تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية
تأليف: محمد جابر الأنصاري ، ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ١٩٩٤).


عرض وتلخيص : علي رهيف الربيعي
أصدر المفكر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري كتابا بعنوان ” تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية ” ، مع عنوان فرعي هو ” مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي ” .
أطروحة الكتاب كما أوردها المؤلف في المقدمة هي :
” … وبنظرة تجريدية مقارنة للمرحلة القطرية في سياق التاريخ الإنساني والعالمي نطرح الفرضية المؤسسة على حيثياتها التاريخية والعلمية ، والقائلة إن الدولة القطرية تمثل مرحلة إقطاعية مؤجلة بالمعنى الإنمائي للاقطاع في عصر الرأسمالية العالمية والسيادات الدولية . وذلك ما أدى تاريخيا إلى التأجبل الموضوعي للوحدة القومية بانتظار إنجاز التنمية القطرية المقاطعية ” .
ويضيف :
” إن سباق الأولويات التاريخية ( والمستقبلية ) يتطلب ” بناء ” دولة راسخة مكتملة النمو ( من كيانات واقعية لكنها ما زالت رخوه بمعيار الدولة المؤسسية الثابتة ) … والتحدي الصعب ، المطلوب تبينه بهاذا الصدد ، يتمثل في تحقيق التوفيق بين ” استكمال ” بناء الدولة .. و ” تغييرها ” ديمقراطيا في الوقت ذاته ” .
أي أن الدولة القطرية لها وضيفة تاريخية تبرر وجودها ، فإذا أدتها انتقل المجتمع العربي من الدولة الاقطاعية إلى الدولة الوحدوية . وهو يؤسس لفرضيته بمسح جغرافي – تاريخي يتوصل منه إلى أن مرتكز العمران في الوطن العربي متباعدة تفصل بينها صحاري شاسعة ، مما شكل صعوبة لوجستية في القديم ، كما أن الجفاف الذي يطرأ على مراكز العمران يخلق تقطعا في استمرار الدولة في تلك المراكز عينها . يضاف إلى التصحر الطبيعي تصحر بشري في الغزوات التي تعرضت لها مراكز العمران العربي من صحارى تركستان وسهوبها لمدة تزيد على ألف عام كما أسلفنا . هؤلاء الأتراك والشراكسة تقاسموا الأرض الزراعية وأقاموا في العواصم يجبون خراجها ، كما أن الإقطاع لم يكن وراثيا مما دفعهم إلى اعتصار موارد الأرض وإفقار الفلاح وعدم المشاركة في التنمية ، وذلك بخلاف الإقطاعي الأوربي الذي كان يقيم في الأرض ويشيد الحصون ويهتم بالفلاح وينمي وسائل الزراعة ، فلما حدثت الثورة الصناعية ساهم فيها بفائض أمواله وانقلب من إقطاعي إلى برجوازي . هذا الدور الإقطاعي ، في رأي الدكتور الأنصاري ، تقوم به حاليا الدولة القطرية . فهو يعرفها بأنها توحيد لأقاليم ومجتمعات كان بعضها منفصلا عن البعض الآخر في ظل العثمانيين ، وهو يحاج بأن :
” وحدة الحضارة والثقافة واللغة لا تعني بالضرورة وحدة المجتمع والدولة التي يتطلب قيامها واستمرارها تواصلا موضوعيا عضويا على قاعدة مادية و ومؤسسية من التكامل والتفاعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، وهي قاعدة لم يكن من الممكن أن تمتد عمليا في بيئة الصحارى العربية وفراغاتها القاحلة وبناها القبلية (١) .
ويتابع :
” وإذا كانت هذه الكيانات القطرية تمثل ظاهرة تجزئة من المنظور القومي الوحدوي ، فإن كل كيان منها يسهم ضمن مجاله في بناء وتنمية النسيج المحلي والمقاطعي والإقليمي ، غير المكتمل بعد ، مما يؤدي إلى ملء الفراغات والفواصل التي مثلت وتمثل الحواجز الطبيعية والموضوعية في وجه محاولات التوحيد ، وذلك ما يؤدي في حد ذاته وظيفة وحدوية . وهذه الكيانات عندما تنجز تاريخيا ، كل في مجاله ، عملية الإنماء المحلي والتواصل والترابط المقاطعي والإقليمي فإنها ستخلق موضوعيا نسيجا متواصلا أوسع وأبعد مدى منها وبما يتجاوزها كيانيا وبنيويا بحيث تنضج وحدة تفاعل عربية أكبر تؤدي بالتالي إلى إيجاد القاعدة والبنى الشاملة ، المترابطة والمتواصلة ، للمجتمع الواحد والكيان القومي السياسي الموحد ” (٢) .
في الختام : لعل الفكر القومي ، وهو يعيد النظر في منطلقاته ، فيسعى إلى المزيد من الارتباط بالأرض والواقع والمستقبل ، لعله أشد التيارات الفكرية حيومية واستشرافا للحياة العربية في صيرورتها التاريخية . وعلينا أن نأخذ هذه الاجتهادات مأخذ الجد لأنها عما قريب سوف تقلب النظرية القومية التقليدية وتقدم إلى الأجيال الطالعة والحائرة مفتاحا لفهم المجتمع العربي وتغيره .
(١) محمد جابر الأنصاري ، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية ، ص ١٢٤ .
(٢) المصدر نفسه ، ص ١٣١
2019/03/13