صراع الاخوة الاعداء في اليمن

محمد محمود مرتضى
في عددها الأخير، ذكرت صحيفة “النبأ” التي يصدرها تنظيم “داعش” أنه قتل واصاب عشرة من عناصر تنظيم “القاعدة” في محافظة “البيضاء” وسط اليمن. وكان الخبر يشير الى الاشتباكات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة التي جرت بين عناصر التنظيمين في خوجان، بمنطقة ذي كالب الأعلى، في مديرية قيفة في الاول من نيسان/ أبريل الجاري.
كما أشارت الصحيفة الى أن عناصر “داعش” استطاعت السيطرة على مواقع للقاعدة في الحميضة خلال تلك المعارك.
في نظرة سريعة الى الساحة اليمنية بشكل عام، يمكن تلمس النشاط الملحوظ لفرع “داعش” في البيضاء مقارنة بالفروع الاخرى على الساحة اليمينة لا سيما بعد خسارته عدة مناطق كان يسيطر عليها سابقا، كما يمكن ملاحظة تركيز التنظيم في نشاطه اليمني على قتال “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب”، ما يشير الى أن “داعش” يسعى ان لا يعمل هناك من نقطة الصفر وانه يعتبر ان البيئة “القاعدية” تمثل أرضا صالحة للعمل والانتشار، وهذا يوضح سبب حرارة التنافس بينهما في تلك المناطق.
صحيح ان “القاعدة” و”داعش” استهدفا في بعض الاحيان كلا من الجيش اليمني، وعناصر حركة انصار الله، في ظل العدوان الذي تشنه المملكة السعودية والامارت العربية المتحدة، إلا أنهما في نفس الوقت يخوضان صراعًا بين بعضهما البعض، يخبو تارة ويشتعل اخرى.
يتألف تنظيم “القاعدة” في اليمن بغالبية عناصره من سكان محليين، وكان الفرع اليمني من انشط افرع “القاعدة”، لا سيما وان المؤسس، واعني اسامة بن لادن، قد اولاه أهمية كبرى، خاصة انه يحتفظ بروابط قبلية فيها. فيما يرى “داعش”، المؤلف بغالبية عناصره من عرب وأجانب، في “البيضاء” بيئة مناسبة للغوص في مناطقها الوعرة والاختباء في جبالها، حيث يحدُ البيضاء ثماني محافظات يمنية ؛ ما يجعلها من الناحية الجغرافية شديدة الأهمية عسكريًّا.
اشتهرت البيضاء خلال الأعوام الماضية باعتبارها هدفًا للغارات الاميركية بواسطة طائرات “درون” (طائرات دون طيار) كما أنها كانت موقعاً لإنزال أمريكي في كانون الثاني/ يناير من العام 2017 نفذته القوات الخاصة.
وكان قبل ذلك بسنتين، وتحديدا في العام 2015، قد أعلن داعش رسميا الدخول الى الساحة اليمنية وذلك عندما اعلن زعيم التنظيم “أبوبكر البغدادي” عبر تسجيل صوتي قبول بيعة بعض المسلحين في اليمن، ورغم الممانعة والمحاولات القاعدية لافشال انتشار “داعش”، الا أن الاخير شن عدداً من الهجمات في أنحاء مختلفة من البلاد، وأنشأ على أثرها عدّة فروع له في كل محافظات: عدن، أبين، البيضاء، حضرموت، إب، تعز، لحج، صنعاء وشبوة.
ورغم الانطلاقة القوية نوعا ما، فإن “داعش” سرعان ما تراجع في اليمن بشكل ملحوظ؛ حيث فشل في السيطرة على أراضٍ كان ينشط فيها، اضافة لمواجهته عقبات تتعلق بقدرته على الاندماج بين القبائل المحلية.
بالمقابل، فان “القاعدة” كان قد حقق على مدى سنوات من نشاطه اليمني فهمًا أكبر لطبيعة المنطقة ودينامياتها القبلية وعاداتها وتقاليدها، مشفوعة بغض الطرف عنه من بعض الاحزاب المدعومة سعوديا.
ومهما يكن من أمر، ففي منتصف شهر تموز/ يوليو من العام الماضي (2018) شهدت “البيضاء” معارك ضارية بين التنظيمين أدت الى مقتل اربعة عشر عنصرا من عناصر “القاعدة”، فيما سقط من “داعش” حوالي اثنين وعشرين عنصراً، فضلا عن قيام التنظيم ببث مقطع فيديو يظهر أعضاء من “القاعدة” أسرى، فردّت “القاعدة” بهجوم على موقع لـ”داعش” قتل خلاله أكثر من خمسة وعشرين عنصرا فضلا عن الاستيلاء على أسلحة وسيارات عسكرية.
على ان الصراع بين التنظيمين لم يقتصر على الجانب العسكري، فقد دار صراع بينهما في البيانات التحريضية. فقد أصدر “داعش” بيانا قال فيه: “بعد أن فتح الله على عباده في ولاية البيضاء، وخصوصًا منطقة قيفة دبّ الحسد لدى تنظيم القاعدة، بعد أن كان قد تركها فريسة للحوثيين، واستبدلها بمدينة المكلا، من دون إيفاء بالوعود لأهلها”. ردت عليه القاعدة ببيان جاء فيه: “يا أبناء قيفة، ويا أيها المقاومون والجيش، لا حل لنا إلا باستئصال بذرة الشر وخوارج العصر داعش، اقتلوهم قتل عاد، تنفيذًا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد”.
ما بين صراع عسكري واعلامي، يرتع التنظيمان في الساحة اليمنية بحرية لا يعوقهما الا الصراع بينهما، فيما تعطي المملكة السعودية الظهر لهما وتشن حربها على الشعب اليمني. صحيح ان ثمة صراع بين “القاعدة” و”داعش” في اليمن، لكنه اشبه بصراع الاخوة الاعداء الذي يجري تحت أنظار أمهما ( السعودية) التي أنجبتهما.