الرياض تطرق ابواب بغداد: دبلوماسية الملاعب والفضائيات لا تكفي!
بغداد ـ عادل الجبوري
من اية زاوية قرأنها وتعاطينا معها، تعد زيارة وفد سعودي كبير ـ كما ونوعا ـ للعراق، خطوة مهمة، تنطوي على دلالات وحسابات كبيرة وكثيرة، تختلف الى حد كبير عن خطوات مماثلة قامت بها دول اخرى في المنطقة، مثل الجمهورية الاسلامية الايرانية.
نقطة الاختلاف الجوهرية، التي يمكن ان تكون محور أي بحث ونقاش، تتمثل في ان الرياض، وخلال فترة زمنية قصيرة وفق السياقات والحسابات السياسية، اقدمت على السعي الى التقارب مع العراق بشكل غير مسبوق منذ خمسة عشر عاما.
فمن قطيعة شبه كاملة، عبّر عنها التمثل السعودي المتواضع في القمة العربية التي عقدت في بغداد ربيع عام 2012، الى مجيء وفد يضم عدد كبير من الوزراء ووكلاء الوزارات والخبراء والمستشارين ورجال الاعمال، وهو محمّل بأفكار ومبادرات ومقترحات وعروض، ربما تبدو للكثيرين مفاجئة وغريبة ومحيّرة.
ومن خطاب تحريضي متشدد من على المنابر الدينية والسياسية، وعبر وسائل الاعلام، الى خطاب في اطاره العام، هاديء وايجابي وانفتاحي.
ومن شروط واشتراطات تعجيزية في جانب كبير منها، وجهود حثيثة متواصلة لمنع الاخرين من طرق ابواب بغداد، بل ولاحتى الاقتراب منها، الى اندفاع سريع، افترضه البعض تكتيكا جديدا، بينما رأى فيه البعض الاخر استراتيجية اخرى بديلة عن الاستراتيجية السابقة التي اثبتت الاحداث والوقائع عقمها وعدم جدواها.
وفي واقع الامر، لاحت مؤشرات تحولات الموقف السعودي حيال العراق، قبل حوالي عام من الان، حينما اقدمت الرياض على سحبها سفيرها المثير للجدل في بغداد ثامر السبهان، بعد تزايد ردود الفعل الرسمية والشعبية السلبية العراقية بشأن الكثير من تصريحاته وتحركاته، واستبداله بسفير اخر هو عبد العزيز الشمري.
وقبل ذلك بحوالي ستة شهور تم الاعلان عن تأسيس المجلس التنسيقي السعودي-العراقي، بهدف “الارتقاء بالعلاقات الثنائية بين بغداد والرياض في كافة المجالات إلى آفاق جديدة، وتنسيق الجهود الثنائية بما يخدم مصالح البلدين”، مثلما اكد الطرفان على ذلك في حينه.
وخلال عام كامل، زار العراق، مسؤولين سعوديين كبار، بينهم وزراء، واطلقت الرياض اشارات ايجابية عديدة، من قبيل النية بفتح قنصليات لها في عدد من المدن العراقية، ومنح العراقيين ـ لاسيما الحجاج والمعتمرين ـ تأشيرات الدخول من تلك القنصليات بدلا من السفارة السعودية في الاردن، والاعلان عن التبرع بأنشاء مدينة رياضية في بغداد، واعادة تأهيل وفتح بعض المنافذ الحدودية بين البلدين بعد توقف واغلاق لبضعة اعوام.
هذه الصورة الايجابية، التي شكلتها المبادرات والخطوات الانفة الذكر، وكللتها الزيارة الاخيرة، وما اسفرت عنه من ابرام اتفاقيات ومذكرات تفاهم اقتصادية ـ تجارية، قد تثير استفهامات وتساؤلات، من قبيل، هل ان السعودية ادركت اخطائها السابقة، وبالتالي قررت تصحيحها ومعالجتها؟.. ام انها اكتشفت ان اساليبها وادواتها وخططها للوصول الى اهدافها الحقيقية في العراق لم تعد مجدية، او لم تكن صحيحة، لذلك اتجهت الى اساليب وادوات وخطط بديلة، أي بعبارة اخرى، قررت اللجوء الى الحرب او الاساليب الناعمة؟.
وفي حال افترضنا وجود حسن النية لدى الرياض في توجهاتها الجديدة، ففي هذه الحال، ينبغي مراجعة اخطاء وسلبيات الماضي، والسعي الى تلافيها، وقد قلنا في مقال سابق تحت عنوان (ما الذي على السعودية فعله تجاه العراق؟)، “واقع الحال، يشير الى ان الصورة المترسخة في اذهان معظم العراقيين، تتمثل في ان السعودية هي من ارسلت الاف الارهابيين التكفيريين ليفجروا انفسهم في الشوارع والاسواق والمدارس والمستشفيات ومحطات النقل، ويزهقوا ارواح الابرياء ويسفكوا دمائهم، وهي من لم تتوقف مؤسساتها ومنابرها الدينية عن اصدار الفتاوى التكفيرية التي تجيز بل توجب قتل من تسميهم ” الروافض”، في اشارة الى اتباع مذهب اهل البيت عليهم السلام، وهي من اصرت على عدم التنازل عن قرش واحد من ديونها المستحقة بذمة العراق، والتي تعود الى حقبة نظام صدام، بينما بادرت دول عديدة واغلبها اجنبية الى اطفاء معظم او كل ديونها المترتبة على العراق”.
“ولكي تكون النتائج مثمرة، وحتى تسير الامور بمسارات صحيحة، فلابد ان تكون المقدمات صحيحة وواضحة ومقبولة، ومن غير المنطقي القبول بحقيقة ان السعودية تدعم الارهاب الذي حصد ويحصد ارواح مئات الالاف من ارواح العراقيين الابرياء، ومتى ما رغبت ان تنفتح على العراق تفعل ذلك، وتنتظر من العراقيين الترحيب والاحتفاء والتبجيل، بل عليها ان تبادر الى مجموعة من الخطوات والاجراءات العملية كاثبات لحسن النوايا، والتكفير عن اخطاء الماضي، والتأسيس لمرحلة جديدة تختلف عن المرحلة السابقة بالكامل. ومن بين تلك الخطوات والاجراءات:
ـ الاعتراف بنهجها الخاطيء في التعامل مع العراق، الذي ادى الى الحاق الكثير من الاذى والضرر بحق العراقيين.
ـ ـمراجعة الفتاوى التكفيرية الصادرة عن المؤسسة الدينية الوهابية في السعودية، ضد اتباع مذهب اهل البيت عليهم السلام، وايقاف حملات التحريض الطائفي المقيت عبر وسائل الاعلام السعودية التي تتبنى اثارة الفتن والخلافات بين اتباع الدين الاسلامي الواحد.
ـ الاعلان الواضح والصريح عن اسقاط واطفاء كل الديون المترتبة للسعودية على العراق، والتعهد بتحمل تكاليف ما تسبب به الارهاب التكفيري من دمار وخراب هائل في العراق طيلة عقد ونيف من الزمن.
ـ تعويض ضحايا الارهاب، الذي قتلوا او اصيبوا او فقدوا ممتلكاتهم جراء الدعم والتحريض والتمويل السعودي للقاعدة وداعش والتنظيمات التكفيرية الارهابية الاخرى.
لا شك ان السعودية، تتابع بدقة، ردود الافعال العراقية المختلفة، في مواقع التواصل الاجتماعي، والمحافل السياسية، والشارع، اكثر مما تتابع البيانات التصريحات الرسمية لعدد من المسؤولين العراقيين حول انفتاحها على العراق، وربما تشخص حقيقة ان الانتقادات والاعتراضات والتحفظات العراقية، اكبر بكثير من الترحيب والتهليل والحماس لذلك الانفتاح، رغم ما ينطوي عليه من اهمية، خصوصا اذا كان ينطوي على جدية وصدق ووضوح، تتجاوز انشاء ملعب كرة قدم، او تأسيس قناة فضائية ترفيهية!.
ومن الطبيعي والمفترض ان تعمل الرياض على تشخيص اسباب وخلفيات تلك الانتقادات والاعتراضات والتحفظات، ولاتكتفي بتسطيح الامور، بالقول “ان ايران تقف وراء الحملات الاعلامية الانتقادية ضدها”، دون ان تكلف نفسها التوقف عند حجم الاذى والضرر المادي والمعنوي والبشري الذي الحقته سياساتها العدوانية الخاطئة ازاء العراق وشعوب اخرى في المنطقة.
ومن المهم جدا ان تثبت الرياض انها جادة في توجهاتها الجديدة، وذلك قد يتطلب مزيدا من الوقت، ويتطلب ايضا مزيدا من الصبر، والسير والتحرك، فيما يمكن ان يعبر عن مصالح العراق الوطنية ويحافظ على علاقاته وامتدادته مع اطراف محيطه العربي والاقليمي بعيدا عن الاصطفافات والمحاور الضيقة.
‎2019-‎04-‎06