بقلم بكر السباتين
دراسة تحليلية
ما بين غوار الطوشه وترامب “المكسيك والجولان”
على خلفية قرار ترامب بالموافقة على ضم الجولان ل “إسرائيل”
بيع الأسد للجولان هل هي حقيقة أم أخبار مرتجفة!؟
وأسئلة أخرىّ!
قبل أيام ظهر الممثل السوري الجاد والملتزم دريد لحام وهو يعطي نفسه الحق بضم المكسيك على جلال قدرها لأمريكا في برنامج ساخر عبر القناة الإخبارية السورية.. مقلداً بذلك الموقف الساخر الرئيس الأمريكي دوناند ترامب الذي فعل الشيء نفسه مع الجولان المحتل.. حيث رفع لوحة تتضمن قرار الضم، ذيله بتوقيع شبيه بتوقيع ترامب الشهير.
وهنا فالأمر ما بين الفنان الذي اشتهر في الوجدان العربي بدور غوار الطوشة، والمقامر الأمريكي ترامب، تأخذ نفس المعنى في سياق واحد، يتجلى بعدم أحقية التصرف بما لا يملك صاحب القرار لذلك علق دريد لحام قائلاً:” ما فعلته يساوي ما أعطاه المجرم ترامب للإرهابي نتنياهو”.. وجوهر هذه السخرية يتجلى بأن مثل هذا القرار الغير شرعي لا يعتبر قانونياً على الأقل في عرف الشعوب.
ولكن دعونا نتدرج في فهم قرار ترامب المؤيد لإعلان الكيان الإسرائيل الصادر عام 1981 بضم مرتفعات الجولان السورية إلى دولة الاحتلال دون اعتراف أي دولة بالقرار حتى مجيء ترامب الذي كرر ما قام به بشأن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، في اتخاذه قرار مشابه بضم مرتفعات الجولان السورية المحتلة إلى دولة “إسرائيل” وكأن ترامب ملك كوني يحمل الصولجان الذي يخوله التصرف بملكية الغير دون رادع قانوني أو احترام لمشاعر العرب المهدورة.. وهذا هراء وغير قانوني.

الأمر بالنسبة لترامب كان خطوة أخرى باتجاه تصفية القضية الفلسطينية، وكان قبل اتخاذه القرار قد غرد على حسابه في تويتر قائلاً:
“حان الوقت لاعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان التي لها أهمية استراتيجية وأمنية حيوية لدولة إسرائيل”.. وهذا بحد ذاته كان العتبة الأولى نحو رعاية حفل التصفية لقضايا العرب المصيرية توطئة لترتيب البيت العربي وفق الرؤية الأمريكية سواء في إطار صفقة القرن أو وفق خرائط برناند لويس التي أقرت من قبل الكونجرس الأمريكي عام 1983 والتي تتضمن مشروعاً تفتيتياً للمنطقة على أساس إثني وطائفي.. وفي سياق ذلك يقوم ترامب بالتهام كعكة الجولان وكأنها وجبة دسمة مدفوعة الأجر وقد قدمها راعي الحفل من غير وجه حق للكيان الصهيوني ترسيخاً لوجوده غير الشرعي على أرض فلسطين بمرسوم رئاسي يقضي بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وأنها جزء من “الأراضي الإسرائيلية” ويقصد هنا فلسطين المحتلة بما فيها الجولان السوري! وكأن لا أحد يتنفس ويضج في عقله الوعي وتتملك مشاعره الكرامة من أصحاب الأرض الشرعيين حول الحدث الذي يشكل بحد ذاته تحدياً للقانون الدولي وانتهاكاً للشرعية الدولية التي ترعاها الأمم المتحدة وبالتالي تعزيز الموقف الكولونيالي الصهيوني على حساب الحقوق الشرعية للشعوب العربية المغبونة..
إذن كيف حدث ذلك! وهل حقاً باع حافظ الأسد الجولان كما تروج له الآلة الإعلامية الصهيونية الضخمة وما يدور في فلكها، وكان حينها الأسد قائداً للدفاع السوري في عهد الرئيس السوري الأتاسي ولا يمتلك صلاحيات تفوضه بالتصرف في مصير البلاد! ولو حدث هذا الأمر بالفعل فهل يجوز أن يتعامل الرئيس أو القائد مع الوطن المستأمن عليه كملكية خاصة! أليس هذا التصرف لو حصل بالفعل مطعوناً به قانونياً وأخلاقياً! ولو حدث بالفعل فماذا يمنع الكيان الإسرائيلي من عرض عقود البيع على الملأ أم أنها دعاية يبتغي منها هذا الكيان المحتل صب الزيتَ على نار الفتنةِ التي وقودُها العربٌ بكل فئاتهم وطوائفهم؛ حتى يهمش هذا الكيان المغتصب حقيقة كونه محتل لأراضي الغير بالقوة، والذي يتمدد في وضح النهار في المنطقة العربية وشمال أفريقيا دون رادع؛ لأن العرب منشغلين ببعضهم! والقضايا المركزية يلقى بملفاتها وراء الظهر كما هو حال القضية الفلسطينية!
فالجولان في منظور ترامب يعتبر صفقة تجارية تدخل في حسابه على أساس الربح والخسارة، وبالطبع فكل ما يصب لصالح الكيان الإسرائيلي فهو رابح بالنسبة لأمريكا لاعتبارات استراتيجية وأمنية، وأركان هذه الصفقة تتجلى بما يلي:
البائع الذي يفترض بأنه حافظ الأسد، والمشتري الذي يفترض بأنه “إسرائيل” خلافاً لحقيقة أنه احتل فلسطين بما فيها الجولان السوري بالقوة، والسلعة المتمثلة بالجولان التي لا تخضع للمتاجرة كونها ملك للشعب السوري، وهي غير مملوكة لجميع أطراف الصفقة المفترضة، والثمن كما يروج له بأنه ما قبضه وزير الدفاع السوري آنذاك حافظ الأسد مقابل الصفقة، وهو ما سنأتي على ذكره بكل حيادية.. فإذا لم تثبت ملكية البائع للعقار فالصفقة تندرج في سياق النصب وهو جرم يسجل على أطراف الصفقة! وحينما يتذرع المشتري بأن للبائع صفة اعتبارية ومخول بالتصرف بما ينوط به؛ فهذا يقود لطرح السؤال نفسه بقوة فيما لو ذيل مجلس الشعب السوري، توقيعه على الصفقة، أم لا! والذي تأسس عام 1970 أي قبل القرار الإسرائيلي بضم الجولان عام 1981.. من باب تمثيل هذا المجلس المنتخب للشعب السوري المغبون والذي كما يبدو هو آخر من يعلم؛ أم أن الصفقة مجرد إشاعة صهيونية غير معززة بوثائق حقيقية وقانونية.
وهذا يعود بنا إلى سؤال يطرحه المعارضون للنظام السوري في تأكيدهم على أن الصفقة قد تمت بالفعل، وهو: لماذا منذ نهاية حرب أكتوبر عام 1973، لم تُطلق رصاصة واحدة من قبل الجيش العربي السوري على جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، ولم تستفزه رؤية العلم الإسرائيلي المرفوع على مرتفعاتها أو تثير حميته وتحركه روح العروبة للضغط على الزناد في وجه هذا العدو المارق الذي يحتل أرضه. في المقابل يرد الطرف الرافض لما تروجه المعارضة في أنه لو حدث الأمر بالفعل فإنه الأولى بالكيان الإسرائيلي أن يضمن حقه بالجولان أمام الأمم المتحدة دون حرج بعرض الوثائق التي تؤكد هذا الكلام فما الذي يمنعه من ذلك! وخاصة أن حافظ الأسد كان الأكثر تصلباً في حرب أكتوبر عام 1973 حتى أنه اختلف مع السادات فيما يتعلق بقرار إيقاف الحرب ولم يتجاوب معه في موضوع دخول سوريا في اتفاقية السلام مع “إسرائيل” وكان عليه أن يفعل ذلك لو تمت الصفقة بالفعل.. والقبول بمعاهدة شبيهة بكامب ديفيد التي علق بواسطتها السادات الجرس وفتح الطريق أمام الأسد آنذاك فما الذي منعه! على اعتبار أن وثائق البيع المفترضة كان من الممكن أن يستغلها الكيان الإسرائيلي في ضرب مستقبله السياسي، أيضاً هذا لم يحدث ابداً.
ولكن المعارضة تقول بأن لديها الدليل الذي يوازي بأهميته تلك الوثائق المطلوبة في تجريم حافظ الأسد، في فضيحة سقوط الجولان في حرب 1967، وتقديمها للكيان الصهيوني، سواء ما ذكر في كتب ومذكرات لضباط كانوا في خضم المعركة، أو من خلال شهادات أدلى بها الضباط والمسؤولون الذين كانوا حول حافظ الأسد نفسه، كونه وزيراً للدفاع السوري في عهد الرئيس الأتاسي، سواء في أفلام وثائقية، كالذي عرضته قناة الجزيرة الداعمة للمعارضة السورية والتي تعزز موقفها الإعلامي ضد النظام السوري الذي لا أبرئه من الدم السوري في كل الأحوال كدأب كل الفصائل المعارضة في الداخل. فالكل أجمعوا على أن حافظ الأسد قد أعلن سقوط القنيطرة قبل دخول الجيش الإسرائيلي بـ 17 ساعة، مع انسحاب قيادات الجيش السوري من أماكنهم وترك قوات الجنود من دون قيادات، ثم صدرت الأوامر بعد ذلك بانسحاب القوات من كافة المواقع وترك الأرض عراء أمام العدو.
المعارضة تتذرع غالباً بكتاب “سقوط الجولان” الذي صدر عام 1975، والذي اختفى صاحبه الرائد في المخابرات السورية العاملة في الجولان آنذاك، خليل مصطفى، في غياهب السجون السورية، حيث قال في سياقه:
“لم تكن هناك نية لدى النظام السوري لخوض أية معركة في مواجهة الجيش الإسرائيلي، وكل ما تم كان عبارة عن مسرحية ذات سيناريو ضعيف ومكشوف، والدليل أنه فعلاً لم تجر أية مواجهات حقيقية بين الجيشين”. ويؤكد أن أوامر الانسحاب الصادرة من وزير الدفاع “حافظ الأسد” جاءت يوم 8 يونيو، أي قبل احتلال الجولان فعليا. ويضيف: “ثم صدر البلاغ الفاجر من إذاعة حزب البعث في دمشق يوم السبت العاشر من يونيو الساعة التاسعة والنصف صباحا؛ يعلن سقوط القنيطرة بيد قوات العدو، ويحمل توقيع وزير الدفاع اللواء “حافظ الأسد”، ويحمل رقم 66. وكان هذا البيان هو طلقة الخلاص سددتها يد مجرم إلى رأس كل مقاومة استمرت في وجه العدو، رغم كل المخازي الفردية المعزولة؛ لأن القيادة البعثية قد أنهت كل شيء وسلمت للعدو الإسرائيلي مفاتيح أحصن وأمنع قطعة من أرض العرب، بل وتكاد تكون من أكثرها غنى ووفرة بالكنوز الدفينة؛ من آثار ومعادن وخصب تربة ووفرة مياه”.
ويستشهد خليل مصطفى في كتابه بما جاء على لسان وزير الصحة في ذلك الوقت، عبد الرحمن الأكتع، الذي كان في جولة ميدانية جنوب القنيطرة يوم العاشر من يونيو، عندما أعلن وزير الدفاع سقوط القنيطرة؟ يقول الأكتع:
“سمعت نبأ سقوط القنيطرة يذاع من الراديو، وعرفت أنه غير صحيح لأننا جنوب القنيطرة ولم نر جيش العدو، فاتصلت هاتفياً بحافظ الأسد وقلت له:
المعلومات التي وصلتكم غير دقيقة، نحن في جنوب القنيطرة ولم نر جيش العدو. فشتمني بأقذع الألفاظ، ومما قاله لي: لا تتدخل في عمل غيرك يا (..) فعرفت أن في الأمر شيئا!”.
وهكذا، فقد أعلن حافظ الأسد سقوط القنيطرة قبل سقوطها فعلياً، ولم تكن قوات الجيش الإسرائيلي قد وطأت أقدامها هضبة الجولان إلا بعد البيان المخزي!! وحينها بدأت ترتجف الأخبار حول خيانة الأسد وكيف أن المكتسبات بدأت تتوالى عليه بدءاً من تسلمه مقاليد الحكم بالتنسيق السري مع وزير خارجية أمريكا هنري كيسنجر عام 1970 وذلك بالانقلاب على الأتاسي حينما امتنع عن تنفيذ الأوامر بإدخال القوات الجوية لتغطية الدخول السوري إلى الأراضي الأردنية إبان حرب أيلول بين الفدائيين والجيش الأردني، وبالتالي تنفيذ الأسد بنجاح الانقلاب في سوريا وتسلمه بالتالي مقاليد الحكم حتى وفاته.
في محصلة الأمر فقرار ترامب الأخير حول الجولان هو قرار باطل بكل المقاييس؛ ويذكرنا بوعد بلفور الذي منحه من لا يملك الأرض لمن لا يستحقها.. ناهيك عن أن قرار ترامب ينتهك ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص في مادته الأولى على “امتناع الدول عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة”.
كما أنه ينتهك قرارات الأمم المتحدة وعلى رأسها القرار رقم (242) الذي ينص على “ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967″، وكذلك القرار رقم (497) سنة 1981 القاضي ببطلان القرار الذي اتخذته إسرائيل بضم الجولان تحت سيادتها، واعتباره لاغياً وليست له أية شرعية دولية..
وهو قرار تم في وضح النهار وربما بموافقة عربية بدلالة ذلك الصمت العربي المطبق إزاءه من قبل الدول العربية وخاصة تلك المشتركة في صفقة القرن.. وربما الوحيد الذي تحركت حميته رغم خلافه الجوهري مع النظام السوري، هو الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، الذي انتقد موقف ترامب بشدة، وقال:
“إن الجولان أرض عربية، ولن نسمح إطلاقا بشرعنة احتلال مرتفعات الجولان، وإن تصريح ترامب يجر المنطقة إلى حافة أزمة جديدة”..
هذه هي الحقيقة دون رتوش وقد تركت ما تقوله المعارضة حول الصفقة في نهاية المقال حتى يمعن القارئ النظر في تفاصيل ما يرتجف من أخبار غير موثقة لأن الأمر لو حصل بالفعل لكانت سوريا اليوم منعمة بالدعم الأمريكي ولكانت وثائق البيع حجة قانونية على سوريا في أروقة الأمم المتحدة للجم كل منتقد لموقف الكيان الإسرائيلي في ضم الجولان الجائر للدولة القائمة على احتلال غير شرعي لكل فلسطين.
31 مارس 2019