صدمة نيوزيلندا وسياسة التطرف


كاظم الموسوي
ما حصل في نيوزيلندا صدمة. اجل صدمة كبيرة. مجزرة.. مذبحة.. هجمة ارهابية.. والاكثر فيها ما قام به المجرم الذي اقترف المجزرة ومن تعاون معه من تصوير بشاعته وجريمته وبثها على الانترنت، على الهواء مباشرة على صفحته على موقع فيسبوك. الشهداء الذين سقطوا في باحة مسجد دون ذنب لهم، سوى براءتهم وقناعتهم بما يقومون به نهار يوم جمعة في بلد غربي آمن وهاديء. تجمعوا للصلاة والعبادة واحترام الشعائر واهل البلاد التي آوتهم واسكنتهم على ترابها، اذا اعتبر هذا ذنبا يعاقبون عليه بهذه المذبحة الفاشية. خبر صادم انتشر في وسائل الاعلام وردات فعل واقوال تدين وتستنكر وتشجب، من مسؤولين غربيين ومن قيادات دينية ومنظمات اجتماعية وحقوقية وغيرها. جزار نازي يقتل مسلمين يصلون في مسجد..الصورة هكذا بكل هدوء. ولكن خلفياتها تقتضي التامل وتتطلب العمل. لماذا حصل ما حصل؟
فيما نقل عن المجرم، واسمه برينتون تارنت، وصفته وسائل اعلام غربية ورددتها امثالها، بانه يميني استرالي متطرف، يبلغ من العمر 28 عاماً، وهو من ضمن أربعة تم إلقاء القبض عليهم، وعن وثيقة نشرها تارنت على الانترنت، فإنه ينتمي إلى عائلة أسترالية من الطبقة العاملة، أهدافه هي إخلاء المجتمعات الغربية من غير البيض والمهاجرين بغرض حمايتها، وكذلك الانتقام للحوادث الإرهابية والجرائم الجنسية التي يقوم بها مسلمون ومهاجرون حول العالم بحسب أقواله.
ومن خلال الوثيقة، يعلن أنه يريد الوقوف بوجه الهجرة إلى العالم الغربي بتخويف المسلمين بشكل مباشر عن طريق العنف، كما يريد أن ينتقم لما شهدته البلاد الغربية من هجمات إرهابية… كما قال في الوثيقة إن العمل يأتي رداً على حوادث الاغتصاب التي يشهدها العالم الغربي كما حصل في روثرهام في انجلترا عندما اعتدى رجال بريطانيون من أصول باكستانية على نحو 1400 طفل خلال 16 عاماً، وعلى حوادث اغتصاب في سيدني بقيادة شبان لبنانيين أستراليين ضد نساء وبنات أستراليات عام 2000 .
بحسب الوثيقة، سعى تارنت لشن هجوم قبل عامين، ثم بدأ بالتخطيط قبل ثلاثة أشهر، وأنه اختار نيوزلندا ليؤكد أن لا مكاناً آمناً في هذا العالم، واختار هذين المسجدين بعد زيارتهما وكان يريد استهداف مسجد ثالث ولكنه قال إنه قد لا ينجح.
الوثيقة حسب ما نشره موقع يورونيوز منشورة في 73 صفحة على شكل أسئلة وأجوبة، تعلن دوافع الارهابي وبعض التفاصيل عن خلفيته دون تسميته. ورغم ادعائه أنه يعمل بشكل منفرد ولا ينتمي لأي حركة نازية أو معادية للسامية، وأنه شكل أفكاره من خلال الانترنت، وأشار إلى تأثره بأندرس بريفيك، الإرهابي اليميني الذي قتل 77 شخصاً في النرويج عام 2011، فانه
لا يكتفي بهذا فقط، بل تتطرق الوثيقة إلى أسماء كبيرة يريد استهدافها كالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وعمدة لندن صادق خان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
كما يدعو لقتل الزعماء الاقتصاديين المعادين للبيض، ولقتل تجار المخدرات، ولاعتبار المنظمات غير الحكومية جماعات خائنة وترحيل غير الأوروبيين من الأراضي الأوروبية.
وصفته رئيسة الوزراء النيوزيلندية، بالمجرم الارهابي العنيف، وكذلك نعتته جهات وتصريحات. الا ان ما حصل وما نشر يعطي صورة اولية عنه. ولابد من ربط ما جرى بسياسات التطرف والكراهية التي تقودها الادارة الامريكية وحلفاؤها في اركان المعمورة. فلا يمكن ان تكون هذه الجريمة دون دوافع اخرى، ومحفزات واسباب اخرى، واهداف اخرى.
الحروب والتصريحات التي تشنها الادارة الصهيو امريكية عالميا تدفع او تحرك الباعث الفعلي لهذه المجزرة وامثالها، بل انها استمرار لما قامت به الامبريالية من مجازر وحروب وعدوان.
ومتابعة ما سجله المجرم وتصريحات الرئيس الامريكي دونالد ترامب وهجماته ضد المهاجرين والمسلمين خصوصا، وكذلك جرائم الاحتلال والقتل والتطرف، في اكثر من مكان في العالم توضح اشكالا من التطابق حتى اللفظي بينهما.
ان هذه المجزرة تقدم دروسها ايضا ولابد من الادراك للمخاطر والبواعث وعدم المشاركة في تاجيج التناقضات والصراعات الهوياتية والعقيدية واحترام الحقوق والقوانين المرعية.
من يتهرب من هذه الوقائع ويرمي دون وعي منه او بقصد مطلوب منه عناوين اخرى ومقارنات صورية ارادوية يخدم بذلك تلك المجازر وتلك السياسات المتطرفة وصناعة الارهاب وتنظيماته المتنوعة.
2019-03-15