الخانقاه و التكيه فى زمن الفضاء الإسرائيلى


بقلم / ياسر رافع
لم يكن مشهد إنطلاق الصاروخ الفضائى مبتعدا فى جوف الفضاء حاملا على متنه أول مركبة فضاء إسرائيليه الصنع ستجعل من إسرائيل رابع دوله فى العالم تنزل على سطح القمر ، مشهد عادى بل يحمل دلالات لا تخطئها العين ، فإسم المركبه ” بيريشت ” يعنى فى اللغه العبريه ” سفر التكوين ” وهو معنى دينى يؤكد على حلم يهودى يؤكدون عليه حتى تحت مظلة العلم ، فى مقابل مصريين مشغولون بالشجار والسباب على منصات التواصل الإجتماعى فيما بينهم وسط تخلف علمى لا تخطئه العين فى إستحضار تاريخى لدور الخانقاه والتكيه فى تشكيل الوعى المصرى وصرفه عن التفكير العلمى المبدع ، ولكن هذا ليس وليد اللحظه بل هو تأثير سلبى ممتد منذ القرون الوسطى إلى الأن
فعندما سيطر ” صلاح الدين الأيوبى ” على مصر وقضاءه على المذهب الشيعى وإسترجاع المذهب السنى مرة أخرى إلا انه نحى منحى آخر لضمان السيطره على العقليه المصريه فأسس ” الخانقاه ” وهو مبنى يعتبر كمدرسه ليس لتدريس المذاهب السنيه بل لتدريس التصوف وكان التعليم إجباريا على يد كبار العلماء تحت المظله السنيه ، فى محاوله لصرف الشعب عن التفكير ، وأستمر من بعده ملوك الدوله المملوكيه على هذا المنوال حتى يضمنوا السيطره على الشعب وتوجيهه إلى ما يريدون وأنتشرت الخانقات فى كل مكان ووقف لها من الأراضى والأموال الكثير وصار دور المسجد هامشيا حتى مع إعادة العمل فى مسجد الأزهر بعد إعادة إفتتاحه بعدما أغلقه صلاح الدين الأيوبى عشية إنتهاء الدوله الفاطميه الشيعيه التى بنته كمناره علم لها .
وعلى الرغم من أن الدوله المملوكيه كان لها أثر واضح فى العماره الإسلاميه إلا أن تاثير الخانقات على العقل المصرى كان مريعا حتى لا تجد أثر فكرى بارز يشار إليه ، وما تبقى من ذاك الزمن المملوكى فتاوى شيخ الإسلام ” بن تيميه ” المثيره للجدل ، وكتب لكبار المؤرخين الذين أرخوا لتلك الحقبه وسط محيط هادر من المصريين مغيبين تماما .
ولم يتحسن الوضع بل إزادا سوءا مع دخول العثمانيين مصر الذين أفرغوا مصر من كل شئ إبداعى بل تنافسوا مع المماليك للسيطره على العقل المصرى ليجعلوه متيبسا غير قادر على المقاومه فقاموا بإنشاء ” التكيه ” وهى المقابل للخانقاه المملوكى ، ولكن لم يكن التعليم إجباريا فيها ومع نهايه العصر العثمانى كانت التكايا التى إنتشرت فى مصر مرتعا لكل الفرق الصوفيه التركيه وكل المغتربين وفقراء المصريين الذين يجدون فيها الدروس المجانيه والطعام الذى يوزع يوميا حتى تبلد العقل المصرى وأصبح يعتمد فى أكله وشربه على ما يوزع فى تلك التكايا .
وكانت النتيجه مزيد من تخلف العقل الجمعى المصرى لصالح المحتل الأجنبى ، ومع دخول الحمله الفرنسيه مصر إنتهى عصر الخانقاه والتكيه وعادت للأزهر مكانته ، وأستمر التحديث وآفاق العقل المصرى وأصبح إبداعه حاضرا فى إستحضار لمكنون إبداعى منذ الحضارات الأولى ، لكن هذا لم يستمر طويلا ، فمنذ دخول الراديو والتلفزيون مصر حتى كانا بمثابة خانقاه وتكيه بثوب عصرى فى يد السلطه الحاكمه ، فلم يعد هناك من يدفع المال ولا يوزع الطعام بل هدفهم السيطره على العقل المصرى وتحويله إلى متلقى فقط يصحوا وينام على إنجازات وبطولات ولا يسمح له بالتساؤل ، وأستمرت عملية التدجين العقلى تلك حتى لاح فى الأفق تمرد ثورى فى 25 يناير بعدما أصبح التخلف العلمى والإقتصادى والسياسى هو الحاكم على المشهد العام المصرى ، وكان إيذانا بإنتهاء عصر الراديو والتلفزيون وريثا الخانقاه والتكيه ، وتنفس الناس الصعداء وتوسموا فى التكنولوجيا وفضاءات الإنترنت والسوشيال ميديا طوق نجاه من القيود على العقل المصرى ولكن ؟!!
سرعان ما صعد ورثة الخانقاة والتكيه ، والراديو والتلفزيون إلى العوالم الإفتراضيه وفى غضون سنوات قليله تحولت مواقع السوشيال ميديا إلى خانقات وتكايا قرون وسطى وسيطرت حاله من التبلد على العقل المصرى مرة أخرى حتى بات الشباب المصرى فى القرن الحادى والعشرين يفكر فى أتفه الأمور يريد المعلومه الجاهزه ، ودخل صناع الخانقات والتكايا لتلك المواقع فى حرب ضروس فيما بينهم من أجل السيطره على عقل متعب مرهق قتلوا فيه الإبداع ، بل يصفونه يوميا بالكسول الغير مبدع والغير منتج لتأصيل الخمول والكسل من أجل السيطره على عقله وتوجيهه من أجل البقاء فى السلطه
من يريد أن يصل إلى القمر وربما المريخ فعليه أن يتخلص من إرث الخانقات والتكايا ، وأن تتاح للعقل المصرى حرية التفكير والإبداع وأن التخلص من فكر القرون الوسطى بات ضروريا لأن شكل السلطه قد تغير وأصبح المصرى يحكم نفسه ، لذلك فما الداعى إذا لإستدعاء موروث الحاكم الأجنبى مصر قادره على التخلص من ذاك الإرث إذا خلصت النوايا ، وإلى أن يجئ هذا اليوم الموعود دعونا نتفرج على الإنجاز الإسرائيلى بنوع من الحسره والتمنى
‎2019-‎02-‎25