حكاية عقود التراخيص – 1 الحكاية والمؤامرة على النفط

صائب خليل

حكاية عقود التراخيص، كأية قصة تتحول إلى حكاية شعبية مروية، فتفقد ظلالها، وترسم مساحاتها بالأبيض والأسود، بالخير والشر، للتبسيط والتجميل. وقصة التراخيص تحولت معظم درجات الظل فيها الى الأسود. فالجانب المسيطر على الإعلام وعلى السياسة في البلد، قد قرر تغييرها إلى ما يناسبه، فشن عليها حرباً إعلامية لا تبقي ولا تذر، حتى ان من بنى أسسها ترك الدفاع عنها يائساً وانزوى.

قصة جولات التراخيص، مثل بقية قصصنا، تحت إعلام نصبه على البلد اعداؤه، وكلف بتحطيم وعي شعبه وإصابته بالضياع، قصة قدمت للناس مشوهة بكل طاقة الإعلام العلمية المتطورة على التشويه، ولم تكن العقول المتعبة غير المدربة على هذا النوع وهذا الحجم من المراوغات، قادرة أن تتعامل مع هذا الهجوم الإعلامي وان تجد طريقها بين دهاليز الأرقام والمصطلحات والتفاصيل واللعب المتعمد على الأوتار الحساسة، حتى لو “أرادت”، والمتعب قلما “يريد”.
حكاية عقود التراخيص هي أيضا حكاية المؤامرة على النفط العراقي، وهي بالتالي حكاية التآمر على العراق. حكاية السعي نحو الخصخصة التي تريد ان تسرق كل شيء من الناس، بـ “عقود الشراكة”، وحكاية الصراع بين الشركات العالمية وكردستان من جهة ومن حاول ان يدافع عن ثروات الشعب من الجهة الأخرى، فحقق ما حقق، وفشل بما فشل.

هذه محاولة لإعادة الظلال إلى هذه الحكاية وانقاذها مما احاطها من سموم إعلامية قاتلة ومن أخطاء كثيرة، وأرجو ان تكون روايتي لها موضوعية قدر الإمكان.
لقد اعتمدت هنا على ما كتبه الأستاذ فؤاد الأمير بشكل كبير، في اكثر من كتاب، وما تحدثت به معه في اكثر من حديث حول الموضوع. فلهذا الرجل، فضل لا ولن ينسى في انارة الكثير من طرق الغابة المظلمة المليئة بالوحوش والفخاخ، والمسماة ملف النفط العراقي. وله ولعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من زملائه الذين لا يجب الانتقاص من دورهم، الفضل في ان ملف النفط مازال ملف صراع لم يستسلم، ومازالت المؤامرات التي تحاك في الظلام وفي لحظات الغفلة، مثل قانون شركة النفط الوطنية، تدار من قبل وحوش تلك الغابة، ومازالت المقاومة لم تسقط.
*********
هذه الدراسة الشاملة لعقود التراخيص وضعت لتكون مفهومة للقارئ غير المختص، ودون التضحية بأية تفاصيل يحتاجها لفهم الموضوع وتحديد خطوطه، وحتى القدرة على المناقشة فيه مع المختصين، لكي لا يستغل جهل المواطن ببعض الحقائق والتعابير لإبعاده عن ساحة القرار تماماً.
قسمت هذه الدراسة إلى 9 أجزاء من أجل نشرها في الفيسبوك وتحت العناوين التالية:
1- حكاية عقود التراخيص – الحكاية والمؤامرة على النفط العراقي
2- حكاية عقود التراخيص – عقود مشاركة الإنتاج وعقود الخدمة
3- حكاية عقود التراخيص – جولات التراخيص كما حدثت
4- حكاية عقود التراخيص – مناقشة العقود
5- حكاية عقود التراخيص – أسس حساب التكاليف والأرباح في النفط
6- حكاية عقود التراخيص – الحسابات الخاطئة والهجوم على عقود التراخيص
7- حكاية عقود التراخيص – مشكلة عقود التراخيص: التبذير في طموحات الاستخراج
8- حكاية عقود التراخيص – اعتراضات شائعة على العقود والرد عليها
9- حكاية عقود التراخيص – خاتمة

****************
المؤامرة على النفط العراقي

بدأت المؤامرة على النفط العراقي قبل الاحتلال وبفترة طويلة، ثم أخذت شكلاً محددا حين بدأت وزارة الخارجية الأمريكية إعداد خططها المحددة لمستقبل العراق قبل عام على الاحتلال، فشكلت في نيسان 2002، 16 مجموعة عمل مختلفة، تحت عنوان: “مشروع مستقبل العراق Future of Iraq Project”،(1) بقيادة رايان كروكر Ryan Crocker (والذي أصبح فيما بعد سفير الولايات المتحدة في العراق). وكان من أهم مجاميع العمل تلك “مجموعة الطاقة والنفط “، وضمت عدد من “الخبراء” الأجانب والعراقيين في الخارج. وأوصت المجموعة بـ “انفتاح العراق على الشركات النفطية العالمية بأقرب فرصة ممكنة” وتشجيع الاستثمار الأجنبي في النفط وفق “عقود المشاركة بالإنتاج” وبصيغ مرنة!

ولنلاحظ هنا أن التأكيد على ذكر نوع العقود التي يجب توقيعها مسبقاً، وقبل حتى لمس الواقع النفطي العراقي على الأرض، أمر غريب ويفضح مدى التآمر على العراق. وهو يفضح من الجهة الأخرى خطورة ذلك النوع من العقود الذي يختاره من يتآمر على العراق كاختيار افضل.

فعقود “مشاركة الإنتاج” ليست مناسبة أبداً للحقول العراقية، إنما هي طريقة متبعة في العقود ذات المخاطرة العالية فقط، (وتسمى أيضاً “عقود مخاطرة”) وليس الرقع الاستكشافية عالية الاحتمال، دع عنك الحقول المنتجة، كما هو الحال في العراق، وبضمنها حقول كردستان!
وتعطي هذه العقود حصصاً ظالمة للشركات على حساب البلد. وهي شكل غير مباشر لخصخصة النفط، حيث يصبح جزء من نفط البلاد ملكاً للشركة العاملة. وكمثال فأن حصة الشركات الأجنبية في عقود حكومة إقليم كردستان، تبلغ في ادنى العقود، 15% من الإنتاج.

“مشاركة الإنتاج” تعني إضافة إلى التحكم بالإمدادات النفطية، التحكم بدرجة أو بأخرى، بأسعار النفط وكمية ما يطرح منه في السوق، وإمكانية ممارسة الضغط على دول الأوبك لزيادة المطروح او تقليله، لتخفيض السعر أو رفعه. لقد كانت أميركا تسيطر دائما على السعودية وتوجهها بالطريقة التي تتماشى مع مخططاتها، كما يحدث هذه الأيام حيث اجبرتها على زيادة الضخ وانخفضت الأسعار بشكل كبير، وكل ذلك بصراحة وقحة لا يخفيها ترمب. وتسعى الولايات المتحدة بجد أن تضم العراق إلى السعودية في هذه المهمة المكلفة وغير المشرفة. ومازالت المؤامرة قائمة على قدم وساق وفي غاية النشاط، وتأخذ اليوم عنوان “شركة النفط الوطنية العراقية” والتي تم تمرير قانونها الغريب خلسة، في نهاية الفصل النيابي السابق، بعد تغيير القانون المقدم لمجلس النواب بشكل تام وجذري، وبدون علم خبراء النفط.

ولكي نفهم الحماس الأمريكي لعقود “مشاركة الإنتاج”، علينا ان نفهم تلك العقود ومقارنتها بعقود الخدمة.

(1) Future of Iraq Project – SourceWatch
https://www.sourcewatch.org/index.php/Future_of_Iraq_Project

حكاية عقود التراخيص – 2 عقود “مشاركة الإنتاج” وعقود “الخدمة”
صائب خليل

إن سمحنا لأنفسنا بالكثير من التبسيط، تقسم العقود النفطية الحالية إلى نوعين، هما عقود الخدمة وعقود مشاركة الإنتاج. وعقود الخدمة هي عبارة عن استئجار الدولة لـ “خدمات” شركة نفطية تقوم بالعمليات النفطية لحساب الدولة، مقابل مبالغ متفق عليها. وهذه هي العقود الطبيعية المعتادة، والتي تتطلب من الدولة أن تتكلف بكل المصاريف وتتحمل الاحتمالات المختلفة (المخاطر)، إلا أنها تحفظ للدولة حرية التصرف بنفطها، وتحقق لها اعلى الأرباح عادة.
عقد مشاركة الإنتاج يحرم الدولة من كمية أكبر من عائد النفط، وإضافة إلى ذلك فهو يقيد حريتها في التصرف بنفطها. فجزء من هذا النفط، حسب العقد، يعود قانونيا إلى الشركة. ولذلك فأن الحكومة تضطر إلى التفاهم مع الشركة على كمية النفط المستخرج وكيفية التصرف به. بينما تكون الحكومة حرة في التصرف بنفطها في حالة عقود الخدمة. ولهذه الأسباب كلها فأن الحكومات الوطنية لا توقع أية عقود مشاركة مع الشركات، إلا إذا كانت مضطرة لها، ولم تكن تملك خياراً غيرها.

ويعود تاريخ هذه العقود إلى نهاية مرحلة “الامتيازات” الشديدة الظلم، وتم اختراعها كطريقة اكثر ارضاءاً للدول مع احتفاظ الشركات بحصة في النفط وقدرة على التأثير على السياسة النفطية للدولة. وفي تلك المرحلة كانت تلك الدول مضطرة لقبول مثل هذه العقود لأنها كانت لا تمتلك ابسط الاستثمارات اللازمة، ولا الخبرات الفنية اللازمة لبناء مؤسساتها النفطية المستقلة. وتركت هذه العقود مع تغير توازن القوة لصالح الحكومات، ولم تبق تستعمل إلا في حالات خاصة تضطر فيها الحكومة لقبول تلك العقود، أو تكون ذات علاقة مصالح مشبوهة مع الشركات، وعلى حساب شعبها، كما هو الحال في كردستان.

عقود مشاركة الإنتاج لا تمنح جزءاً من النفط في باطن الأرض للشركات، وإنما بعد استخراجه. وتستخدم هذه الحقيقة بين المدافعين عن تلك العقود لتبريرها. لكن الحقيقة الأولى هي ان النفط لن يباع إلا بعد استخراجه. والثانية هي أن الشركات تتصرف بالفعل كمالك لذلك النفط وهو تحت الأرض، حيث ان الشركات تستخدم مثل هذا “الحق” لتنشر أن “لديها” حجم مخزون معين، كلما ازداد كلما ارتفعت أسهمها في البورصة. ومن المتوقع ان تدافع الشركات بكل الوسائل عن ذلك “الحق” إذا ما تجرأت الحكومة وتصرفت بشكل ينتقص منه.

متى تكون الدولة مضطرة لعقود “مشاركة الإنتاج”؟ في حالة التنقيب في مساحات استكشافية جديدة، تكون هناك مخاطرة أن تفشل الشركة باكتشاف النفط، او ان يكون قليلا غير اقتصادي او لا يكفي لتسديد الكلفة. ولا تريد الحكومات عادة، تحمل مخاطرة دفع أموال ضخمة بدون ضمان. لذلك تتقدم الشركات المستعدة للمخاطرة بعرض للحكومة، تتحمل به المخاطرة في حالة الفشل، مقابل حصة من النفط المكتشف في حالة النجاح. فإن لم يكتشف أي نفط، فأن الدولة لا تخسر شيئا. ولكن إن اكتشف النفط، فستكون حصة الشركة منه أكبر، وأرباح الدولة منه أقل مما هي في “عقود الخدمة”. فعقود المشاركة أمر مقبول في حالة وجود مخاطرة كبيرة بالفشل، أو العجز التام عن توفير الاستثمار الحكومي لاستخراجه، باعتبار أن النفط كان سيترك تحت الأرض لأن الحكومة لم تكن تريد المخاطرة بأموالها.

إذن، إن كان الحديث عن استغلال حقول منتجة او مناطق تم اكتشاف النفط فيها أو كانت هناك مؤشرات قوية بأن النفط موجود بصورة شبه مؤكدة، فأن الطبيعي هو أن تتعاقد الحكومة بشكل عقد “خدمة”، لأنه لا توجد هناك مخاطرة كبيرة، ولا مبرر لدفع مبالغ اكبر للشركات او خسارة سيادة الدولة على نفطها.

تبنى رئيس الوزراء الأول الذي اختارته سلطة الاحتلال، الدكتور إياد علاوي السياسة التي أوصى بها “مشروع مستقبل العراق” ونشرت في “الميدل إيست إيكونومكس سيرفي MEES”، وقام الأستاذ فؤاد الأمير بترجمتها ونشرها في “الغد” البغدادية في أيلول 2004 بعنوان “علاوي يضع الخطوط العامة للسياسة النفطية الجديدة”(1) والتي أكد فيها على “عقود مشاركة الإنتاج”.
ويقول الأمير: انتظرت أسبوعا لأتيح لعلاوي الرد وتكذيب ما جاء في المقالة إن أراد، فلما لم يفعل، قمت بالرد عليها.
كانت المؤامرة مخططة بالتفصيل إذن، إلا أن خبراء نفط عراقيون وأجانب، وصحفيون ناشطون، تصدوا لتلك المؤامرة بهمة، فأفلت العراق (ولم تفلت كردستان) من المرحلة الأولى من مؤامرة عقود المشاركة على نفطه، تمكنت بغداد من انقاذ نفطها من عقود “مشاركة الإنتاج”.
بالنتيجة، فان جميع العقود التي ابرمتها بغداد مع الشركات، كانت “عقود خدمة” بينما العقود التي ابرمتها كردستان، كانت “عقود مشاركة انتاج”.

ويحاجج المدافعون عن عقود الخدمة، بأن عقود المشاركة محرمة في الدستور العراقي الذي يؤكد أن النفط العراقي ملك لكل الشعب العراقي. ووجدت حكومة كردستان لذلك صعوبة كبيرة في شرعنة عقودها. وحاولت اقناع الشركات ان تسعى بأي شكل الى توقيع ولو عقد بسيط واحد مع بغداد، بشكل عقد مشاركة، لكي تتمكن من استخدامه ذريعة للضغط لشرعنة عقودها. إلا ان بغداد، التي استبدلت المسؤولين عن النفط بشخوص اقل اخلاصاً للبلد مثل عادل عبد المهدي وجبار لعيبي، وجدوا صعوبة كبيرة في تمرير عقد مشاركة صريح واحد، لأن فؤاد الأمير ورفاقه قد تمكنوا في هذه الأثناء من توعية الناس بخطورة تلك العقود. لقد فاتت الشركات فرصة تمرير تلك العقود حين كان أياد علاوي رئيساً للحكومة، ولم يكن احد يعي تلك المصطلحات. لكن المحاولات مازالت مستمرة ومازالت الخطورة كبيرة بوصول عبد المهدي الى رئاسة الحكومة.

(1) “علاوي يضع الخطوط العامة للسياسة النفطية الجديدة”
ترجم المقال ونشر في صحيفة الغد (منبر اليسار الديمقراطي) العراقية في 22/11/2004، ونشر الأستاذ فؤاد الأمير مقالة لمناقشة هذه السياسة في العدد الصادر في 9/1/2005. وكلا المقالين موجودين في كتاب: «مقالات سياسية اقتصادية في عراق ما بعد الاحتلال». فؤاد قاسم الأمير، نيسان 2005، دار الغد.

***********
حكاية عقود التراخيص – 3 جولات التراخيص كما حدثت
صائب خليل

في الحلقتين، الأولى(*) والثانية(**) تحدثنا عن “المؤامرة على النفط” و مقارنة عقود “مشاركة الإنتاج” وعقود “الخدمة” وفي هذه الحلقة الثالثة، نكمل بالحديث عن احداث ضرورية رافقت توقيع عقود التراخيص.

في جولة التراخيص الأولى، قامت وزارة النفط بدراسة الشركات، وقامت بترشيح (35) شركة مؤهلة لتقديم العروض لجولة التراخيص الأولى، فقدمت (22) منها عروضاً. وحين فتحت العروض في مناقصة عامة مفتوحة وشفافة لم تربح أية شركة أي عرض من العروض! لأنها جميعها قدمت أرقاماً للحوافز تتجاوز الرقم المحدد من الوزارة، إلا ائتلاف بريتيش بتروليوم وبتروجاينا الصينية الذي وافق لاحقاً، ورفض الشهرستاني الضغوط لزيادة مبلغ الحوافز، ثم عادت الشركات ووافقت على الرقم المقدم من الوزارة.
وسارت بقية الجولات بطريقها بشكل أو بآخر وانتهت آخرها (الرابعة) عام 2012. وبينما خصصت دورتي التراخيص الأولى والثانية لحقول نفطية عملاقة جداً وأخرى أصغر في وسط وجنوب العراق، كما خصصت الدورة الثالثة لتوقيع العقود الغازية. وقد اعتمدت جميع الدورات ما يسمى بـ “عقود الخدمة الفنية Technical Services Contracts TSC”، مقارنة بعقود المشاركة بالإنتاج التي كانت الشركات تطمح لها. وخصصت دورة التراخيص الرابعة لرقع استكشافية (وليست حقول مكتشفة ومثبتة)، ذات احتمالات كربوهيدراتية عالية، ومعظمها في الصحراء الغربية.

وقال وزير النفط في وقته، د. حسين الشهرستاني في أواخر 2007 متحدثاً عن عقود الجولة الأولى: “إن الوزارة تتبنى حالياً الاتفاق على عقود خدمية بصدد إبرامها مع شركات عالمية رصينة لتطوير الحقول النفطية بحيث تخضع إلى السيطرة الوطنية، وأن البرنامج والخطط الموضوعة في هذا الجانب من شأنها زيادة الإنتاج اليومي بواقع (500) ألف برميل كل ستة أشهر، وصولاً إلى مستوى إنتاج (4) ملايين برميل يومياً، صعوداً إلى ما يناسب احتياطي العراق من النفط بحيث يبلغ الإنتاج اليومي (6) ملايين برميل يومياً”.

بدا على الجولة الأولى انها عبرت بالعراق مرحلة الخطر، واصبح بإمكانه أن يحصل على الدخل اللازم لمصروفاته وتطوير نفسه. وكان يمكن، ويجب، على العراق الاكتفاء بتلك الجولة من العقود، والاحتفاظ ببقية الحقول للتطوير الذاتي، أو إلى ان يتمكن العراق من ترتيب اموره بلا عجل، فما تقدمه الجولة الأولى أكثر من كاف لتمويل الموازنة، وليس هناك أي مبرر للعجلة في توقيع المزيد.

ويؤكد الأمير ” أؤكد وعن قناعة تامة بأن جميع الإحالات كانت نظيفة ونزيهة ومن خلال منافسات مكشوفة واضحة، ولم يثر أحد كما لم أقرأ أو أسمع من أحد شكوكاً في نزاهتها. وهذا الأمر يبدو “غريباً” في جو العراق المتخم بالفساد!!، خصوصاً ونحن نتحدث عن حقول نفطية عملاقة، ومبالغ هائلة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات في الاستثمارات، وترليونات الدولارات للقيمة الفعلية للنفط والغاز.”

لكن الدورة الثانية من العقود فاجأت الجميع باستهداف العراق لـ “انتاج” رقم غريب يتجاوز (12) مليون برميل/اليوم! وتعني هذه الزيادة ضمن ما تعنيه انخفاض كبير في عمر النفط العراقي.
ومن ناحية أخرى، فأنها تعني ضرورة اقتراض العراق أكثر من (150) مليار دولار، وبفوائد تزيد 5% على الفائدة المصرفية (نظام فوائد لايبر)، اي ما يزيد عن عشرة أضعاف الفائدة المصرفية في ذلك الوقت. نصف هذه المبالغ مخصص للمشاريع الخاصة برفع “الانتاج” إلى الحدود القصوى الجديدة التي يرى الخبير فؤاد الأمير ” أن لا فائدة (..منها)، بل بالعكس كلها ضرر”. وأنها “ستكون كارثة على العراق سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية.” وهو ما يذكر بكتاب جون بيركنز الشهير: “اعترافات قاتل اقتصادي Confessions of Economic Hit Man” (1) والذي يشرح فيه اساليب السيطرة على الدول من خلال إغراقها بالديون في أمور لا تحتاج إليها.
(ملاحظة: لدي تحفظ شديد على تسمية استخراج النفط وبيعه، “انتاجاً”. فلو صح ذلك لكان يمكن لنا ان نسمي بيع ما نملكه من الجبن في الثلاجة، انتاجاً للجبن، لكن المشكلة ان الاسم مستخدم وشائع تماما، لذلك استعمله هنا واضعه بين اقواس اقتباس- صائب خليل).

بقيت عقود التراخيص سرية ولم يعرف محتواها بالكامل لفترة من الزمن. ومما زاد القلق من هذا التصرف هو ان الشركات التي تم التعامل معها كانت معروفة بقلة الشفافية في تعاملها. وقد تكون تلك السرية من شروط او طلبات تلك الشركات نفسها. لكن ما تم كشفه يبين أن في نصوص العقود مواداً تحدد طريقة تعامل الحكومة العراقية مع الشركات ومرجعية تحكيمها، وهو ما جعل صحيفة الغارديان البريطانية تنشر تقريراً قالت فيه أن شركة النفط البريطانية بريتيش بتروليوم BP قد أحكمت قبضتها على الاقتصاد العراقي عقب موافقة الحكومة العراقية على دفع تعويضات للشركة حتى في حال توقف إنتاج النفط في حقل الرميلة العراقي، وأن تعديلات جرت على العقود تجعلها تؤثر في القرارات السياسية التي تتخذها الحكومة العراقية فيما يتعلق بمنظمة أوبك.

وحوت العقود الجديدة، على نصوص (الفقرة 12) تلزم العراق باستمرار استخراج أقصى طاقة ممكنة من حقوله، وأنه إن أراد خفضها، أو فشل في توفير مستلزماتها، فعليه تعويض الفرق في أسرع وقت ممكن بزيادة لاحقة في استخراج النفط عن المقرر، وإلا فهو ملزم بدفع تعويضات عن كل ما “تخسره” الشركات من جراء ذلك النقص.
وقد تم بالفعل إعادة التفاوض مع الشركات لاحقاً، وخفض الحد الأعلى إلى 9 ملايين برميل في اليوم، وهو رقم كبير أيضاً، مقابل تنازلات عراقية تتمثل في زيادة طول مدة العقود وتنازل العراق عن بعض حصته في الشركات التي تنفذ عقود الخدمة (وليس النفط، فهو بأكمله ملك العراق).

نقطة الخلل الثانية في تلك العقود هي طول مدتها، والتي زادت بسبب محاولة العراق التراجع في قضية الحد الاقصى اعلاه. والفترة الطويلة للعقود تقلل من افضلية عقود الخدمة ومرونتها في قدرتها على استبدال من يقدم لها الخدمات بآخر أفضل أو أقل كلفة منه.
كذلك يشار الى ان تكاليف حفر بعض الآبار كان مبالغاً بها، أحيانا إلى أربع مرات بقدر أسعار الحفر لنفس العمق في دول الخليج. وقد تكون تفاصيل الحفر موجبة لذلك، من حيث طبيعة الأرض، لكنها تبقى نقطة تستحق التحقيق.

وعن موقف كردستان، نجد أنه في كل مراحل المؤامرة على نفط العراق، كانت حكومة الإقليم لا تكتفي ببذل كل جهدها لمساعدة الشركات لفرض “عقود مشاركة الإنتاج” على العراق، اسوة بما وقعته حكومة الإقليم، ومحاولة تقديم نسخ سيئة لـ “قانون النفط” يتيح او يجبر بغداد على قبول تلك العقود، وإنما كانت تعمل صراحة على إضعاف القرار المركزي قدر الإمكان، وتعتبره تهديداً لها. إضافة لذلك فقد كان موقف حكومة الإقليم من تقديم عروض باذخة وفاسدة للشركات إغراء لها في ترك تعاقدات بغداد، حيث ان بغداد كانت تشترط على الشركات المتعاملة معها الا توقع عقوداً غير شرعية مع كردستان، وإن لم تطبق ذلك بشكل حقيقي.

(*) صائب خليل – حكاية عقود التراخيص في حلقات – 1 الحكاية والمؤامرة على النفط
https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2315219915201731

(**) صائب خليل حكاية عقود التراخيص – 2 عقود “مشاركة الإنتاج” وعقود “الخدمة”
https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2317057748351281?__tn__=K-R

(1) John Perkins – Confessions of an Economic Hit Man – Part I
http://www.youtube.com/watch?v=yTbdnNgqfs8

حكاية عقود التراخيص – 4 مناقشة العقود
صائب خليل

الحلقات الثلاث السابقة تجدها هنا(*)(**) (***)
في أواخر 2011 كتبت مهاجماً عقود التراخيص بمقالة عنوانها “هل تم تكليف العراق بتحطيم أوبك؟”(1)، أشرت فيها الى “الخلل الكبير” في سياسة العراق النفطية. فالمسؤولون لا يملكون خطة اقتصادية استراتيجية مقنعة، بل يكتفون بالمفاخرة ببلادة مثيرة للدهشة، بخطط لرفع “الإنتاج” بلا حدود، وكأنه هدف مقدس. وتشرح عناوين الصحف توجه الحكومة وترويج بلادتها، مثل: “بغداد تتطلع إلى منافسة الرياض في إنتاج النفط الخام.”
كانت عقود جولات التراخيص توقع بسرعة جنونية تنافس سرعة توقيع هوارمي لعقود كردستان، قد وضعت أيضاً أهدافاً جنونية لما يسمى “انتاج” النفط، بتأثير الفقرة 12 سيئة الصيت التي اشرنا اليها.

رغم كل هذه الانتقادات، فإني في السنوات التالية ركزت على الدفاع عن عقود التراخيص بوجه الحملة الإعلامية في، وليس نقاط ضعفها، لأن هجوماً إعلامياً شرساً، شن على تلك العقود، تضمن أكاذيب ومغالطات لم تكن دائماً بريئة، وكان الهجوم الإعلامي ضمن حملة تستهدف كما بدا واضحاً، استبدال تلك العقود، باعتبارها عقود خدمة، بعقود “مشاركة الإنتاج” الأسوأ.

نلاحظ أن التضليل الإعلامي بشأن عقود التراخيص كان مركزاً بشكل خاص على بضعة نقاط، أهمها المبالغة في حساب كلفة البرميل الواحد في تلك العقود (إضافة الى نقاط أخرى سأقوم بإيرادها باختصار في نهاية المقالة). ورغم ان الكثير من الذين نشروا الأرقام الخاطئة حول كلفة “الإنتاج” تلك، كانوا من الأبرياء الذين تم اقناعهم بها خطأً، فان اصل الخطأ ليس بريئاً في تقديري.

لماذا هذه الحسابات الخاطئة؟ ما هو الهدف من المبالغة بكلفة استخراج برميل النفط وفق العقود، ومن يمكن ان يستفيد منه؟
الهدف في تقديري هو خداع المواطن بضرورة تبديل عقود التراخيص بعقود جديدة تحقق “ارباحاً أكبر”. وبما ان سعر البرميل في سوق النفط ثابت في الحالتين، فالربح يعتمد على كلفة “الإنتاج”. لذلك يجب ان نقوم بحساباتنا لتبدو تلك الكلفة اكبر من حقيقتها، فتبدو الأرباح ضئيلة في عقود التراخيص، وهذه المراوغة تتيح لنا ان نوقع عقوداً سيئة ونحن بأمان.
فلو فرضنا ان كلفة “انتاج” البرميل من النفط وفق عقود التراخيص يبلغ بالحساب الصحيح 6 دولار. فإذا تم استبدالها بعقود جديدة تكون فيها كلفة البرميل 15 دولاراً مثلا، فستكون فضيحة كبيرة لمن يريد توقيع العقود الجديدة. أما إن تم اقناع الناس قبل ذلك بأن كلفة “الإنتاج” لعقود التراخيص هي 20 دولاراً للبرميل الواحد، فسيبدو الـ 15 دولار أفضل، لأنه يوفر 5 دولارات للبرميل الواحد!
لذلك يتم التركيز في المراوغات الحسابية على حساب كلفة “انتاج” البرميل الواحد، ولنفس السبب يتوجب علينا أن نوجه اهتمامنا أولاً للطريقة الصحيحة لحساب تلك الكلفة، ثم نوضح كيف تمت المراوغة في حسابها. ودعونا نبدأ من البداية لكي تشمل الفائدة غير المتخصصين في النفط، وحتى غير المتابعين لملفه، فنبدأ بشرح مبسط للمفاهيم الأساسية لحساب الأرباح كما تطبق على الصناعة النفطية وتجارتها، وتوضيح بعض مفاهيمها مثل كلفة الإنتاج وكلفة رأس المال والكلفة التشغيلية والاندثار، فبدون معرفة هذه المصطلحات ولو بالحد الأدنى، لا يمكن للمواطن غير المتخصص او المتابع فهم ملف النفط.
فيكاد النفط يمثل كل الاقتصاد العراقي وبالتالي مصير البلاد. ولكثرة الأموال في هذا الحقل، فأن الدافع للخداع كبير جداً. ومن المهم أن يفهم المواطن الاعتيادي الأمر بشكل صحيح، خاصة وأنه يتعلق بمستقبله، وفي ظرف انعدمت فيه الثقة بشكل شبه تام.

الحلقة القادمة: أسس حساب التكاليف والأرباح في النفط

(1) “هل تم تكليف العراق بتحطيم أوبك؟”
المقالة في صحيفة “الأخبار” اللبنانية،

(*) صائب خليل – حكاية عقود التراخيص في حلقات – 1 الحكاية والمؤامرة على النفط

حكاية عقود التراخيص في حلقات – 1 الحكاية والمؤامرة على النفطصائب خليلحكاية عقود التراخيص، كأية قصة تتحول إلى حكاية…

Slået op af ‎صائب خليل‎ i Lørdag den 20. april 2019

| | | Next → |