الجمهورية الأخيرة بين:
مجاهدين لا ثوريين، ومعارضين انتهازيين وشباب بلا حزب لينيني
د. عادل سمارة
مشدود أنا للجزائربقلق شيخ وعواطف طفل. شعب الجزائر من عرب وأمازيغ رفعونا باكراً إلى مصاف ومقدمة الأمم حيث كسروا أنف امبراطورية أخطر سماتها الحقد العنصري المتكبر والنووي. إمبراطورية استيطانية وليست مجرد احتلال عسكري. إنه اقتلاع مليون ونصف المليون مستوطن بذلت الجزائر بنفس عددهم من الشهداء. من هناك كان اول نصر عربي حقيقي. وحيث أيقنت فرنسا بأنها مهزومة لا محالة عرضت على بريطانيا الوحدة ودخلتا ومعهما الكيان الصهيوني في عدوان 1956 ضد مصر الناصرية، لأنها كانت تدعم الثوار الجزائريين ومختلف حركات الثورة العربية.
يدق لنا هذا جرس الحذر من التدخل الأمريكي والفرنسي والصهيوني الآن، بغض النظر عن الأليات من حيث شدتها ومن حيث محركيها محليين وأجانباً.
وعلى الطريق نفسه تمكن جنوب اليمن من طرد العدو البريطاني مهزوماً وتمكنت المقاومة اللبنانية وخاصة حزب الله من طرد الصهيوني من لبنان.
أذكر هذا كي يكون لنا الانتباه إلى أن ما آلت إليه الجزائر واليمن ما لا يليق بعظيم التضحيات، ولكي لا يقع حزب الله لاحقا في الخطأ إياه سواء بعد قيادته الحالية أو بعد جيل. وفي هذا السياق يكون نقل تراث ما كان للآتين أمر فيه من الخطة والفن أكثر مما فيه من الهتاف.
مجاهدون لكن ليسوا اشتراكيين
ثورة الجزائر جزء من موجة القومية الثانية التي عمت بلدان المحيط، منذ اربعينيات القرن العشرين وحتى سبعينياته، لاقتلاع الاستعمار، وقدمت التضحيات الجسام بقيادة جبهة التحرير الوطنية الجزائرية ذات التوجهات الوطنية والعروبية والاشتراكية والإسلامية معاً.
كان التيار الأبرز بقيادة أحمد بن بيلا الذي شغل موقع رئيس الجمهورية إثر الانتصار عام 1962 وحاول نقل البلاد إلى نظام اشتراكي قائم على التسيير الذاتي. في محاولة لإقامة نظام أقرب إلى مجموعة عدم الانحياز سياسياً، وأقرب إلى الاشتراكية منه إلى الراسمالية وأكثر جذرية من الاشتراكية العربية بقيادة جمال عبد الناصر (كتابات محمد حربي مرجعية عن هذه التجربة).
تم تقويض تجربة “جزائر بن بيلا” ، كما كان يحلو لنا القول تحبُّباً في تلك الأيام، بعد سنوات ثلاث من الانتصار حينما قاد المجاهد هواري بو مدين عساكره يوم 19 حزيران 1965 ووضع بن بيلا في سجن انفرادي لعقود الأمر الذي حصر الجزائر في قفص القُطرية الحديدي مما حال دون تقارب وحدوي مع مصر من اي مستوى.(في عام 1977 زرت في باريس المحامية لافي فيرون محامية بن بيلا وأهديته معها أول كتبي :اقتصاد المناطق المحتلة:التخلف يعمِّق الإلحاق).
ليس شرطاً أن يكون المجاهد اشتراكياً، وغالباً لا يكون. يكون مقاوِماً ولكن يغلب عليه أثر “الدين السياسي” وخاصة القُطْرية حين الوصول إلى السلطة فتتغلغل في النظام راسمالية المحيط التابعة/الكمبرادورية والتي حذر منها فرانز فانون شهيد الثورة الجزائرية المميز.
لم تنفع الجزائر وطنية قطرية عسكرية شبه اشتراكية وهو ما حال دون اتخاذها طريق التسيير الذاتي بقيادة بن بيلا ولا طريق كوبا الاشتراكية الشيوعية، ذلك لأن تشي جيفارا لم يكن عسكريا مثل بو مدين بل كان غواريا أممياً. بكلام موجز، لقد اسس انقلاب بومدين لما نراه اليوم حيث كان كل عقد يمر يجرد الثورة من بعض مجدها ومجد شهدائها، سواء بالقمع أو بالقُطرية أو بتراجع القطاع العام أو الفساد مما أبقى الجزائر بلداً ريعياً إلى حد كبير.
مع الريعية تنمو البرجوازية الطفيلية والكمبرادورية بالضرورة ومع الراسمالية غير الإنتاجية ينمو تيار الدين السياسي، ومع هذه كلها تتسع البطالة. أما السلطة فكانت تطفىء الرفض الشعبي بالتوزيع الريعي. وهي سياسة لم تتجاوز الهروب من أو إدارة الأزمة وليس الحيلولة دون حصولها أو حلها. ويبدو أن الخطأ نفسه ما وقعت في برازيل لولا دي سيلفا وفنزويلا تشافيز مما يؤكد أن “اشتراكية القرن الواحد والعشرين” هي أقر ب إلى “الاشتراكية بالريع”. وحين ينضب الريع تتنطح الراسمالية الكمبرادورية للتحكم بالأعناق الجائعة باسم الإصلاح والديمقراطية والتي تحت جلدها اللبرالية الجديدة! ماسحة تراث الثورة.
ورغم ذلك ما بقي من الجزائر ابقاها أعلى كعبا من اية دولة قطرية عربية أخرى سواء التعليم والطبابة المجانيين، أو عدم الركوع للتطبيع، وهذا يشرح أي حال من التردي وصل المشروع العروبي.
وإذا كان بو مدين قد انقلب على اشتراكية البلد من داخلها، فإن رحيل عبد الناصر انقلب على ليبيا من خارجها وانقلب السادات عىلى الإثنتين مما قطع على القذافي حماسته للوحدة مع مصر.
أعاد بوتفليقة للبلد أمنها وأمانهاوخاصة في تجاوز العشرية السوداء كما يسمونها، ولجم قوى الدين السياسي التي أسست لكل ما حدث ضد الجمهوريات العربية منذ عام 2011، وكان اشدها سوادا ما حصل ولم ينته بعد ضد سوريا. لكن بو تفليقة لم يُعد للجزائر تنميتها ولم يوقف فساد الدوائر العليا في السلطة والاقتصاد، اي أن برجوازية طفيلية ورثت الثورة.
الحراك الشبابي
في الجزائر حراك من قطاعات من الشعب، لا يعلم حجمها أحد، تبالغ المعارضات في الحجم حيث وصفتها فضائية الدين السياسي-الميادين أولاً بالآلاف او مئات الآلاف أو الملايين، وتكرر ذلك ورائها كثير من الفضائيات، ومغردي الفيس بوك.
بالمقابل، تُقر السلطة وحلفائها بوجود وحقيقية وحقوق الحراك وترفض المبالغة في الحجم.
اتضح مع الأيام أن الحراك يقف ما بين السلطة والمعارضات.
هناك إطراء عالٍ لشبابية الحراك، وأعتقد ان هذا مقتله بغض النظر إن بقيت السلطة أو هُزمت أو تغيرت انتخابياً. فالكثير من الحراك في الكتلة الشرقية والعالم الثالث والوطن العربي كشف عن وجود قيادة سرية له هي الثورة المضادة إلى أن اصبح شائعا دور جين شارب كعميل للولايات المتحدة ومراكزه في اوروبا الشرقية في تخريج دورات “الثورات البرتقالية” وتمويل وأدلجة المضارب المعروف اليهودي البلغاري جورج شورش.
كما لم يعد خافياً دور المحافظين الجدد أي الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة في عقد القران “كمأمور أنكحة سياسية” بين “التروتسكية وقوى الدين السياسي” وخاصة في الوطن العربي.
لإن حراكا شبابيا هكذا، بدون حزب ثوري يقوده، يجعله مناخا جيداً للثورة المضادة سواء لقوى الدين السياسي، وهذه كثيرة في الجزائر ولا شك أنها على علاقة بتركيا وقطر وربما ايضا السعودية والإمارات حيث تدخل كل هؤلاء ضد الجمهوريات العربية تبادليا بتوجيهات الثلاثي الراسمالي/الإمبريالي – الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، واليابان_ او اللبراليين المتغربنين وهؤلاء تربطهم فرنسا بحبل سُرِّي.
أما الحديث عن أن الشعب الجزائري معصوم تجاه الاختراقات المضادة بتنوعاتها، فهذا قول جميل، ولكن لا يُركن إليه. لا ننسى أنه بداية العدوان ضد سوريا كانت تظاهرات محدودة مضادة للدولة تطالب بالإصلاح وخرجت مظاهرات بالملايين لصالح الدولة ولكن كان قرار التدمير جاهزاً.
لذا، فإن غياب حزب ثوري بالمعنى الاشتراكي والعروبي هو مقتل هذا الحراك، لأن إزاحة فورة الشباب وامتطائها أمر نراه عياناً في ما حصل في أكثر من بلد عربي.
معارضات انتهازية
ليس عيباً أن تكون المعارضات متنوعة، ولكن العيب أن لا تكون على يسار السلطة وأن تكون وراء الشارع بدل ان توفر له قيادة أكثر جذرية من حزب جبهة التحرير.هذا رغم ان جبهة التحرير تعيش على تراثها اليوم وليس على ثوريتها.
تعيش الجزائر اليوم انقسامين وانسدادين:
معارضات متعددة متناقضة مثل “شعير البياع” عاجزة حتى عن انتهاز الفرصة للاتفاق على مرشح كما تفعل الثورة المضادة في كثير من البلدان ، أي كما حصل في نيكاراغوا سابقا وفي البرازيل مؤخرا، وفي فنزويلا حالياً. لذا، طالما لم تتفق المعارضات على مرشح، لجأت انتهازياً إلى مقاطعة الانتخابات القريبة حتى لو شفافة جدا. تاخروا عن الشارع، وحيث لم تقمعه السلطة حاولوا اللحاق به، كما فعل الإخوان في مصر في ثورة كانون ثاني 2011 حيث تحركوا يوم 28 كانون الأول 2011 بينما كانت الثورة منذ 25 منه، بعد أن تأكدوا أن الثورة سوف تُطيح بالحاكم. لم ترفض بعض المعارضات الجزائرية الترشح إلا بعد حراك الشارع.
والغريب أن المعارضة تعتبر الرئيس عاجزاً والسلطة فاسدة…الخ ولكنها لا تستغل هذا، لأن معنى العجز والفساد ومختلف التهم الأخرى تؤكد، إن كانت صحيحة، فرصة المعارضة في الفوز ، فلماذا لا تترشح إذن؟ أم أن المعارضة تعلم بأن للحزب الحاكم شعبية واسعة.
كان آخر ما في جعبة المعارضات بعد محاولة اختطاف الشارع أن تتزلف للجيش وتدعوه لحفظ البلد، وهي اي المعارضة مكونة غالبا من قوى الدين السياسي التي مارست العشرية السوداء ومن التروتسك (حزب العمال بزعامة لويزا حنون) الذين دائما يتحالفون مع الدين السياسي كما هي حالهم في امريكا مع المحافظين الجدد وفي مصر وسوريا مع الإخوان، وفي فنزويلا مع مواليد البيت الأبيض و سي.آي . إيه!. كما لجأت المعارضة إلى إطراء المرأة لتحريكها في يوم المرأة العالمي، بينما تقود المعارضة قوى الدين السياسي التي لا ترى المرأة إلا في المطبخ والمخدع.
قد نُجمل موقف المعارضات في حقيقة أنها حيث لم تتفق على مرشح، فقررت الاتفاق على المقاطعة.
بدورها فالسلطة تعاني من عدم تطوير قيادة كفؤة ومقبولة شعبيا منذ فترة سابقة، لذا تصر على الانتخابات كي تستنزف وتوظف تراث الثورة سنة جديدة ربما تسمح لها بترتيب نفسها خلالها. وهذا ما يبين خشية المعارضة من شعبية جبهة التحرير لأن صندوق الانتخابات يحسم رغم إشكالات الجبهة.
وتزعم المعارضة ان الانتخابات لن تكون حرة ونزيهة، ولكن بوسعها الضغط وطلب مراقبين من البلدان والمنظمات الدولية التي يثقون بها. نعم لا توجد انتخابات نزيهة حقا في اي مكان، لكن الأمور بنسبيتها. هذا مع ان الصندوق الانتحابي هو حشر الشعب لأربع سنوات في هذا الصندوق، وبالطبع هذا المتوفر حتى حينه.
لذا تحاول المعارضة تأجيل الانتخابات باي ثمن لعل التأجيل قد يفتح فرصة لفوضى ما، اصطدام ما، ترهق السلطة وتضعف شعبية الجبهة وها قد حصلت بدايات لفوضى يوم الجمعة 8 أذار. ولكن، من الذي يمكنه ضبط الأمور بحيث لا يتم غزو الجزائر من الثورة البرتقالية، أو من الإرهابيين على حدودها الواسعة والملغومة.
وبالمقابل، فقد قطعت السلطة حتى الآن الطريق على المعارضات التي تمنت لو يتم قمع الحراك كي تصرخ بأعلى ما في عقيرتها بان السلطة ديكتاتورية. بل إن السلطة حتى لم تشجب الحراك ولم تحرك الشرطة أو الجيش ضده، وهذا ما أسقط في يد المعارضة التي تقودها قوى الدين السياسي التي وحده الجيش خلَّص البلاد من سطوتها في العشرية السوداء. ولعل المؤسف أنه لم يبق من تراث مجد الثورة غير وطنية الجيش بمعنى الجيش وليس بمعنى العساكر.
إن السلطة والجبهة وحلفاءها يعتمدون الجيش لمنع الفوضى ما أمكن بينما المعارضة تحتوي قوى الدين السياسي ولو بقفازات وتحتوي التروتسك “حزب العمال-لويزا حنون” وتحتوي منشقين عن الجبهة مثل بن فليس وتحتوي رأسماليين بإسم رجال الأعمال!. كما أن السلطة تحتوي فاسدين وقططاً سمان ورجال أعمال اي لصوصا رأسماليين.
دور الإعلام
ليس بوسع المرء متابعة كافة أنواع الإعلام ولا سيما نحن من البعيد. والإعلام سلاح حربي، بما فيه الفيس-بوك ربما هو الأشد ما خلا السلاح النووي لأن الأخير هو قتل وانتحار ذاتي. لقد تابعت تغطية فضائية الدين السياسي –الميادين، ولا حظت أنها تتبع فن التأثير على المشاهد حيث تقدم أخبار المعارضة قبل السلطة، كما أنها بدأت في الانحياز تدريجيا، تماما كما فعلت فضائية “الجزيرة” ضد سوريا. وبالطبع تقدم أخبار الحراك بشكل يوحي وكأن كل الشعب تحرك ولم يبق أمام بوتفليقة غير الهروب مثل بن علي. وقد تقول : ربما لم يهرب لأن ساقيه لا تحملانه!!! بل يوم الجمعة عرضت أخبار الجزائر قبل خطاب السيد حسن نصر الله، وهي التي لم تعتد أن تقدِّم على السيد شيئاً! لعل أبلغ ما أكد استنتاجي بانحياز هذه الفضائية ما ورد هو على لسان مراسلها مساء السابع من هذا الشهر عند السابعة حيث قال الرجل وبشكل مفاجىء: “اقوله لأول مرة وأنا مسؤول عنه -وكأنه يخالف تعليمات الفضائية- “الشارع لا يدعم لا المعارضة ولا السلطة بل يبحث عن جزائر جديدة، والمعارضة حاولت امتطاء الحراك لكن حتى تم طرد بعض القوى التي حاولت امتطاء الحراك”. لكنه عاد ليتحدث بحماسة عالية ضد السلطة.
ربما لا يدري هذا الرجل إن كان الشباب يعرفون ما يريدون بددون حزب ثوري! إن أخطر القول هو تحميس الحماس لمجرد تبرئة الذمة.
فلسطين
تسابقت السلطة والمعارضة على الحديث عن فلسطين، ولكن للسلطة تراث في دعم فلسطين ورفض التطبيع. إلا أن المعارضة لا رصيد لها في هذه القضية التي يجري قتلها على قدم وساق. أما الحراك في الشارع، فلم يذكرها قط! غابت عنه فلسطين ولكن الأهم غاب حزب الحراك مما يذكرنا بثورة الطلبة 1968، حيث غاب الحزب وكان ما كان.
وأخيراً، لم تحرك السلطة شارعها لمواجهة الحراك كي لا يبدو وكأنها ضده، كما أن لجم شارعها حال دون حرب أهلية تخسر فيه السلطة والأهم نخسر الجزائر.
لكن يوم الجمعة 8 آذار شهد بعض الاعتداء على اماكن عامة، وجرت بعض الاعتقالات. فهل تنتظر السلطة قرار المحكمة الدستورية، ومن ثم تعلن منع التظاهرات، بغض النظر عن قرار المحكمة، على اعتبار أن كل طرف قال ما لديه باستفاضة؟ الأمور منضبطة حتى الآن، ولكن من يدري!
‎2019-‎03-‎11
عن نشرة كنعان