حقوق الانسان في ظل وجهة النظر الدينية ( ١-٢)


علي رهيف الربيعي
كان للعقائد الدينية ، وخاصة عقائد التوحيد الثلاث ، دور رئيسي في تأكيد القيمة المطلقة للانسان ، الذي ينبغي الا يتخذ وسيلة أو أداة لغيره . ومن المؤكد أن الدفعة المعنوية التي بعثتها تلك العقائد كانت من أهم العوامل الحافزة لتلك الحركة التي تعاقبت عبر عصور عديدة ، من أجل استخلاص حقوق الانسان وجعلها حقيقية واقعة .
ولو بحثنا في السمات التي تميز الاسلام ، بوصفه دينا توحيديا ، في نظرته إلى الانسان التي يبني عليها فهمه لحقوقه ، لوجدنا أن الاسلام يجعل للانسان طبيعة مكرمة مستمدة من كونه ” خليفة ” الله . هذا التكريم مطلق ، لا يتقيد بجنس أو مكانة اجتماعية ، وإنما هو تكريم للانسان بما هو كذلك ، ومن حيث علاقته الفريدة بخالقه فحسب . وإذن فهناك طبيعة خاصة يفترضها الاسلام للانسان ، ومن هذه الطبيعة ، التي تحددت معالمها في القرآن ، تستمد حقوقه . فالانسان الذي تحددت طبيعته على أنه خليفة الله في الأرض ، لا يصح أن يضطهد أو يظلم أو تسلب حريته أو يفرق بينه وبين أخيه على أساس العرق أو اللون ، الخ ……
ويحدد باحث معاصر هذا الأساس الديني لحقوق الانسان في الاسلام فيربطه بفكرة القداسة إذ يقول : ” ولكن للانسان قداسة ولحقوقه قداسة ، جوهرها وسندها ما فيه من روح الله ، وهذا ما لم يخطر على بال كثير ممن يتكلمون عن حقوق الانسان التي إن لم تكن موضع تقديس ايماني فلا ضمان لها ولا أمان . ولا شيئ يضر قضية الانسان أكثر من اعتباره عضوا في عالم الحيوان وسيدها بكل ما فيها ” (١) . ومثل هذا الرأي يتكرر مرارا لدى المفكرين الاسلاميين المعاصرين ، الذين يسعون إلى تأكيد أهمية مفهوم حقوق الانسان في الاسلام . فهم جميعا متفقون على أن القداسة التي يضيفها القرآن على حقوق الانسان هي خير ضمان لهذه الحقوق (٢) .
من السهل إذن أن نرى أن هذا الأصل ” المقدس ” لحقوق الانسان ، الذي يرجع إليه المفكرون المعاصرون في العالم الاسلامي بلا انقطاع ، له سماته المميزة فحقوق هذا الكائن الفاني ، المتغير ، أي الانسان ، مستمدة من مصدر أزلي . وهذه الحقوق تضمنها نفس الجزاءات التي تضمن ” الخير والشر ” في العقيدة الدينية : فالحساب على مخالفتها يتم في الحياة الاخرى ، ولا توجد جزاءات دنيوية محددة تعاقب من يخرقها . وبعبارة أخرى فإذا لم يكن ايمان الحاكم صادقا ، فلن يردعه شيئ عن انتهاك تلك الحقوق ، ولن يستطيع مواطنوه المضطهدون أن يهبوا ضده .
ولنتأمل في هذا الصدد نصا آخر ، للباحث نفسه ، يعلق فيه على كلمة للصوفي المسلم المشهور ابن عربي أكد فيها أن الله خلق الانسان على صورته ، فيقول : ” فإذا كان الله قد خلق الانسان على صورته فإن هذا الصوفي يقول إن من يراعي الانسان فهو يراعي خالقه ” (٣) .
هذا إذن هو الضمان الذي تقدمه وجة النظر الدينية لحقوق الانسان : إذ ينبغي أن تصان هذه الحقوق مراعاة للخالق . ومراعاة تفترض مقدما سيادة الايمان ، إذ أن المجتمع الذي يختفي فيه الايمان يستطيع بسهولة أن يضرب بحقوق الانسان عرض الحائط ،
ما دامت مراعاة الخالق لست من أهداف مجتمع كهذا ، وبعبارة أخرى ، فالمجتمع الذي تراعى فيه حقوق الانسان هو ذلك الذي تختفي فيه ، أصلا ، المصالح الدنيوية وأطماع الحكام وشهوتهم إلى القوة والسيطرة والمال . مثل هذا المجتمع ، الذي يخشى غضب الله فوق كل شيئ هو وحده الذي يحفظ حقوق الانسان ، وفقا لوجهة النظر الدينية . وهكذا فإن النظرية تصلح لمجتمع الايمان المثالي وتطبق فيه بنجاح . وهذا شيئ رائع ، ولكن ماذا عن تلك المجتمعات التي تسودها الاطماع الدنيوية ، ويتوارى فيها الايمان ، على مستوى الطبقات الحاكمة والمسيطرة على الأقل ؟ إن حكام مثل هذه المجتمعات لن يحرصوا كثيرا على مراعاة الخالق ، فما السبيل إلى انتزاع حقوقنا الانسانية منهم ؟
من السهل أن نرى أن معظم المجتمعات البشرية تنتمي إلى هذه الفئة الأخيرة . فالمجتمع الذي يسوده الايمان التام هو حلم لا يكاد يتحقق في تاريخ البشر . ولو تتبعنا تاريخنا الاسلامي ، باحثين فيه عن مجتمع الايمان الخالص والتجرد من الاطماع الدنيوية ، لظللنا نتراجع ونتراجع دون أن نهتدي إليه ، إلى أن نتوقف عند عصر الخلفاء الراشدين ، فنرى الكثيرين يصورنه بأنه أقرب المجتمعات إلى ما نبحث عنه ، وإن كان هؤلاء مضطرين إلى الاعتراف بحكم الحقائق التاريخية بأن الصراعات التي شهدها هذا العصر ذاته ، والتي كانت في كثير من الأحيان دامية ، تؤكد أنه لم يخل تماما من الأطماع والمصالح الدنيوية . وعلى أية حال فإن هذه الفترة المحدودة هي تلك التي يعترف فيها المفكرون المتحمسون للنظرية الاسلامية في حقوق الانسان ، بأن القداسة والايمان العميق قد مارسا فيها تأثيرهما على الحكام ، على حين أن كل من جاءوا بعد هذه الفترة ، أو معظمهم ، قد شوهوا ” الحكم الاسلامي الصحيح ” .
يتبع
(١) انظر : د . محمد عبد الهادي أبو ريدة : ” نظرة القرآن لمكانة الانسان في الكون ولحقوقه ”
ص ٢٤ بحث في ” المللتقى الاسلامي المسيحي الثالث ، تونس ١٩٨٢ .
(٢) ينبغي أن نلاحظ أن النص السابق يضيف إلى الموضوع بعدا آخر ، إذ أن إنكار قداسة الانسان ، حسب وجهة النظر الدينية ، لا بد أن يؤدي في نظره إلى تأكيد حيوانيته . وهكذا لا ينتبه الكاتب إلى أن هناك بديلا ثالثا ، اختارته جميع المواثيق الحديثة لحقوق الانسان ، هو أن الانسان يكسب حقوقه بوصفه إنسانا ، متغيرا ، فانيا ، يخطئ ويتعلم من أخطائه ، ويجرب وينضج بفضل تجاربه . فلا هو بالكائن المقدس ، ولا هو بالحيوان ، أو شئت فقل أن تاريخه سعي دائم لتجاوز أصوله الحيوانية للوصول إلى نوع من القداسة يكتسبه بجهده وكفاحه ، ولا يتلقاه جاهزا . غير أن وضعنا أمام هذا الاختيار بين القداسة والحيوانية هو ، بغير شك ، حيلة لا شعورية يلجأ إليها أنصار المفهوم الديني لكيلا يدعوا لأحد مجالا سوى أن يسلم بوجة نظرهم .
(٣) أبو ريدة ، الموضوع نفسه .
2018/02/28