لماذا “بوتفليقة” الآن؟

أحمد فؤاد

مظاهرات مفاجئة شهدها الشارع الجزائري، ضد ترشيح الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة. التفاعلات الجزائرية الحالية، والتي خرجت إلى الشوارع تتحدث عن مستقبل ما بعد بوتفليقة، تستدعي النظر للماضي أولًا، لسنوات ما قبل العشرية السوداء، التي غرقت فيها الجزائر بين الرصاص والدماء والسكاكين، ولا تزال تفاعلاتها تؤثر بشدة في الوضع الجزائري، وإن كان بشكل غير معلن أو ملموس.

الوضع الاقتصادي في الجزائر لا يختلف كثيرًا في غرابته عن الوضع السياسي، فالبلد غني جدًا بموارده من البترول والغاز الطبيعي، إذ تعد الجزائر رابع مصدّر للغاز الطبيعي في العالم، وثالث منتج للنفط بإفريقيا، ويشكل الغاز والبترول معًا 95% من صادرات الدولة، و70% من الإيرادات، وهي أرقام تظهر بجلاء اعتماداً كاملاً على الريع النفطي، وفشلًا كاملًا لكل أنظمة ما بعد الاستقلال في التأسيس لقواعد صناعية تجعل الاقتصاد في مأمن من عواصف تغيرات الأسعار، وهي كثيرة ومستمرة.

نجحت الجزائر في الحصول على استقلالها السياسي بالفعل من فرنسا، في 1962، بعد ثورة المليون شهيد، لكن جبهة التحرير التي تولت الحكم حتى اليوم ـ بوتفليقة كان أحد أعضائها ـ فشلت في الإجابة عن سؤال الاستقلال الاقتصادي، وهو التنمية، فاستمر الاعتماد على صادرات النفط والغاز، كما في دول الخليج العربية، مع زيادة عدد سكان الجزائر، نحو 35 مليون مواطن، بما لا يوفر مستويات معيشة جيدة لأغلب السكان، مع زيادة الفساد المؤسساتي، وترسخه في بنية الدولة، منذ الاستقلال وحتى اليوم.

يكفي للتدليل على أزمة الجزائر أن ترتيبها في مؤشر التنافسية العالمية لعام 2018، هو المركز 92 عالميًا، والذي يضعها في المرتبة الرابعة مغاربيًا، أي أنها أقل دول المغرب العربي من حيث تنافسية اقتصادها. وجاءت مؤشرات التقرير لتلقي الضوء على أهم مشكلات الجزائر، حيث حلت في المركز 122 عالميا لمؤشر جودة النظام المالي. وفيما يتعلق بركيزة المؤسسات، حلت الجزائر في الترتيب الـ 120، وسوق العمل المركز 134، والقدرة على الابتكار المركز 106 عالميا، ومن ناحية مدى جاهزية الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، جاءت الجزائر في المرتبة 83 عالميا، وجودة البنية التحتية في المركز 88 عالميا، وجاءت على مستوى مهارات الموارد البشرية أيضا في المركز 88 عالميا، وديناميكية العمل في المرتبة 113 عالميا.

المسيرة الاقتصادية المتعثرة للجزائر دفعت البلاد دفعًا نحو أتون الحرب الأهلية سابقًا، والتي عُرفت بالعشرية السوداء، وكانت نتيجة مباشرة لانهيار أسعار النفط في منتصف الثمانينات، من 30 إلى 10 دولارات فقط للبرميل، ما أطلق انتفاضة في تشرين الأول/ أكتوبر 1988، تم قمعها بوحشية بالغة، ثم أعقبها إعلان الرئيس الجزائري وقتها الشاذلي بن جديد انتهاج الحكم الديمقراطي، وعقب فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات 1991، تدخل الجيش ليمنع تسليم الحكم إلى الإسلاميين، ودخلت الجزائر واحدة من أصعب سنواتها، والتي استمرت حتى تولي الرئيس الحالي بوتفليقة الحكم في 1999.

الوضع الحالي للجزائر لا يختلف كثيراً عن نهاية الثمانينيات، فالبلد يمر بأزمة عنيفة مع تراجع أسعار النفط، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتي تهدد نمو الاقتصاد العالمي، وبالتالي الطلب على الطاقة، ما جعل الحكومة الجزائرية تقر ميزانيات متقشفة طوال السنوات الماضية، ضغطت فيها الانفاق العام ووضعت قيودًا على الاستيراد، ورغم ذلك توقعت الحكومة أن يحقق الاقتصاد نموًا لا يزيد على 2.6%، يقابله تضخم يصل إلى 4.5%.

الغريب في أي قراءة منصفة للحالة الجزائرية، هو زيادة عدد الفقراء بدرجة كبيرة، حيث يعيش 24% من الشعب تحت خط الفقر، في بلد منتج ومصدر للنفط والغاز، كما أن البنية التحتية للبلد متهالكة وقديمة، ولا تتيح المجال لنمو أو قيام الأعمال الخاصة والمشروعات، وهذه كلها ظروف تزيد من تعقيد الحالة الجزائرية.

جاءت المشاهد في الجزائر لترسم حاضرًا مهددًا، سواء باستمرار الرئيس الحالي أو غيابه، ووجود الفساد وانعدام العدالة في توزيع المداخيل البترولية، وهذه كلها جزء من صورة معقدة، تزداد تعقيدًا بوجود صراعات القوى العالمية في خلفية المشهد، سواء فرنسا أو الولايات المتحدة، والغنيمة في الجزائر كبيرة ومثيرة، فالنفط والغاز يصل لأوروبا مباشرة بلا خوف من مشاكل البحر الأحمر وأزماته، وكلها تثير الأطماع الغربية، بمقدار ما تزيد المخاوف والأوجاع العربية على المستقبل.

2019-02-28