عفو ملطخ بالدماء
كتب محمد السيد محسن
يراودني منذ زمن بعيد ما يقوم به بعض الساسة من تقافز على البديهيات والأولويات التي تحكم تصريحاتهم والمواقف المستجدة التي تثير السخرية منهم نتيجة مخالفة تصريحاتهم وإيمانهم ببعض القضايا.
لست اقصد شخصا بعينه وإنما أنا اقصد شريحة من السياسيين الذي تسلقوا ووصلوا عبر عاطفة جمهور بعينه عبر شعارات محددة ، واشتغلوا على وجهة نظر واحدة لتأسيس ايديولوجية سائدة استطاعوا من خلالها استدراج كم هائل من محبيهم، او من الذين تم استغفالهم على أساس انهم مؤمنون بهم ، وإذا بهؤلاء – اقصد الساسة – ينقلبون على جمهورهم لينحنوا بشكل مذل وليبرروا هذا الانحناء بشعار عفا الله عما سلف.
وبعضهم تذكر وبشكل مفاجئ سيرة نلسون مانديلا ليتشبهوا به وبخطواته في التسامح لبناء الدولة.
هذا التقافز لم يرق لكثيرين من الذين ركضوا وراءهم مؤمنين بشعاراتهم حيث اكتشفوا انها لم تكن الا شعارات زائفة أراد السياسيون منها عبور مرحلة ما ليس الا.
إذا كان البعض منهم قادر على التسامح فلماذا هذا التأخر باستيعاب الخلق التسامحي الرفيع ! ولماذا تم السماح لخطاب الكراهية ان ينمو في مجتمعاتنا حتى بات المواطن يتعامل بقرائن طائفية من اجل ان يعرف قرينه العراقي في وطنه! بل لماذا سالت تلك الدماء الزكية – المضحية والمغدورة – في مدننا الهائجة بالانتقام!
ولماذا هذا التأخر اللافت في تطبيق مبدأ العفو بعد قوانين الاجتثاث والانتقاء وفرض الانتماء والتهميش. الإقصاء والتزكيات الانتقائية وتفضيل البعض على الآخر وفق قياسات القناعة والانتماء!
من حقنا اليوم ان نسأل أهل السياسة، أولئك اصحاب القرار في العراق : هل انتم تؤمنون بالعفو أم دفعكم اخرون اليه وفق اعتبارات مرحلية فرضتها بعض الأحداث ؟
وإذا كانت الأيادي التي اتهمت في مرحلة ما بانها كانت ملطخة بالإرهاب ، فأين تم غسلها من دماء الضحايا ؟
من يمتلك حق تبرئة القاتلين وحسرة ذوي المغدورين ما زالت حرّى وجمرهالم يخفت بعد؟
اننا نعرف منذ زمن ان قواعد الاشتباك مع الآخر الذي يخالفوننا ويخالفونكم يجب ان تتسم بالعقل قبل العاطفة لكنكم يا اصحاب القرار انتم من غلّبتم العاطفة على العقل وتفاعل معكم التابعون دون قصد ودراية لانكم حسب ما فهموا منكم ستنقذون المذهب او الدين او الكرامة من الكارهين والحاقدين ، وسعيتم اليوم لان تمدوا يد العفو اليهم لتخرجونهم من بئر الاتهام وتجعلونهم على سكة الوئام وفق مبدأ قد يستفز العراقيين بشرفه العالي وهو مبدأ التسامح وعدم العودة لاستكشاف خفايا الماضي القريب.
ثأر الضحايا بات في ولايتكم وليس للشعارات البراقة أي دفع للأمام حين تهربون انتم إلى الامام ويتراجع حجم القناعة عند تابعيكم ، إذا كنتم تحاولون إقناعهم.
ما يتم التعامل به مع القناعات وتداعي الشعارات الرنانة التي كثفت الغيوم في سماء عقول بعض العراقيين ، سيكون له الرد العكسي والإحباط الذي يتجلى واضحا في تعامل تابعيكم.
كان الأولى الاحتكام إلى العقل منذ زمن وان لا تترك الأمور لعواهن العاطفة التي أدت إلى الانتقام والإقصاء وعدم احترام الآخر بل اقتراف خطيئة القرينة في تثبيت المواطنة كمقياس للانتماء للعراق.
أما الإشكالية الكبرى في انتقائية فرض التسامح بعد فرض الاجتثاث هي اننا لم نعد نثق بكم كما أنكم كشفتم زيف العدالة والاحتكام للقضاء ، ففي الوقت الذي كانت به المرجعية توصي بالاحتكام إلى القضاء والتعامل وفق الحق الشخصي بالدعاوى القضائية والجنائية والشكاوى ، كنتم تروجون لقوانين الانتقام والاجتثاث والطائفية ، “وتنافحتم شرفاً” صوناً للمذهب والطائفة ، وحين سالت الدماء وصارت الطائفية زاد المواطنة وقرينتها جئتم بحلول التسامح لابتزاز ضمائرنا .. لن تفلح هذه المرة ..ولن تنجح دعاية التسامح لانها ممسوكة باوامر الخارج وليست متماسكة بحب المواطنين لبعضهم البعض.
‎2019-‎03-‎13