حول مستقبل العلاقات الأمريكية- الكورية الشمالية
د. يوسف مكي
في العشرين من فبراير الماضي، التفى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب والزعيم الكوري، كيم جونغ أون في العاصمة الفيتنامية، هانوي على أمل التوصل إلى نزع للسلاح النووي الكوري. ويأتي هذا اللقاء بعد اجتماع أول عقد بين الزعيمين في العام الماضي في سنغافورة.
اجتماع هانوي، المقرر أن يستمر يومي 27 و 28 فبرير، لكنه تم فضه بعد سويعات قليلة من انعقاده، حيث قرر الرئيس الأمريكي، ترامب الانسحاب، والعودة إلى بلاده بسبب ما دعاه برفض الكوري نزع السلاح النووي قبل رفع الحصار الأمريكي عن بلاده. وهو ما رفضه الرئيس ترامب، واعتبره تعنتا من قبل كوريا الشمالية.
وكانت وسائل إعلام أمريكية قد ذهبت بعيد في تفاؤلها بنتائج المفاوضات، حتى قبل بدايتها، بسبب التصريحات المتكررة للرئيس ترامب، التي أعلن فيها نهاية العداء لكوريا الشمالية، وبداية تأسيس صداقة قوية مع القائد الكوري، كيم جونج. وقد بلغ الاستغراق في التفاؤل، حد مقاربة ما سوف يحدث من تطور في العلاقات الأمريكية- الكورية الشمالية، بما جرى قبل أكثر من عقدين من الزمن، من تطبيع للعلاقات بين الولايات المتحدة وجمهورية فيتنام الديمقراطية.
ورغم أن ما جرى في هانوي، يأتي في سياق تاريخي، مغاير ومختلف، من حيث توقيته، وأيضا من حيث الاختلاف في موازين القوى الدولية، وتأثيراتها المباشرة، على عملية التطبيع التي يتطلع لها صناع القرار في أمريكا، فإن التفاؤل بتحقيق ذلك، كان سيد الموقف بالنسبة للأمريكيين.
مقاربة ما جرى من تطبيع أمريكي مع فيتنام، بعد حرب ضروس بين البلدين، كانت واحدة من أهم معالم أحداث القرن العشري، مع الرغبة الأمريكية، في نزع السلاح النووي الكوري الشمالي، والتلويح برفع الحصار الأمريكي الكامل عن كوريا وتقديم مئات المليارات لدعم اقتصادها، والمضي في تطبيع العلاقات بين البلدين، يفتقر للحنكة والحصافة، والقراءة الموضوعية، واختلاف الظروف بين الحالتين.
صحيح أن فيتنام خاضت حربا ضروسا، ضد التدخل الأمريكي في أراضيها. لكن تلك الحرب أخذت مكانها أثناء احتدام الحرب الباردة، بين القطبين الرئيسيين في العالم آنذاك: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وقد توسعت تلك الحرب لاحقا، لتشمل كمبوديا ولاوس. وانتهت بهزيمة سياسية وعسكرية ساحقة للولايات المتحدة في الهند الصينية.
تواصل العداء بين البلدين، أمريكا وفيتنام، استمرارا للحرب الباردة الدائرة آنذاك، والتي عكست ذاتها، على العلاقات الدولية، على مستوى العالم بأسره. ولم يتغير واقع الحال، إلا بعد سقوط حائط برلين، وسقوط الكتلة الاشتراكية، وتفكك الإتحاد السوفييتي، وسقوطه الدراماتيكي، في أوائل التسعيينات من القرن الماضي.
لقد حرى شهد شهر يوليو/ تموز عام 1995 بداية التطبيع بين أمريكا وفيتام، بعد خمس سنوات، من التحولات العالمية، والتغيرات الحاسمة في موازين القوى الدولية، وتربع الولايات المتحدة كقطب أوحد على عرش الهيمنة في العالم. وعلى هذا الأساس، فإن تطبيع العلاقات بين أمريكا وفيتنام، جاء في ظل فراغ في الشرق عسكري وسياسي، في الشرق، لم يكن بمقدور أي قوة دولية أخرى، ملؤه غير الولايات المتحدة.
فروسيا الاتحادية كانت تنوء بثل أزماتها السياسية والاقتصادية، ولم يكن بمقدورها لعب أي دور سياسي على مستوى العالم بأسره. والصين الشعبية، كانت منعزلة ومنهمة بانطلاقتها الاقتصادية العتبدة. ولم تكن في وارد التدخل في أي شيء يشغلها عن مشروعها الاقتصادي الضخم. خاصة وأن الولايات المتحدة باتت هي الشريك الرئيسي الذي يستوعب 25 في المائة من صادرات الصين إلى العالم. وفي هذه الحالة، فإن الدخول في أي صراع مع الولايات المتحدة، سيمثل طعنة قوية للمشروع الصيني الاقتصادي الطموح.
أما الوضع العالمي الآن فمختلف تماما، من نواح كثيرة. فروسيا الاتحادية قد برزت كقوة رئيسية عالمية، يحسب حسابها في صناعة القرارات الدولية. والصين كانت دائما تنظر إلى كوريا الشمالية، كحديقة خلفية، لم تتخلى عنها مطلقا حتى أبان انشغالها ببناء قوتها الاقتصادية، ولن يكون مقبولا تصور إمكانية تخليها عن تحالفها مع الزعيم الكوري لصالح سياسات الرئيس الأمريكي ترامب.
يدرك الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونج هذه الحقائق، ويتصرف على ضوئها. والمنطقي بالنسبة له هو أن لا يضحي بحليف موثوق، ساند بلاده منذ الحرب الكورية، حتى هذا التاريخ، مقابل حليف محتمل، لا تسجل علاقته مع بلاده سوى التهديدات المستمرة بالحرب. كما يرقب القائد الكوري الشمالي، عن كثب التغيرات في موازين القوى الدولية، لغير صالح حقبة القطب الأوحد.
إن العالم يتجه بثبات، وإن يكن ببطأ نحو عالم متعدد الأقطاب، بما يفرض بناء تحالفات واستقطابات دولية جديدة، تعكس التغيرات في موازين القوة. وليس منطقيا بالنسبة لكوريا، أن تضحي بتحالفات قوية وراسخة مقابل تحالفات محتملة غير مضمونة. وعلينا أيضا أن نتصور الردود العنيفة المحتملة من قبل الصين الشعبية، فيما لو واصلت الولايات المتحدة سياستها في استقطاب حلفائها. فالصين التي أعربت عن غضبها، وهي في حال أضعف قوة، تجاه التغلغل الأمريكي في الهند الصينية، لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه أي اختراق سياسي في كوريا الشمالية.
ستستمر لعبة المفاوضات الأمريكية- الكورية الشمالية، دون تحقيق أي نتيجة تستحق الذكر، وستصر كوريا الشمالية على الاحتفاظ بترسانتها النووية، فهي ضمانتها الرئيسية للدفاع عن سيادتها واستقلالها، ومنع أي هجوم عسكري أمريكي ضدها. وستظل إلى مدى غير منظور حليفا استراتيجيا للصين وصديقا لروسيا الاتحادية.
Yousifmakki2010@gmail.com
‎2019-‎03-‎05