نتائج القمة العراقية الإيرانية: إنطلق القطار!
د. ماجد توهان الزبيدي
كان ديدن العلاقات الأميركية مع حلفائها ومايزال الإستحواذ على المقدرات المالية لأولئك الحلفاء -أو الأتباع في حقيقة الأمر-،وخاصة المُقدّرات المالية والثروات الأساسية مقابل سلاح أميركي ليس من الدرجة الأولى وحماية سياسية وعسكرية للنظم الحاكمة.
لقد ظنت إدارتي “اوباما “الديمقراطية و”ترامب” الجمهورية أن ماقدمتاه للعراق في زمن “فحولة”داعش الإرهابية ،بُعيد إحتلالها للموصل وتمددها لنواحي بغداد ،ان العراق: حكومات وشعب بات في جيب الأميركيين للأبد،في وقت نهبت السفارة الأميركية ببغداد ومن قبلها رجال “بريمر” خزانة مال العراق وأشاعوا فيه فسادا إداريا وماليا جعل من البلد في مقدمة دول العالم الفاسدة!
لم يبن الغزاة الأميركيون في العراق محطة كهرباء واحدة متكاملة أو مصنعا كبيرا أو طرقا جيدة ،في وقت بدأت دولة النفس الطويل المجاورة(إيران) تتمدد في بنية العراق في كل المجالات، وتستحوذ على السوق التجاري وباتت منتجاتها في كل بيت عراقي من البصرة للرمادي بأسعار منافسة ،وازالت كل الحواجز من امام تنقل العراقيين والإيرانيين جيئة وذهابا بين البلدين برا وجوا وبحرا!
مناسبة ماسبق من قول ،هو هذه النتائج المذهلة والدالّة التي أسفرت عنها زيارة الرئيس الإيراني التاريخية للعراق ،وخاصة منها ربط البلدين بشبكة سكك حديدية من شأنها أن تصنع إندماجا حقيقيا بشريا وتجاريا وعلميا بين الجارين ،من دون إعاقات حدودية أو جمركية ،الأمر الذي يستفيد منه الشعبان الشقيقان بقدر متساو ،في وقت يواجه البلدان تحديات مصيرية على الصعيد الإقتصادي في ضوء العقوبات الأميركية الظالمة والفاشلة على طهران ،والضائقة المالية التي تعمُّ العراق والعراقيين جرّاء محاولة تقليد النمط الأميركي ففاق!!!
إن الدول العربية بكل تاريخها الطويل ومؤتمرات قممها العديدة لم تؤسس لشبكة طرق حديدية بين دولتين عربيتين متجاورتين ،وهو مايُفسرُ الضعف العربي الرسمي على كل الصعد !في وقت تلعب السكك الحديدية الناقلة للأفراد والسلع الدور الرئيس في القوة بين شعوب اللغة الواحدة أو الثقافة الواحدة أو الدين الواحد!
أما الجوانب الأخرى لنتائج القمة العراقية الإيرانية فقد جاءت في مجالات حيوية مُلّحة:التبادل التجاري من دون عوائق جمركية وكوابح بيروقراطية ،مع تركيز خاص على جانب الصحة والأودية ،إذ تنتج إيران 96 في المئة من كافة أنواع الدواء البشري في معاملها ومختبراتها وبأسعار منافسة لغيرها من شركات الأدوية العالمية الغربية ،علما أن العراق يستورد أدوية إيرانية بقيمة 25 مليون دولار سنويا من إيران قبل الزيارة ،مما قد يرفع حجم التبادل لاحقا لمبالغ فلكية في ضوء الفرق الشاسع بين أسعار الأدوية التي تستوردها وزارة الصحة العراقية من الولايات المتحدة وأوروبا .
وسنرى تاليا تمتين غير مسبوق للعلاقات بين الجارين في مجالات التعليم الجامعي والبحث العلمي والطاقة ،خاصة الكهربائية في ضوء النقص الحاد للكهرباء في العراق ،بعد مايزيد عن عقد ونصف العقد من الوجود الأميركي المُهيمن على العراق !إذ تُصدّر إيران الطاقة الكهربائية لإفغانستان وأرمينيا وتركمانستان والعراق والباكستان ،وهي كانت قد أعلنت مرارا عن جاهزيتها لحل مشكلة الكهرباء المزمنة والمصطنعة في لبنان ،لكن المشكلة تكمن في عدم إستقلال القرار اللبناني على هذا الصعيد ،بعد،وإن كان الكاتب يعتقد ان الأمر سيتم قريبا في ضوء دخول قيادة حزب الله والتيار الوطني اللبناني بزعامة عون على خط التصدي للفساد المالي والإداري للدولة اللبنانية وبأثر رجعي!إنطلاقا من قناعة راسخة لديهما أن البقاء اللبناني أمام تحديات الوجود يكمن في الذهاب لأقصى حد في معركة إجتثاث الفساد المالي وافداري من أجهزة الدولة:وزارات ومؤسسات ،وهو أمر تعاني منه دول عربية عديدة ،والسبب الرئيس في التبعية غير المسبوقة لأميركا والخنوع المُذل لكيان العدو “القابع بين جدارين”في فلسطين المحتلة!!
وفي تقدير الكاتب ،لن يكون للكوابح الأميركية والأقليمية من دور محوري في وقف عجلة التعاون الإقتصادي بين العراق وإيران ،بعد أن تبخرّت سنوات طويلة من العمل الأميركي الجبّار على صعيد عزل إيران وإنشاء تحالفات إقليمية ضدها،و لسبب آخر بسيط يكمنُ في أن القاعدة الشعبية والحزبية والحكومية في البلدين تعزف لحنا موّحدا في هذا الشأن ،من المتوقع جديّا تمدده ليشمل سوريا ولبنان في ضوء الإنهيارات المعيشية والإقتصادية غير المسبوقة التي أشاعها التحالف الأميركي الصهيوني بالتعاون مع بعض الأطراف الإقليمية في منطقتنا !
*أستاذ جامعي وكاتب في المعلوماتية والقانون الدولي الإنساني
mzubidi2008@gmail.com
‎2019-‎03-‎13