بقلم بكر السباتين


شماعة المطبلين” الواقعية”..
نعم! أنا والشاعر يوسف عبد العزيز رفضنا التطبيع مع دولة الاحتلال.
“الخيانة.. والكرامة.. والحرية”.. ليست وجهات نظر.
الوافعية والمنطق شماعة المتخاذلين..
حينما يتصدر السحيجة المشهد الثقافي يتحول المنطق إلى شماعة، هذا ما بدر لي حينما أفضى النقاش الذي دار بين ثلة من الأصدقاء المثقفين ونحن نحتسي القهوة وندخن الأراجيل في مقهى ركوة عرب الشهير بجبل اللويبدة، مستحضرين بعض حكايات المطبعين ونحن نتجاذب الأحاديث حول حادثة السفارة الإسرائيلية في عمان والتي قتل فيها أردنيان بدم بارد على يد ضابط أمن إسرائيلي وكيف أنه مر من بيننا إلى الكيان المحتل دون محاسبة، لينفتح الحوار على موضوع التطبيع على اعتبار أن أحد الضحيتين كان المالك للسفارة بموجب عقد إيجار أبرم مع الخارجية الإسرائيلية، ورغم ذلك فقد قتل بدون سبب، هكذا وكأنه جيفة لا اعتبار لها.. وكان أحدهم وكأن “البطحة على رأسه” يدافع عمّا شاب أحد أقربائه ممن أصابتهم لوثة التطبيع مرغماً.. فسألني بتذاكي:
” يا صديقي هدئ من روعك.. فماذا لو أتيح لك المشاركة في مهرجان شعري عالمي في دولة غربية مرموقة وحصلت من خلال ذلك على امتيازات مرفهة فهل سترفض لمجرد مشاركة أديب يهودي في المناسبة!؟ قلت له بالطبع إن كان يهودياً غير صهيوني فإنني سأبادر إلى القبول، أما لو ثبت لي بأنه صهيوني يحمل الجنسية الإسرائيلية فهنا ستختلف المعايير، فهذا مدرج في ضميري بقائمة الأعداء المحتلين لوطني، وبالطبع سأرفض بشدة.. وهذا الموقف لا يخضع لوجهات النظر والانزلاق الآمن على منطق الواقعيين المتخاذلين الذين يتشدقون بالمصطلحات من باب التبرير للأخطاء.
فرد صاحبي وهو شاعر رومنسي، ساحباً البساط من تحت قدميّ ظناً منه بأنني سأترنح على أرضية متزلزلة.. معقباً على إجابتي:
” الكلام سهل يا صديقي لأن المنطق يقول بالتجربة واختبار المواقف على المحك، وهو ذات المنطق الذي يأنف الكلام المنثال كشلال يخترق الغابة في حكايات السندباد الذي يطوف عالم الخيال دون احتساب للواقع وفواتيره التي تستنزف الجيوب وتؤثر على خارطة الطريق اليومية المرتبطة بمعطيات حياتنا.
وقلت له أنت محق في ذلك فما وجه الاعتراض إذن على كلامي!؟ نعم هناك تجربة لصديقنا الشاعر الكبير يوسف عبد العزيز الذي أرسلت إليه دعوة قبل ثلاث سنوات للمشاركة في مهرجان شعري عالمي في فرنسا، شاملة تذكرة السفر وتكاليف الإقامة في فنادق الخمس نجوم بالإضافة إلى مصروف جيب يقدر بألف يورو..ة ناهيك عن برنامج لرحلات سياحية داخلية مدهشة.. واستعد صاحبنا حينئذْ للرحلة المغرية لولا ما نمى إلى سمعة من مشاركة أحد شعراء الكيان الصهيوني في المهرجان؛ ما جعله يرفض المشاركة بإباء.. وقد كتب رسالة اعتذار مع إبداء السبب باللغتين الفرنسية والإنجليزية إلى إدارة المهرجان.. وقال لي عبد العزيز بأنه أحس بنشوة المنتصر الذي سجل نقطة ثقافية على العدو الصهيوني.
أما بالنسبة لي وعلى صعيد شخصي، فإنني أشعر بطاقة هائلة في مقارعة المطبعين من خلال موقف شخصيٍّ سجلته بكل فخر لنفسي في هذا الباب من خلال قيامي برفض قاطع للعرض التطبيعي المغري الذي قدم لي من قبل مركز التكنولوجيا التربوية، الذي طلب مني مديره اعتماد إحدى دراساتي المنشورة في جريدة صوت العروبة بنيوجرسي بعنوان:
” قراءة في تجربة ملك الجليل ظاهر العمر! بين النهضة وخيانة الأقربين!!”
لتدرس في مناهج الناطقين باللغة العربية. وكنت اعتقد بأنه أحد مراكز البحث العلمي قي نيوجرسي والمتخصص في تطوير المناهج لغير الناطقين بالعربية، لكنني كنت حينها أشعر بالريبة كلما تهرب مدير المركز من إيفائي بمعلومات تفصيلية عن المركز إلى أن قال بعد أن ترددت بالقبول بأنه مركز وطني فلسطيني معني بتطوير المناهج للفلسطينيين داخل الخط الأخضر؛ بالطبع هذا لم يشبع رغبتي في تبيان الأمر، وسعيت لطلب المزيد من المعلومات؛ خوفاً من الوقوع في زلات لا يحمد عقباها، في عالم يحكمه الرياء؛ فبادرت إلى مراسلة بعض المثقفين العرب ومنهم الباحث نواف الزرو والدكتور يوسف قنديل في بريطانيا وغيرهما لأحصل بالتالي على معلومة مفادها بأن هذا المركز يتبع وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية.. فرفضت العرض على إثر ذلك، رغم ما فيه من إغراءات، وقمت بنشر التفاصيل التي تضمنت مراسلاتي مع مدير المركز المذكور ملحقاً بالوثائق، مع نص كتاب الرفض، في الصحف العربية والمحلية ومنها جريدة (السوسنة ) الأردنية 5-6-2017.. محذراً الكتاب من مغبة السقوط في بئر الخيانة والتطبيع المهين.
وللخروج من مأزق النقاش الذي أنقلب على صاحبه وبعد أن اطلع صديقي من خلال الشبكة العنكبوتية على تفاصيل المراسلات سألني باهتمام جاد:
وما شأن الكيان الصهيوني بدراسة تتحدث عن شخصية تاريخية فلسطينية تعتبر في سياق تاريحنا بأنها صاحبة أول مشروع قومي متكامل البنيان في عمق الخلافة العثمانية، هل يريدون إثبات أنه ظهر في عصر التسامح الديني!! إلا يناقض هذا الأمر المشروع الصهيوني.. ففلسطين ليست طليطلة بالنسبة لكيان صهيوني محتل!؟
فقلت لصديقي بأن ما تقوله هو العنوان المغري الذي في سياقه حاول مدير المركز إقناعي بالفكرة هذا قبل تكشف أوراقه المشبوهة لي؛ وقد طرق ذات السؤال رأسي طويلاً:
“ما السر الدفين وراء هذا الطلب المريب! لماذا ظاهر العمر بالذات!؟”
وبعد تفكير عميق خلصت إلى أن سبب اختيار دراستي تجلى في نقطتين مفادهما أن هذه النهضة التي تحققت في عهد ظاهر العمر أتت نتيجة مشاركة شخصيات من كل الأديان في إدارة الدولة، وبالطبع ليس تأسياً في نظر المؤسسات الصهيونية بالتسامح الديني الذي ساد طليطلة في الأندلس التي جمعت في بوتقتها الحضارية علماءً من كافة الأديان؛ لبناء حضارة متسامحة متميزة جيّرت موضوعياً للمنجز الحضاري الإسلامي العظيم، هذا بإجماع المؤرخين في العالم.. بل لتحقيق رؤية وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية التي ستجير بلا شك ازدهار فلسطين في عهد ملك فلسطين ظاهر العمر إلى ثورته على الأستانة والتقدم بمشروع نهضوي في زمن القهر الذي ساد عهد الخلافة الإسلامية العثمانية، من جهة أخرى تريد الوزارة ترسيخ ثقافة العجز واليأس في عقل الإنسان العربي الخاضع للاحتلال وهز ثقته بنفسه وبموروثه التاريخي؛ بالتركيز من خلال دراستي على حقيقة أن ظاهر العُمَر ذلك الملك النهضوي إنما غدره أبناؤه المتواطئين مع خصومه العثمانيين.. من هنا فقد جاء اعتماد دراستي التي تناولت كل جوانب تلك الشخصية التاريخية الفذة التي جاءت من قرية عرابة شمال فلسطين لتقيم نواة ملكها في عكا التي ما زالت تحمل من آثاره أسوار المدينة وأهم مرافقها الداخلية.
وفي أتون النقاش تهادت الوتيرة وأثلجت الصدور وتناسينا التفاصيل لتأخذنا الدعة وراحة البال إلى مرابع الذكريات المشتركة.. ليقول صديقي على مسمع من الجالسين الذين انبروا إلى صفي الوطني، متخطياً تبريراته حول السقوط في بئر الخيانة بأن المطبع لا مبرر لفعلته، وعقب أحد الأصدقاء ممن عرف بقلة الكلام:
” لا تدع الخائن يتطهر مستحماً بمفهوم “الواقعية: و”الظروف القاهرة” أو “منطق الأشياء” لأنها في محصلة الأمر عبارات فضفاضة، وهي من المبررات الميكافللية التي تخضع لمفهوم الغاية تبرر الوسيلة.. لأن الخيانة.. والكرامة.. والحرية.. على ما فيها من تعارض بينيّ؛ إلا أنها أيضاً ليست وجهات نظر.. بل مواقف لا بد من إخضاعها لموازين الحقوق والعدالة في إطار الشخصية. فحينما يسألك أحدهم:
” من أنت!”
تكون هذه المواقف من المعايير التي ستحدد ملامحك.
‎2019-‎03-‎23