحة العراق. المضحك المبكي ان هؤلاء الساسة لا يزالون يتصرفون بهذه الطريقة حتى بعد ان أظهرت تطورات الامور الحالية في المنطقة ان جميع الأطراف المحيطة بالعراق، وحتى الولايات المتحدة، هم اليوم بأمس الحاجة للعراق، و مع ذلك بقي سياسيو العراق يتعاملون مع هذه الأطراف من موقف ضعيف او ذليل او كأنهم يستجدون من هذه الأطراف.
ولحد الان ظهر انهم غير قادرين على استيعاب حقيقة انهم يمثلون دولة بحجم العراق، او على فرض المصلحة الوطنية على الدول التي هي بحاجة للعراق، و التي طالما اضرت بمصالحه في الفترة السابقة. فعندما تطلب منهم الولايات المتحدة ان يمتنعوا عن استيراد الغاز الايراني لأغراض الطاقة الكهربائية يقولون نعم، مع علمهم بان هذا الامر سيكون له تأثير كارثي على العراقيين مع اقتراب فصل الصيف، ولا يوجد من بينهم من يقول للسيد ترامب ان بلدك هو من دمر البنية التحتية ومعها محطات الكهرباء العملاقة، واذا كنت تريد منا ان نلتزم بقراراتك الاعتباطية فتفضل وأرسل اكبر واهم شركات الطاقة في بلدك لكي تعيد لنا الكهرباء، كمثل بسيط على ما يتوجب على امريكا فعله بعد ما دمرت البلاد وقتلت العباد. ولا يقولون لايران التي تستجدي تضامن العراق الذي هي بأمس الحاجة اليه، ان اوقفي تدخلاتك الفجة في العراق وأوقفي الدعم الذي تقدمينه للمليشيات التي تعبث بأمن وسلامة المواطنين الأبرياء، وتوقفي عن قطع الموارد المائية من الوصول للأنهار العراقية او عن اغراق العراق بمياه المبازل المالحة او السماح بتهريب السموم التي انتشرت بشكل غير مسبوق في العراق. او على الأقل يطلبون منهم اعادة ممتلكات العراق التي ارسلت لهم كأمانة وصادرتها ايران. وهم ليسوا فقط لا يقولون ذلك بل يظهر علينا من يصرح بانه مستعد لكي يأخذ العراق الى حرب مدمرة ليقف الى جانب ايران.
وكذلك الامر مع تركيا التي تحتاج العراق لمحاربة المنظمات التي تشن هجمات داخل تركيا، لكنها تصر على اختراق سيادة العراق بقواتها العسكرية، ولا تحترم حاجة العراق والعراقيين الى الموارد المائية و يتصرفون بها بطريقة تجلب الجفاف للأراضي الزراعية في العراق. في حين ان امثالهم من الصنف الاخر يفرحون ويهرولون الى دول الخليج عندما تلوح لهم بمساعدات لا تُسمِن ولا تُغني من جوع، ولا يقولون لهذه الدول بان العراق مع امتنانه لمساعدتكم ألا إن لديه حقوقا قد غُمِطت من قبل دولكم بدعوى محاربة النظام السابق، فلدينا أنبوبا للنفط أُنشِأ باموال العراق، وبموجب اتفاقية رسمية، قد تمت مصادرته وإغلاقه بدون وجه حق، مما سبب خسارات مادية كبيرة للعراق، وانكم يا دول الخليج الشقيقة قد فرضتم علينا ديونا ظالمة، وهي ليست ديون وإنما كانت أموالا مترتبة عن تصدير نفط لصالح العراق اثناء الحرب مع ايران على ان يقوم العراق بتصدير نفس الكميات لصالحكم بعد الحرب، وانكم لا تزالون تستقطعون منا تعويضات بالمليارات أنتم تعلمون جيدا انها ظالمة وضُخِّمت الآف المرات، وانكم تحاولون ان تبنوا ميناءا يساهم في خنق المنفذ البحري الوحيد للعراق، وبأنكم تدعمون الأحزاب الحاكمة في اقليم كردستان العراق اكثر مِمَّا تدعمون باقي مناطق العراق، وآخر هذا الدعم غير المبرر هو تغطية تكاليف الاستفتاء الذي كانت بعض الأطراف الكردية تريد الاعتماد على نتائجه من اجل الانفصال عن العراق. واخيرا عليهم تذكير الاشقاء جمعيا بحقيقة انهم تعاونوا على أضعاف العراق وسكتوا على تدميره وكانت النتيجة انهم جميعا أصبحوا ضعفاء ومهددين بعد تدمير العراق واحتلاله. الأنكى من ذلك فهم يجعلون من رجال الاعمال، وأغلبهم من الذين اثروا بعد الاحتلال ومن جراء الفساد، ولم يبرهنوا على اي نوع من انواع الوطنية في اعادة إعمار العراق، أساسا للوفود التي يتراسونها لدول العالم،

نعم العراق اليوم يمتلك فرصة ذهبية، اذا ما أحسن السياسيون استغلالها فانهم يستطيعون من خلالها ان يعيدوا للعراق وللعراقيين بعض من الحقوق التي اهدرت وسلبت بل وسرقت في وضح النهار. فهل سيتمكنون من الارتقاء الى هذا المستوى القيادي والرائد ام انهم قد استمرأوا حياة التبعية والخنوع، حتى وان كانت ضد مصلحة العراق وشعبه؟
‎2019-‎05-‎02