مشكلة حقوق الإنسان في العالم العربي ( القسم الثاني )


علي رهيف الربيعي
وأخيرا ، فإن مشكلة حقوق الإنسان في العالم العربي المعاصر تظهر أوضح ما تكون في المجتمعات التي تحكمها أنظمة عسكرية ، وهي أهم المجتمعات العربية وأكثرها سكانا . ففي هذه المجتمعات دساتير لا يعمل بها في أغلب الأحيان ، أو تعدل دائما وفقا لرغبات الحاكم ، وفيها تحل القوة محل الحق ، ويمكن أن يفقد الإنسان أهم حقوقه بمجرد إثارة شبهه غير مؤكدة وغير محققة حوله . وأكثر الحقوق معاناة هي حرية التفكير والتعبير ، لأن الأنظمة العسكرية بطبيعتها لا تصمد أمام المعارضة المنطقية العاقلة . وهي تستخدم أحدث أساليب الإعلام والتأثير في العقول من أجل المحافظة على أشكال من الطغيان عفا عليها الزمان . ويمكن القول إن معاناة الجماهير العربية في ميدان حرية الرأي بالذات ، أشد من معاناة معظم شعوب الأرض في العصر الحاضر . أما الحقوق الإيجابية ، الإجتماعية ، كالتعليم والثقافة والعمل المناسب ، الخ … فهي دائما خاضعة لمطالب النظام ، وتأتي دائما في المرتبة الثانية بعد رغبة النظام في المحافظة على ذاته أو القيام بمغامرات خارج حدوده .
والأخطر من ذلك أن الخضوع المستمر للقمع قد أفقد الإنسان العادي الاحساس بحقوقه . فبالتدريج أخذ انتهاك الحق القانوني يصبح شيئا طبيعيا ، وأخذ الناس ينظرون إلى هذه التصرفات على أنها جزء من طبيعة الأشياء ، وبالتالي أخذت تقل قدرتهم على المطالبة بحقوقهم . وهذا أكبر خطر يمكن أن يتعرض له مجتمع في ميدان حقوق الإنسان ، عندما ينهزم من الداخل ، ويفقد القدرة على الثورة من أجل حقوقه المسلوبة ، بل لا يشعر من فرط الطغيان بأنه قد سلب منه شيئ .
ولقد لاحظ كثير من المفكرين العرب أن هذا الوعي بالحق ، والاستعداد للمطالبة به والدفاع عنه ، كان أقوى بكثير في عهود ما قبل الانقلابات العسكرية ، وأن ” الفساد ” الذي تتهم به هذه العهود كان من ناحية التعبير عن الرأي بالذات أفضل بكثير من تلك ” الفضائل ” التي تدعيها النظم العسكرية ، وأن المقياس البسيط للديمقراطية هو القدرة على سماع وجة نظر الطرف الآخر ، أخذ ينعدم في ظل هذه النظم على نحو متزايد .
ويمكن القول إن الصورة الإجمالية لحقوق الإنسان ، في العالم العربي المعاصر ، تدعو إلى التشاؤم . فالخط البياني هابط ، والقوة المالية الاستثنائية التي اكتسبها العرب المعاصرون ( السعودية وحكام الخليج ) ، وكذلك القوة العسكرية التي تشغل قدرا هائلا من اهتمامهم ، تستخدم من أجل إيقاف تقدم وعي الإنسان بحقوقه الأساسية ، أو محاربة أخوته العرب بدل محاربة الكيان الصهيوني الغاصب ( العدوان السعودي على اليمن ) .
والأمر المؤسف هو أن ضمان الحقوق الأساسية لا يمكن أن يعد ، في هذه المجتمعات أو غيرها ، مجرد ترف نظري يمكن الاستغناء عنه في سبيل تحقيق أهم ، كالتنمية القومية . ذلك لأن التجربة تثبت ، يوما بعد يوم ، أن التنمية ، حتى في جانبها الإقتصادي المادي الخالص ، تتخذ طابعا مشوها في المجتمع الذي لا يكون لدى الإنسان فيه وعي كاف بحقوقه الأساسية . وحتى أسلوب التعبئة الشاملة ، الذي لجأت إليه بعض المجتمعات ، وضعت من أجله بعض الحقوق الفردية ، بعيد كل البعد عما يحدث على المسرح العربي ، حيث يقترن الاستبداد بأنانية وخصوصية واضحة في الحكم ، وحيث تستبعد الأغلبية من كافة مراحل عملية اتخاذ القرار ، مثلما تتجاهل مطالبتها في تحقيق الحد الأدنى من الحياة الآدمية المعقولة .
هذا الوضع ، الذي يرجع أساسا إلى عوامل سياسية برجماتية ، لم يكن من الممكن اصلاحه لأن الطريقة التي نظر بها العرب إلى تراثهم كانت طريقة سكونية تمنع أي تطور وأي تقدم نحو اكتساب حقوق جديدة . وهكذا تآمر الماضي والحاضر على الإنسان العربي لكي يحطما أمله في اكتساب حقوقه ، أما المستقبل فلا يمكن أن يكون أفضل إلا إذا حدث تغيير شامل في أساليب الحياة والتفكير والحكم في هذه المنطقة من العالم .
انتهى
2019/02/25