الخارطة الإقليمية والدولية بعد مؤتمر وراسو


أمجد إسماعيل الآغا

صحيح أن واشنطن أخفقت في امتحان سوريا والعراق، لكن الصحيح أيضاً وبحسب أديبات واشنطن السياسية، يجب أن تستمر هذه السياسات العبثية تمهيداً لبعثرة أوراق عديدة، من هنا اختارت واشنطن طريق وراسو وحاولت تعبيده ورصفه، بُغية الوصول إلى نتيجة جامعة لكل هواجس واشنطن، أملاً في تشكيل حلف بأبعاد مختلفة لمواجهة روسيا وإيران والانقلاب على مفاعيل الانتصار السوري.

في المُقاربة التي تُشجّعها واشنطن وتعمل على الترويج لها، بل وتسعى إلى هندسة خرائط جديدة تعتمد على تحالفات وإصطفافات تتناسب مع استراتيجيتها ومنطقها السياسي المبني على فرض سياسات الأمر الواقع، يبدو أننا سنكون أمام صراعات جديدة تعتمد على براهين عديدة، تسعى واشنطن والدائرون في فلكها إلى إعادة صوغها، خاصة بما تروّج له الولايات المتحدة لضرورة مواجهة إيران نفوذاً وتمدّداً وقوةً ذات تأثير اقليمي.
في هذا السياق، سايمون هندرسون الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في المعهد، كتب مقالاً تحت عنوان” ثمانية أيام في الشرق الأوسط تضع دبلوماسية بومبيو في الاختبار”، جاء فيه:
” ما هي الأمور المتعلّقة بالجولة الموسّعة التي يقوم بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في الشرق الأوسط؟ الإجابة المختصرة هي أنه يحاول النهوض بسياسة الرئيس ترامب المتمثلة “بمغادرة سوريا” ونقلها إلى أصدقاء أميركا. ولا تشكّل سوريا إحدى الاهتمامات الرئيسية لهذه الدول. بل هي أكثر اهتماماً بتأثير إيران وأنشطتها العسكرية هناك. ومن الواضح أن العناصر الرئيسية للرحلة كانت مخطّطة سلفاً قبل قرار الرئيس ترامب الانسحاب من سوريا. وتتضمّن زيارة بومبيو إلقاء خطاب في القاهرة، وإجراء حوار استراتيجي ثنائي سنوي مع قطر وآخر مع الكويت. ولكن واقع قيام بومبيو بزيارات لثماني عواصم خلال ثمانية أيام قد يعكس مقدار التوضيح الذي عليه القيام به”، و أضاف هندرسون:” ربما يتم إعداد نوع من الانقلاب الدبلوماسي”.
صحيفة “وول ستريت جورنال” نشرت مقالة في السادس من كانون الثاني/يناير أوضحت فيها إلى احتمال توجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الرياض ويبدو ذلك أمراً مُستبعداً، ولكن ربما يتم الإعداد لاجتماع في مكان آخر”.
بين ما كتبه هندرسون وما جاء في مقال “وول ستريت جورنال”، من الواضح أن هناك توجّهاً أميركياً للهروب إلى الأمام، هذا الهروب جاء نتيجة إخفاق واشنطن في سوريا والعراق، إضافة إلى المستجدات الطارئة أميركياً لجهة التحوّلات الروسية الصاعدة إقليمياً ودولياً، يُضاف إلى ذلك، بحث إسرائيلي عن مخارج تُجنّبها الهزيمة الأميركية غير المعلنة في سوريا، وتداعيات القرار الأميركي بالانسحاب من سوريا، وترك الساحة السورية لروسيا وإيران، وما أنتجته الحرب على سوريا من تعاظم قوّة محور المقاومة، بالتالي يُفرض علينا ألا نقارب التوجّه الأميركي الإسرائيلي الجديد حيال هذه الملفات من منظور الإشكاليات والتحديات المشتركة أميركياً وإسرائيلياً، والقدرة القائمة على حَرْفِ المسارات السياسية عن طريقها، فالمشهد يبدو أعمق من ذلك.
هنا لابد من تبيان طبيعة الدور الروسي للحد من نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بُغية منعها من استحداث خرائط نفوذ إقليمية، إذ تسعى روسيا وعبر استراتيجيتها في الشرق الأوسط إلى الحد من تضخّم النفوذ الأميركي، ولجم ترامب وسياساته الحمقاء، ويمكن إيجاز بعض النقاط التي تُلخّص الهدف الروسي من وراء ذلك:
– تهدف روسيا إلى خلق نظام دولي مُتعدّد الأقطاب، لاستعادة دورها الدولي كقوّة عظمى بعد سنوات من التهميش عقب انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينات القرن المنصرم.
– إقامة نظام دولي متعدّد الأقطاب، بما يخدم المصالح الحيوية المشتركة للبلدين، ومواجهة التهديدات الأميركية والغربية بشكل عام.
– “التعاون الروسي الصيني”، نجح التوافق الروسي- الصيني عبر ممارسته النفوذ السياسي والجهود الدبلوماسية في استبعاد تدخل عسكري خارجي من قِبَل حلف شمال الأطلنطي (الناتو) في سوريا، ومن ثم الحفاظ على الدولة السورية، الحليف الاستراتيجي لروسيا في المنطقة، ومن ثم تمكّنت موسكو عبر توافق الضرورة مع بكين من خلخلة الانفراد الأميركي- الغربي بمسار قوس الأزمات الصراعي في منطقة الشرق الأوسط، وأضحت الدولتان تمتلكان من الأوراق المهمة الكثيرَ للمناورة في تلك الأزمات، بما يدعم استراتيجيتهما الكلية ومصالحهما الحيوية في المنطقة.
في جانب آخر، الولايات المتحدة لا تزال لديها عوامل ثقل مهمة في الشرق الأوسط، خاصة وجودها العسكري الكبير في الخليج العربي إلى جانب قوّتها الاقتصادية، وهي عوامل ليست موجودة لدى روسيا، ولكن النفوذ الجديد لروسيا في الشرق الأوسط ربما يحدّ مساحة الحركة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يتقيّد بالنفوذ المتزايد لروسيا وإيران، كما أن عزم ترامب على تبنّي سياسة أكثر حزماً في الشرق الأوسط قد ظهر واضحاً في بعض تصريحاته التي بدت أكثر اتساقاً من بين العديد من تصريحاته المُتناقضة، كما تعهّد بالقضاء على ما سمّاه الإرهاب الإسلامي المتطرّف، إضافة إلى هدفه بإخراج إيران من سوريا ومحاصرتها لشتّى الوسائل الممكنة.
صحيح أن واشنطن أخفقت في امتحان سوريا والعراق، لكن الصحيح أيضاً وبحسب أديبات واشنطن السياسية، يجب أن تستمر هذه السياسات العبثية تمهيداً لبعثرة أوراق عديدة، من هنا اختارت واشنطن طريق وراسو وحاولت تعبيده ورصفه، بُغية الوصول إلى نتيجة جامعة لكل هواجس واشنطن، أملاً في تشكيل حلف بأبعاد مختلفة لمواجهة روسيا وإيران والانقلاب على مفاعيل الانتصار السوري، وفي مرحلة لاحقة إخضاع الاتحاد الأوروبي من بوابة الاقتصاد، وهذا ما جعل الأوربيين يقرأون مبكراً نوايا واشنطن، الأمر الذي انعكس على تمثيل متدنٍ في قمّة وراسو، والتي باتت وفق المشاركين والأجندات أشبه بمنتدى، خاصة بعد تدني سقف الطموحات التي جيّش لها بومبيو محاولاً شيطنة إيران.
الواضح أن استراتيجية واشنطن الجديدة والمنبثقة من جُملة التحوّلات التي وصفها ساسة أميركيون بالطارئة، تعتمد على انقلابٍ دبلوماسي يُطيح بالكثير من المفاهيم التي كانت سائدة قُبيل أفول النفوذ الأميركي في المنطقة، وفي مقدّمة هذه المفاهيم، الصراع العربي الإسرائيلي، وهذا مدعاة للوقوف على عددٍ من الأسئلة المحورية.
– هل نحن أمام إرهاصات لفصل قد يكون دموي للشرق الأوسط؟، أم لا تزال هناك بواعث أميركية ترمي إلى التدخّل في الشؤون الاقليمية من بوابة السلام والعيش الكريم والمحافظة على حقوق الإنسان؟.
– أين فلسطين من هذه الأجواء الأميركية الجديدة؟.
– ما مصير الصراع العربي الإسرائيلي ومبادرات السلام العربية الإسرائيلية؟، وهل هذا هو التوقيت المثالي لفرض صفقة القرن شكلاً ومضموناً؟.
هي جملة تساؤلات قد لا نجد لها إجابات في الطريق إلى وراسو وما بعد قمّته، وأياً كانت نتائج وقرارات هذه القمّة، فلن تكون قادرة على تبريد سخونة الشرق الأوسط عبر مُسمّى القمّة التي حملت عنوان الأمن والسلام في الشرق، لأن الواضح الذي بات في مرمى رؤية كل المتابعين، أن سلوك وآليات الإدارة الأميركية ستذهب حُكماً إلى أبعد من ذلك، فلا توجد في قاموس البيت الأبيض مفاهيم على شاكلة انسحاب أو تقهقر، وإنْ وجدت فإنها حتماً ستكون كخيارات بديلة لجديد سياسي أو عسكري، خاصة أن روسيا وإيران ومفاهيم الانتصار السوري، باتت حجر عثرة في طريق التوسّع الأميركي.
ضمن هذه المعطيات المتمثلة بالأهداف الأميركية – الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وبين الاستراتيجية الروسية الرامية إلى الحد من النفوذ الأميركي في المنطقة، يبدو أن مراكز الأبحاث الأميركية تقرأ التطوّرات المتعلّقة بالشرق الأوسط بنظرة واقعية بعيدة عن رؤى ترامب وتطلّعات إسرائيل، فقد اعتبر موقع Lobe Log الأميركي أن الرغبة الأميركية لتشكيل تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط يضمّ بجوار دول عربية وخليجية إسرائيل، ضد إيران، أمر لن يُكتَب له النجاح بسبب الخلافات العميقة بين البلدان التي يقوم عليها هذا التحالف من ناحية وتراجع الرئيس الأميركي عن قيادة هذا التحالف من ناحية أخرى. وقال الموقع الأميركي، لطالما واجهت الجهود الأميركية الرامية إلى تعزيز تحالفات الشرق الأوسط عقبات، ليس أقلّها المصالح المُتضارِبة للدول الرئيسية في المنطقة. إن المنطق الحماسي لأيّ تحالف هو أن الدول ستُنحّي نزاعاتها جانباً لمواجهة عدو مشترك. لكن دفعها إلى تكوين تحالف لا يفترض سلفاً أن هذه الدول يمكن أن تتّفق على العدو المشترك فحسب؛ ولكنه يفترض أن الأعباء المرتبطة بصون التحالف لن توزّع بنسب متساوية. في الواقع، تتطلّب التحالفات المُجدية أن تتحمّل الدول القوية حصّة أكبر بكثير من تكاليف صون التحالف مقارنة بالدول الأخرى. وقد تجلّت الصلة السياسية المباشرة لهاتين النقطتين بشكل جيد في محاولة البيت الأبيض تعزيز ما أطلق عليه وزير الخارجية مايك بومبيو في خطاب القاهرة في 10 يناير/كانون الثاني عام 2019 «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي» (MESA). ولكن هذه المساعي محكوم عليها بالفشل. إذ أن المشكلة لا تكمن فقط في أن بعض دول الشرق الأوسط لا توافق على أن إيران تشكّل التهديد الأكبر. لكن العائق الأكبر هو أن ترامب يرفض مبدأ أن الولايات المتحدة ينبغي أن تتزعّم التحالف بتسديد جزء كبير من فاتورة التحالف الاقتصادية والاستراتيجية. وهو يفضّل في الواقع تمرير الجزء الأكبر من الفاتورة (والمخاطر) إلى مصر والأردن والعراق وجميع دول الخليج وإسرائيل وتركيا. لقد أغضبت حساسية ترامب من قيادة التحالف العديد من الزعماء الأجانب، ناهيك عن كبار صنّاع السياسة الخارجية في إدارته. ويجاهد بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون للحد من الأضرار الناجمة عن تفضيل رئيسهم للقيادة ليس من الخلف أو الأمام، وإنما من الحقيبة الاستراتيجية والمالية «لأصدقاء» واشنطن. ولكن لا يهمّ كثيراً أعداد خطابات وزيارات بومبيو وبولتون، لأنها لن تحل المشكلة.
ما بعد قمّة وراسو لا يختلف عما قبله، سواء على مستوى السياسات الأميركية الباحثة دائماً عن محاولات زعزعة استقرار الشرق الأوسط، أو على مستوى السياسات المُضادّة لروسيا وإيران وسوريا، والباحثة أيضاً عن سُبل مواجهة التهديدات الأميركية، لكن الجديد في مشهدّية السياسات الأميركية، هي إظهار معادلة جديدة سيتم الترويج لها على أساس أن الصراع العربي الإسرائيلي أو الفلسطيني الإسرائيلي هو تفصيل لا يُذكر أمام الصراعات المحتملة القادمة، وأمام الخطر الإيراني الذي يتهدّد الجميع وفق الترويج الأميركي الإسرائيلي السعودي، وبالتالي فإن قمّة وراسو لا تعدو كونها محاولة أميركية يائسة لرصّ صفوف أدواتها وبيادقها، بعد المتغيّرات التي وسمت رقعة شطرنج الشرق الأوسط، وأيضاً فإن قمّة وراسو لم تعد تُشكّل نواة تهديد لمحور المقاومة والحليف الروسي، مع غياب دول إقليمية كتركيا عن مشهد وراسو وأهوائه، خاصة أن تركيا تملك وزناً مؤثّراً في رسم السياسات الشرق أوسطية، بعد التقارب مع روسيا وإيران والبحث ضمن حلف ثلاثي عن سُبل تسويات كبرى في الاقليم.
ضمن المشاهد السابقة، من الصعوبة بمكان التنبؤ حقيقةً بالخرائط الإقليمية والدولية الجديدة عقب مؤتمر وارسو، لكن الواضح أن نجاح دمشق وموسكو وطهران ميدانياً، سيتم استثماره تفاوضياً وفرضه سياسياً، على الرغم من السخونة الدولية المتوقّعة جرّاء تخبّط واشنطن، والتي قد تؤّدي إلى مفاجأة أميركية من العيار الثقيل، لاستعادة الثقة بتأثير القوّة حتى بغياب التلويح بها، وهنا لا يُستبعَد أيّ احتمال خاصة مع الرؤية الأميركية التي تؤسّس لمواجهة التمدّد الإيراني بحسب التوصيف الأميركي، لكن في مقابل ذلك يبدو أن الفضاء السياسي المرتبط بالتوازنات السورية الروسية الإيرانية، سيكون كفيلاً بوضع صراع المحاور الإقليمية والدولية الناجم عن تداعيات الانتصار السوري، في مسار العداء السياسي بمعناه الإيجابي، أي جذب المتخلّفين عن الرَكْبِ الأميركي إلى الحلف الثلاثي الصاعد “دمشق- موسكو- طهران-“، مع الأخذ بعين الاعتبار أية هزّات ارتدادية من قِبَل واشنطن، لاسيما أن واشنطن بدأت بانسحاب أو إعادة انتشار متوافقة بذلك مع البناء على معادلة سوريا المنتصرة.
ضمن ما سبق من معطيات، بات من الواضح أن واشنطن تعمل على التأسيس لبناء خرائط إقليمية ودولية جديدة، انطلاقاً من عدم قدرتها على إيجاد موطئ قدم ثابت لها في سوريا، حيث أن واشنطن لم تتمكّن عبر تسليح بعض الجماعات المسلحة من تهيئة واقع ميداني يُساعدها على فرض أطر سياسية تخدم المصالح الأميركية، وباعتراف الجنرالات الأميركيين، فإن مسألة الدعم الأميركي لهذه الجماعات لا تتعدّى المصلحة التكتيكية وليس الاستراتيجية، وهذا يؤكّد بألا مصلحة أميركية من دعم مُستدام لأية جماعة مسلحة في سوريا، خوفاً من نشوب حرب اقليمية، لأنها ستكون وبحسب تقدير المسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية غير متوازنة لمصلحة واشنطن بالنسبة للقوى الموجودة في المنطقة، ولا في قيمة الأهداف التي يُراد تحقيقها منها.
في إطار تساؤل جوهري، خاصة بعد انتصار الدولة السورية وحلفائها سياسياً وعسكرياً، ومع تعاظم قوّة محور المقاومة، وفرضه خرائط نفوذ جديدة، وقواعد اشتباك لا يمكن تجاوزها أو العبث بمعادلاتها في المنطقة، هل تستطيع الولايات المتحدة الانتصار على سوريا وإيران وحزب الله معاً؟.
الإجابة تأتي عبر “دوغ باندو” من كبار رجال الأبحاث الأميركيين في المركز الأميركي “ناشيونال أنترست” حيث بيّن في تحليل نشره في 5 شباط الجاري أن: “الحرب الأميركية في أفغانستان أصبحت أطول حرب في تاريخ الحروب العالمية والأميركية فهي مستمرة منذ عام 2001 وها هي تدوم حتى الآن لـ 18سنة فهي دامت أكثر من الحرب الأميركية – الإسبانية وأكثر من الحرب العالمية الأولى والثانية معاً من دون أن تتمكّن القوّة الأميركية من حسمها وتحقيق أهدافها منها”.
‎2019-‎02-‎28