صوت “كنداكا”… البشير زعيم اخر فوت فرصة الخروج المهين
اسيا العتروس
كل المؤشرات كانت تؤكد أن السودان يتجه الى سيناريو مماثل للسيناريو الجزائري الذي أزاح الرئيس بوتفليقة من الحكم بعد عشرين عاما و كل الاعين كانت ترى الموعد يقترب ساعة بعد ساعة وحده الرئيس السوداني رفض أن يرى المشهد و أصر على المكابرة وعدم الاصغاء لصوت الشارع السوداني برجاله و ملكاته او “كنداكاته” ان صح التعبير ليدفع الى الخروج من أصغر الابواب .واذا كان لبوتفليقة ما يشفع له بمعنى أن رصيده يذكرله انجازاته الاقتصادية والاجتماعية والمصالحة الوطنية التي أسس لها قبل أن يرضخ للمرض ولابتزازات الحاشية والمحيطين به فان البشير سيذكرعلى انه الرئيس الذي جاء الى الحكم بانقلاب وغادر بعد ثلاثين عاما بانقلاب ايضا و لكن بعد أن تنازل على نصف السودان في استفتاء قسم البلد الى سودان شمالي مسلم و سودان جنوبي مسيحي …انها محنة الحاكم العربي اذا استبد به غرور السلطة فلا يغادرها الى عاجزا او سجينا أو جثة ..

البعض وصفها ب”تمثال الحرية”في السودان والبعض وصفها بأيقونة الحراك الشعبي التي انتصرت للحرية و رفضت العنصرية و القبلية ..و لعل من تابع تلك اللقطات التي ظهرت من خلالها صاحبة الرداء الابيض وهي تحفز الحشود على مواصلة التحركات الاحتجاجية والتي سرعان ما انتشرت عبرالمواقع الاجتماعية قد أثارت رغبة البعض في البحث عن معنى تلك العبارة السحرية “كنداكة” ليجد فيها ترابطا تاريخيا وثيقا بين الانثى في السودان و بين الرغبة في الانعتاق من كل القيود التي أفقدتها انسانيتها و صادرت كرامتها …ف”كنداكا” هواللقب الذي كان يمنح في للملكات النوبيات في السودان و فيه أيضا اشارة للحسن والجمال والحكمة “.و لانه يفترض أن كل انثى هي ملكة في موطنها فقد وقفت كنداكا السودان شامخة تغني للحرية و لوطن يتسع للجميع و رفضت أن يقتصر دورها كما ارادت لها بعض العقليات الذكورية في احتجاجات السودان ان تتولى تنظيف الشوارع بعد كل وقفة ..والمثير أن ساعات قليلة فصلت بين ظهور أيقونة الحراك الشعبي في السودان و هي ترفض العنصرية و القبلية و بين نهاية حكم المشير عمر البشير في أعقاب ثلاثين عاما على رأس السلطة في بلد عاش و على مدى العقود الثلاث الماضية على وقع الحروب الاهلية و الصراعات الدموية التي لم يعرف أكثر من جيل غيرها ..

حتى الان لم يتضح مصير البشير الذي يقطف ثمار مكابرته و تعنته و رفضه الانصات لصوت الشعب السوداني و لحقه المشروع في تقرير المصير و كأن ما حدث طوال السنوات الماضية في تونس و ليبيا و مصر و اليمن بعد سقوط نظام بن علي ومبارك و انهيار القذافي و عبد الله صالح لم يغير في العقلية العسكرية التي سكنته شيئا أو كأن ما حدث قبل أيام في الجزائر بعد أن دفع الشارع الى انهاء حكم بوتفليقة لم يبلغ أسماعه أيضا , فأطوار الساعات التي سبقت ازاحته عن الحكم لم تتضح بعد الا أن حالة الترقب و الانتظار التي سادت قبل صدور بيان الجيش السوداني أوحت بما لا يترك للشك موقع بوجود خلافات بين الفريق العسكري الذي كان يتهيأ لابعاد البشير و تثبيت الفريق الذي سيتولى قيادة المرحلة القادمة …والارجح أن البشير قد يكون بصدد التفاوض للخروج من السودان و اللجوء الى بلد عربي ليتجنب بذلك ملاحقة الجنائية الدولية له في الخارج و يتجنب مسائلة الشعب له على حصيلة سنوات حكمه …الدرس الاول الذي لم ينتبه له البشير أنه لم يقرأ ما حدث لامثاله من الحكام العرب ممن تزامن وصوله معهم الى السلطة او ممن سبقهم اليها و كأنه كان يعتقد أن ما حدث لمن تهاووا من قصورهم تباعاا على مدى السنوات الماضية لن يتكرر معه ..و الاكيد أن البشير كان واثقا من وفاء القيادات العسكرية المحيطة به وهو ما جعله ربما لا يحسب حسابه لصوت المحتجين في السودان و لتحركات النقابات المهنية التي طالبت بعزله …و لم يكن يتوقع أن تكون النهاية في غضون اربعة اشهر وهو الذي ظل يردد أنه لن يغادر الا عبر صناديق الاقتراع ..

و بذلك يكون البشير الذي وصل الى الحكم في انقلاب عسكري تحت شعار “ثورة الانقاذ الوطني “ليطيح بحكم الصادق المهدي يخرج من الحكم بانقلاب عسكري يبدو ظاهريا انه انقلاب ناعم فرضته تطورات الاحداث في الشارع السوداني …و لكن مع اختلاف مهم وهو ان البشير تسلم السودان بلدا واحدا موحدا رغم كل ازماته و ماسيه الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و تخلى عنه وقد تنازل عن نصفه في استفتاء لتقسيم السودان الى سودان شمالي مسلم و سودان جنوبي مسيحي وهواستفتاء يعتبر الكثيرون أنه كان ثمن بقاء البشير كل هذه السنوات في السلطة …ارتبط حكم البشير بالاخوان و ظل حضنا للقيادات الاسلامية التي وجدت لها ملاذا في هذا البلد قبل انتقائلها الى اوروبا و تحديدا الى العاصمة البريطانية لندن . و بسقوط نظامه تسقط ورقة اخرى من أوراق الاسلام السياسي الذي يفقد صلاحياته أمام الفشل الذريع في بناء وطن مزدهر لكل ابناءه ..جعل البشير من الشريعة عنوانا لحكمه وفرض الدولة الدينية و تعرضت الالاف من النساء للاعتقال سنويا بسبب مخالفة الاحكام التي فرضها و بقيت الكثير من الصور عالقة في الاذهان و منها صور جلد النساء في الساحات العامة لابسط الاسباب بما في ذلك طريقة اللباس التي قد تعتبر مخلة باحكام الشريعة كما ظلت التقاليد السائدة لخفض البنات و تشويه اجسادهم قائمة في المجتمع السوداني الذي ظل يعاني الفقر والجهل و الاوبئة ..ولكن ظلت العدالة الاجتماعية الغائب الابرز في حسابات البشير ومن تدثروا بمظلة الاسلام و احكام الشريعة للسيطرة على السودان طوال ثلاثة عقود …

من الواضح أن عقلية الرئيس السوداني لم تتعرف طوال سنوات حكمه على مكونات الشعب السوداني وثراءه و تنوعه الثقافي و لكن ايضا قدرته على الصبر والاحتمال قبل ان ينتفض بنساءه و رجاله ضد حكمه ..و ربما اسقط البشير من حساباته دور و مكانة المرأة السودانية منذ اربعينات القرن الماضي في رفض الاحتلال البريطاني ..بالامس تغنت نساء السودان بالوطن و الحرية و رددت كلمات ستظل عالقة في الاذهان ” يا ام الضفاير قودي الرسن و اهتفي فليحيا الوطن “..و الاكيد ان كنداكا السودان لا تزال في بداية الطريق و ان المخاض سيطول قبل أن يتحقق الخلاص و تزول رواسب عقود من العنصرية والظلم والفساد والاستبداد …

لا نتمنى للبشير مصيرا كالقذافي و لا عبد الله صالح ولا حتى حسني مبارك ..فقد أظهر السودانيون منذ انطلاق الحراك الشعبي وعيا لم تدركه السلطة القائمة واصرارا لم يفهم معانيه البشير فكان كاغلب الشعوب العربية التي رفضت هيمنة الحكم المطلق ارقى من نخبه الحاكمة التي ترى في الوطن مزوعة خاصة وفي الشعب قطيعا يؤمر فيطاع …فالاكيد أن الدول العربية التي عاشت شعوبها تجربة الثورات الشعبية تمتلك من الامكانيات الطبيعية و البشرية والثقافية و التطلعات ما يؤهلها للافضل و ما يفرض على كل من يتطلع الى المسؤولية مستقبلا أن يكون للاجيال الصاعدة موقع في وطنها بعيدا عن المعاناة التي ارتبطت بالصراعات و الحروب الاهلية و الطائفية …

ما حدث بالامس في السودان كان متوقعا ولم يكن مفاجئا بالمرة اذ لم يعد بالامكان الاستمرار اكثر من ذلك في انكار حق الشعب السوداني في تغيير واقعه وانهاء الحكم العسكري الذي استمر منذ عقود كما انه لم يعد بالامكان قمع الشارع السوداني و منعه من الافصاح بمطالبه المشروعة ..بل ان ما حدث كان نتيجة حتمية لتطورات الاحداث في السودان و يبدو ان الجميع كان يرى و يقرأ هذه النتائج الا البشير الذي أصرعلى الخروج من الباب الصغير و اجهض الفرص تباعا في تغيير مجرى التاريخ …لم يكن للبشير ابناء يخاف على مصيرهم و لكنه كان مسكون بالخوف من ملاحقة المحكمة الجنائية له و هو سبب تخلفه عن حضور اشغال القمة العربية بتونس قبل ايام …و قد استطاع البشير ان يفلت طوال ثلاثة عقود من الشارع السوداني و لكنه لم يكن بامكانه الافلات طوال العمر …
كاتبة تونسية
‎2019-‎04-‎13